حملة جديدة باسم #افضحوا_المتحرشين في مصر، لمكافحة استشراء ظاهرة التحرش
مصر شهدت قبل أسابيع حملة جديدة باسم #افضحوا_المتحرشين.

دأبت الدراسات والأبحاث العالمية على تحميل الفقر والجهل والتخلف مسؤولية العنف المجتمعي على مستوى العالم. في هذا العام، أضيفت الآثار الحادة لانتشار جائحة كورونا وأبرزها البطالة، كواحدة من أهم أسباب تنامي هذا العنف، الذي سجل أعلى مستوياته الخطيرة بل المدمرة على المستوى الأسري، ودفعت النساء ثمنه أبهظ الأثمان بشكل خاص، في معظم دول العالم.

من الطبيعي أن تشكل مثل هذه الأسباب دوافع رئيسة للعنف المجتمعي والأسري بشكل عام، لكن المتابع لعدد من الحوادث الأخيرة، سيواجه أسباباً مختلفة وملفتة، قد يجد البعض لها تبريراً بوصفها حالات استثنائية، وفي واقع الأمر، يكمن الخطر تحديداً، في عمق هذا الاستثناءات.

ثلاثة حوادث تزامنت في الأيام الأخيرة، تناقلتها وسائل الاعلام العربية، وتفاعلت معها منصات التواصل الاجتماعي بشكل ملفت، أولها، قضية تحرش كبرى اتهم فيها إعلامي عربي شهير، والثانية قضية عنف جسدي تعرضت له سيدة  عربية من زوجها الإعلامي أيضاً، والأخيرة، جريمة اغتصاب جماعي لفتاة حدثت في أحد الفنادق  العربية الشهيرة عام  2014، كشف النقاب عنها مؤخراً، المتهمون فيها مجموعة من الشبان الأثرياء.

في هذه الحوادث الثلاث، المتهمون هم أصحاب مناصب ثقافية أو علمية أو إعلامية أو نفوذ اجتماعي ومالي، وهو ما ينفي دافعي الفقر أو الجهل، ويؤكد المؤًكد حول العنف الكامن في الذكورة بشكل عام، بصفته عنفاً مكتسباً، بررته عبر التاريخ ذكورة مماثلة، سنّت بعض النصوص الدينية التي تشرعنه، وعززته عادات وأعراف وقوانين مواربة، رحبت بها مجتمعات كثيرة.

لكن الزمن الذي كانت النساء يرضخن فيه بالبقاء كضحايا صامتات قد تغير إلى الأبد، وتشكّل مثل هذه الأوقات النادرة التي يجلس فيها العالم متابعاً ومتفاعلاً مع العالم الافتراضي بكثافة أكبر، فرصتهن التاريخية المتاحة، قد ينجحن عبر استغلالها السريع والفطن، بكبح جماح بعض هذا العنف، والتخفيف من آثاره المدمرة، وإسماع أصواتهن عبر هبات التكنولوجيا العصرية، وفي مقدمها وسائل التواصل الاجتماعي، لفضح هذا التغول، ومواجهته دون تردد أو خوف. 

في استعراض سريع للصفحات الإلكترونية التي ترصد الحوادث، وتسجل على مدار الساعة، مثل عدّاد القهر، أرقاماً مضافة لنساء معنّفات، أو ضحايا لجرائم الاغتصاب والقتل، ومتابعة التعليقات الذكورية المرافقة لمثل هذه الحوادث، التي تبرر للجناة في معظم الحالات، أو تتعاطف معهم، أو تمارس عنفاً لفظياً وتحريضاً ضد الضحايا، لا تقل بشاعة عن الجريمة الأصلية، تشير إلى أن الجيش الذكوري الالكتروني، اكتشف مبكراً دور هذه المنصات، وأهمية تسخيرها بمنهجية واضحة، من أجل الدفاع الأزلي عن مكتسباته السلطوية، لكنه في حقيقة الأمر، بات يهابها.

بالتالي، فإن تعزيز اللجوء النسوي والدفع نحو استغلال هذه الوسيلة المُهَابة المتاحة، الأكثر انتشاراً والأسرع تأثيراً، مهمة ملحة تقع على عاتق جميع الأفراد المناهضين للعنف، والمنظمات النسوية وجميع منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وذلك عبر توفير ما أمكن من دعم لوجستي ومالي، لتسهيل وصول هذه الآلية إلى يد النساء في كل مكان، والتدريب الواعي على استعمالها، كواحدة من حقوق الإنسان العصرية. 

كما يساهم تشكيل شبكات إلكترونية متخصصة قادرة على الوصول إلى أكبر عدد من الضحايا، في الحشد الحقيقي نحو إنشاء جيش الكتروني نسوي، يمكن أن يساهم في تحريك المستقر والثابت الاجتماعي، والدفع نحو استحداث قوانين صارمة، لا تهادن منصباً لمتنفذ مُغتصِب، أو توفر للجناة ملاذاً آمناً، أو تسمح لهم بالفرار تحت مرأى ومسمع سلطات البلاد. 

إضافة إلى أن أهم نجاح يمكن للنساء أن يحققنه، هو إيمانهن بما يفعلنه، والجدية، وبث روح الاستمرارية، وعدم الاستخفاف بجدوى ما يفعلنه، وفي حملة Me-Too العالمية التي ساهمت في إسقاط رؤوس دولية كبيرة وشهيرة، وفضحهم وإجبارهم مع خزيهم على التخفي أو الانزواء، خير مثال عن جدوى العمل الجماعي من أجل الحق. 

يبتدئ كابوس الخوف النسوي من البيت، وحين يتعذر الوصول لوسائل التواصل الاجتماعي، يمكن اقتحام فضاء هذه البيوت عبر آليات كثيرة متاحة من أجل تحرير النساء من خوفهن، عبر تسريب كلمات مؤثرة يتضمنها حوار في مسلسل تلفزيوني، أو دردشة بين ضيفين عبر الراديو، توصل لنساء هذه البيوت خلف أبوابهن المغلقة، بعض رسائل  العالم الخارجي المطمئنة، وبأنهن لسن وحيدات.
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.