رجل دين من الأزهر خلال مشاركته في قداس الميلاد عند الأقباط، وذلك في 6 يناير 2014.
رجل دين من الأزهر خلال مشاركته في قداس الميلاد عند الأقباط، وذلك في 6 يناير 2014.

أثارت قضية تنقيح وتجديد الخطاب الديني جدلاً كثيراً في المجتمعات العربية. وتبنى فكرة التجديد العديد من المفكرين وطالبوا مشيخة الأزهر بعمل هذا التجديد.

ويرى كثيرون أن عملية تنقيح الخطاب الديني في الدول الإسلامية لتجديده هو ضرورة حتمية خاصةً بعدما تسببت بعض المفاهيم الدينية في كوارث عديدة منها كارثة الإرهاب وكارثة إهدار حقوق المرأة واستخدام العنف داخل المجتمع لفرض أفكار معينة عليه، وغير ذلك من الكوارث التي تولدت من رحم المفاهيم الدينية التقليدية والتي يتم تدريسها على أنها هي الدين. 

ومن هذه المفاهيم مفهوم قتال غير المسلمين لنشر الدين ووضع حدود لمعاقبة تاركي الصلاة والمجاهرين بالإفطار وإباحة العنف مع النساء وفرض الحجاب عليهن بالقوة، وغير ذلك من البشاعات التى تتعارض مع كل مفاهيم الرحمة والإنسانية والضمير.

ويزيد الطين بلة ما تذكره كتب التراث التقليدية عن الرسول مثل قصة ذبح أم قرفة وشقها إلى نصفين لأنها انتقدته في شعرها، ومثل زواجه وهو فوق الخمسين من عمره من طفلة بنت سبع سنين ودخوله بها وهي ابنة تسع وفقأ عين الأسرى وغيرها من البشاعات التي نسبت إليه ظلماً وبهتاناً وزورا.

فكيف يتأتى لمن قيل أنه أسوة لمن اتبعوه (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا- الأحزاب 21) والذين قال القرآن عنه أنه أرسل رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ- الأنبياء 107) أن يفعل مثل هذه الأشياء التي ترفضها كل نفس سوية. 

ولنكن صرحاء مع أنفسنا، أن ترك مثل هذه التعاليم دون تنقيحها لن ينتج عنه إلا مزيد من الهجوم على الإسلام من داخله ومن خارجه. ويكفي أن نرى كيف تولدت ظاهرة كراهية الإسلام في العالم وكيف يزداد أرقام الملحدين في العالم العربي يوماً بعد يوم خاصة في جيل الشباب.

والعجيب هنا أن تنقيح وتجديد الخطاب الديني، والذي عجزت مؤسسة الأزهر عن فعله قد لا يحتاج أكثر من إتباع بعض المبادئ الرئيسية في الفكر الإسلامي:

المبدأ الأول في هذا السياق، هو جعل الأولوية للقرآن قبل كل كتب التراث البشرية والتي جمعها البشر. 

فشتان بين كتاب قال الله عنه " إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - سورة القيامة 17" وبين كتب جمعها أو كتبها أناس بعد مئات السنين من وفاة الرسول. 

وهذا المبدأ وحده كفيل بإنهاء حكم الردة والرجم وقتل المثليين وذبح تاركي الصلاة وعقوبة المفطرين في رمضان وغيرها من المفاهيم الدينية التي ما أنزل الله بها من سلطان. 

فكل هذه الحدود المفتراة على الله ورسوله لم ترد في القرآن وعلى العكس تماماً فهي تناقض صريح القرآن مثل (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ – سورة البقرة 256) و(فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ – الكهف 29).

أما المبدأ الثاني، فهو استخدام الضمير في الحكم على الأمور الدينية. وهذا المبدأ أقره القرآن الكريم في قوله تعال ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا- سورة الشمس 7-8) وذكره الرسول عليه السلام في قوله (استفت قلبك, والبر ما اطمأنت إليه النفس, واطمأن إليه القلب, والإثم ما حاك في القلب, وتردد في الصدر, وإن أفتاك الناس وأفتوك).

ولو استخدم كل إنسان ضميره في الحكم على الأشياء وعامل الناس كما يحب أن يعاملوه لتغيرت أمور كثيرة في العالم الإسلامي ولقل التعصب الأعمى ولتغير الظلم الذي يتم بإسم الدين فيتم به قهر المرأة وقمع الأقليات الدينية ومعاقبة الفكر المختلف لا لشيء إلا لأنه مختلف.  

المبدأ الثالث في موضوع تجديد وتنقيح الخطاب الديني يمكن أن يتم بسهولة إذا نظر الناس للدين من خلال الآية التالية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ- سورة الأنبياء 107) ففي هذه الحالة سيرفضون أي شيئ مخالف لهذه الرحمة مثل قصة قتل أم قرفة المذكورة أعلاه ومبدأ قتال الناس وإكراههم على الدين واستخدام العنف كوسيلة لفرض الدين على الناس. فالعنف وفرض الرأي بالقوة والعنف لا يمت لصفة الرحمة بأي صلة!

والمبدأ الرابع، هو رفض الظلم بجميع أنواعه. فكما ذكرت الآية الكريمة (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ  وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). وليس على أي إنسان إلا أن يسأل نفسه: 
هل ظلمت أحداً في حياتي؟
هل تعصبت ضد إنسان وظلمته من أجل دينه أو عقيدته أو فكره؟
هل ظلمت زوجتي؟
هل ظلمت جارى؟  
هل ظلمت مسكيناً أو يتيماً أو أسيراً بدلاً من أن أكرمه؟....وقد لا يحتاج الإنسان في تعاملاته مع الآخرين إلا أن يسأل هذه الأسئلة ويتفادى ظلم الآخرين!

المبدأ الخامس:  الله وحده هو صاحب الحق فى حساب البشر

حين يذكر الله أنه مالك يوم الدين وأنه هو وحده صاحب الحق في حساب البشر {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} و حينما يقول لنبيه الكريم { وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُههُ عِندَ رَبِّهِ} فعلينا أن نتعلم من ذلك أن حق حساب البشر هو حق مطلق لله وحده لا ينازعه فيه أحد و أن أي محاولات من البعض لإصدار الأحكام على البشر و نعتهم بصفات مثل الكفر و الشرك و الفجور و الزندقة و غيرها من التعبيرات هو منازعة لله في حقه في حساب خلقه.

فمن نراه مؤمناً قد لا يقبله الله تعالى ومن نظنه فاسقاً قد يقبله الله لأنه هو أعلم بظروفه و لذا قيل على لسان الرسول عليه السلام في القرآن { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} فإذا كان الرسول علية الصلاة و السلام لا يدرى ما يفعل به و لا بالآخرين أو كيف سيحاسبون فهل ندرى نحن؟

وباختصار شديد لو أن كل مسلم نظر للدين من خلال هذا المنظور، وهذه النقاط لحدثت عملية التنقيح والتجديد دون الحاجة إلى رجال دين يقولون لنا مانفعل ومالانفعل!
 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.