الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ولوكاشينكو، أجريا اتصالا هاتفيا يوم الإثنين، ناقشا خلاله الوضع في بيلاروسيا.
بوتين يدعم ولوكاشينكو.

في الأسبوع الأول للتظاهرات مارست موسكو نوعا من الحياد الحذر تجاه ما يحدث في مينسك، متذرعة بضرورة مراقبة التطورات وتقييم الموقف قبل اتخاذ قرارها، كانت وجهات النظر لدى صناع الرأي العام الروسي بأن موسكو ليست معنية الآن بالتدخل، خصوصا إذا كانت الفرضية المحتملة لهذا التدخل إنقاذ لوكاشينكو، المرتبط بمجموعة شروط سيضعها الكرملين قبل القيام بخطواته العملية.

في الأسبوع الثالث، انتقلت موسكو من موقع الحياد الحذر إلى طرح احتمال التدخل، وبدأت تعد المسوغات لتبريره، تحت ذريعة وصول شخصيات موالية للغرب إلى السلطة، تقترب سياسيا واقتصاديا من دول البلطيق الثلاثة (لاتفيا، ليتوانيا واستونيا) التي أصبحت جزءا من الاتحاد الأوروبي وانضمت إلى حلف الناتو، والتي قد يكون لها تأثيرا مباشرا على سياسة مينسك مستقبلا، خصوصا أن زعيمة المعارضة سفيتلانا تيخانوفسكايا قد لجأت إلى ليتوانيا خوفا من اعتقالها.

وفي حديث متلفز مع أعضاء في البرلمان الأوروبي يوم الثلاثاء الفائت أجرته من منفاها، أكدت سفيتلانا تيخانوفسكايا أن ما يحدث في بيلاروسيا ثورة سليمة وأنها "ليست ثورة مؤيدة لروسيا ولا معادية لروسيا، إنها ليست ثورة معادية للاتحاد الأوروبي ولا مؤيدة للاتحاد الأوروبي، إنها ثورة ديمقراطية".

لا يمكن للرئيس بوتين وصناع القرار الاستراتيجي تقبل فكرة قيام ثورة ديمقراطية في الحديقة الخلفية للكرملين، فروسيا البيضاء ليست جورجيا ولا أوكرانيا، الكرملين الذي قطع آلاف الكيلومترات من أجل إخماد ثورة الشعب السوري بالقوة، وساند كل الأنظمة التي استخدمت العنف ضد شعوبها، لا يمكن أن يبقى مكتوف الأيدي طويلا، وبدأ برسم شكل وشروط التدخل بانتظار أن تكتمل صورة المشهد البيلاروسي.

في أول كلام صريح ومباشر عن الأزمة بعد 5 اتصالات هاتفية خلال أسبوعين بينه وبين نظيره البيلاروسي اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن ما يحدث في بيلاروسيا شأن المجتمع والشعب، وأن “بلاده تتصرف بطريقة أكثر تحفظا وحيادية من الكثير من الدول سواء الأوروبية أو الولايات المتحدة"، وهي المرة الأولى التي يغمز فيها بوتين من قناة الدول الغربية مذكرا كافة الأطراف الداخلية والخارجية بأن هناك التزامات  قدمتها بلاده إلى بيلاروسيا وهي ستفي بها لحظة الضرورة.

موقع بيلاروسيا الجغرافي يجعلها مساحة لاختبار النوايا ما بين روسيا والاتحاد الأوروبي الذي يحاول فرض سياسة أوروبية داخلية حازمة، فاستراتيجية الاتحاد وخطواته في التعامل مع مينسك ستثير ريبة موسكو وتعزز مخاوفها من خسارة جيواستراتيجية قاسية خصوصا بعد التصريحات الأخيرة لرئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فونديرلاين التي رفضت الاعتراف بنتائج الانتخابات وأعلنت أن الاتحاد الأوروبي على استعداد للانخراط في جميع السبل الممكنة لمواكبة الانتقال السلمي والديمقراطي للسلطة.  

لا يمكن لصناع القرار داخل الكرملين خصوصا الاستراتيجيين والامنيين تقبل فكرة انتقال ديمقراطي للسلطة على تخوم موسكو، فبين خطر التظاهرات وانتقال عدواها إلى الداخل الروسي ومخاطر الضغوط الخارجية، سينزع الكرملين تحفظاته وستتحرك موسكو ضمن المعايير التي وضعها بوتين وفي مقدمتها الأمنية بعد الاتفاق بين الجانبين على تشكيل قوة احتياط أمني روسية يتم استخدامها عندما تخرج الأمور عن السيطرة وذلك وفقا لما جاء على لسان بوتين يوم الخميس الفائت أنه "اتفقنا على أنني لن أستخدم تلك القوة إلى حين يكون الوضع خارجا عن السيطرة، وتتجاوز بعض العناصر المتطرفة بعض الضوابط مثل إحراق سيارات ومنازل ومصارف أو محاولة الاستيلاء على مبان إدارية".

الاستفزازات من الطرفين تتصاعد، وبعد ساعات من حديث بوتين لقناة روسيا24 ، قال أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ  لصحيفة "بيلد" الإلكترونية التي تصدر في ألمانيا أن "بيلاروسيا دولة مستقلة ذات سيادة ولا يجدر بأي كان بما في ذلك روسيا التدخل هناك".

بين ارتباك نظام لوكاشينكو ورفضه التنازل وتلويحه بخيار استخدام العنف، وبين إصرار الشارع على المواجهة وعدم التراجع، ومع ارتفاع وتيرة التظاهرات واتساعها، إضافة إلى حركة تدخلات خارجية، يبدو أن موسكو تتهيأ لتوغل جديد في مجالها السوفياتي مهما كانت كلفته فهي ستكون أقل ضررا عليها من لحظة اقتراب المتظاهرين من الجدار الأحمر الذي يحيط بالكرملين.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.