A girl stands in a line of women to receive aid at the Kurdish-run al-Hol camp in the al-Hasakeh governorate in northeastern…
عائلات مقاتلي تنظيم "داعش" في مخيم الهول في سوريا

كان الحديث في المقال السابق (معضلة الوعي التراثي)، عن استحضار أحكام "الجهاد" المسطورة في كتب التراث من زمنها العتيق إلى واقعنا المعاصر؛ على لسان أكبر شيوخ السلفية المعاصرين/ أبي إسحاق الحويني. وقد عرضنا بشيء من التعليق والنقد، كيف أن الحويني حَثَّ على الجهاد من باب أنه: الحل الناجع لمشكلة الفقر التي يعاني منها العالم الإسلامي. والأخطر، أن الحويني جعل طريقة الاكتفاء المالي بواسطة الجهاد مرتكزة على عوائد بيع السبي (الاتجار بالبشر) الذين سيَسْتَرقّهم "المجاهدون"؛ لأن هؤلاء أسرى/ الأرقاء سيصبحون رأس مال كبير؛ يُغْني فقراءَ المسلمين!

كان كلام الحويني في غاية البشاعة والشناعة. وقد قلنا إنه اضطُر للرد على الحملة الإعلامية التي جاءت على خلفية كلامه في الاسترقاق، فكان في ردّه مُؤكِّدا لما قاله سلفا، مُصعّدا من حيث أراد التهدئة والتبرئة لذاته وتياره الاتباعي/ الأثري. وقد استغل الإعلام أيضا هذا الرد لتضييق الخناق على الحويني؛ لأنه في هذا الرد أكّد كل كلامه السابق، وجدّد العهد به، وظهر مُصرّا أشدَّ الإصرار على ما كان موضع الشاهد في الاستبشاع والاستفظاع تحديدا؛ مع مراوغة ساذجة تتميز بقدر غير قليل من الاستغباء لجماهير المستمعين.

في البداية؛ رد الحويني على الحملة الإعلامية التي تناولت المقطع القديم بردٍّ مختصر، متوهما أن عموم جماهير المتعلمين والإعلاميين والمثقفين مثل تلامذته الذين اعتادوا التلقي منه بالتسليم من أول إشارة إلى مقصد مزعوم؛ دون اعتبار للكلام الأول، وللكلام الاستدراكي بالتبع. ولهذا، اكتفى الحويني بأن يقول إن كلامه كان درسا فقهيا في شرح أحكام الجهاد. ثم قال ما نصه: "وقلتُ من أحكام الجهاد أن المسلمين إذا دخلوا بلدا يغنموا ما في هذا البلد من رجال ونساء وأموال ويُقْسم هذا على المجاهدين".

لو لاحظ القارئ التعليل السابق لضرورة بيع الأسرى؛ لوجده أشد من التقرير الذي سبقه

توهّم الحويني أن التهمة قد ارتفعت عنه؛ لمجرد أنه طرح رأيه في درس فقهي اعتيادي (يقصد أنه لم يكن في سياق مناسبة تحريض للقتال). ولكن غاب عنه أنه أكّد راهنا ـ وبالتفصيل الذي يضيق عليه الخناق ـ ما قاله في المقطع القديم. كأنه يقول: لم آتِ بشيء من عندي، لم آتِ بجديد، أنا فقط أقرر أحكام الإسلام كما هي في التراث السلفي.

طبعا، هنا مغالطة؛ فلم يقل أحد إنه أتى بجديد. ولكنه ـ وهنا مناط الاتهام ـ جدّد القديم تأكيدا وتشريعا، وأدخله في سياق الفعل المعاصر. كما لم يقل أحد إنه يقرر هذه الأحكام متشرعنا بالتراث الهندوسي أو البوذي أو بتراث ديكارت أو فولتير أو ماركس، الجميع يعلم أنه يحيل مقولاته إلى ذات الشرع الذي يؤمن به المسلمون، وأنه يقول ما يقوله بوصفه ينطق بـ"صحيح الدين"، الواجب التطبيق في الراهن؛ متى ما توفّرت القدرة الحربية التي يجب على الجميع السعي لتوفيرها في أقرب وقت ممكن؛ ليعود مجد الإسلام!

من المؤكد أن السلفي ـ أي سلفي ـ يعيش خارج منطق العصر بالكامل. هذا المقطع القصير التوضيحي كان أبلغ في إدانة الحويني (مع أن الأول أشنع في لغة الخطاب)؛ لأنه تأكيد لما سبق، وإصرار على ثبات تلك الأفعال المشرعنة بوصفها منطقَ خطاب الشيخ في الحاضر؛ كما كانت منطقه في الماضي/ زمن المقطع الأول. وهذا ما جعل الصحافة التي غضب من هجومها عليه بسبب المقطع الأول، تعاود الهجوم عليه، بعد أن أصبح ما قاله حديثا بمثابة تثبيت لصحة المقطع الأول، وإعلان أنه ما زال يقول بما كان يقول به قديما.

الهجوم الصحفي الثاني على الحويني جعله يردّ بمحاضرة طويلة، محاولا تلطيف بعض ما قاله؛ دون أن يتنصل من مسألة الحرب/ الجهاد، ودون أن يعتذر أو يغير في شيء من رأيه في القتالِ والسبي وبيع البشر في الأسواق (الذي يراه حُكما شرعيا/ إسلاميا أبديا غير قابل للتغيير). وفي هذه النقطة بالذات، كان صريحا وشجاعا في تأكيد رأيه؛ حتى وإن راغ ذات اليمين وذات الشمال بمسارب ليست من صُلب المسألة التي هي محل الإنكار/ محل الاستبشاع والاستفظاع.

لقد أكّد ابتداءً ثباته على قوله؛ لأن ما يقوله: دين. قال صراحة: "طالما أنا بتكلم دين يبقى كلامي ثابت، من ثلاثين سنة تلاقي كلامي مثل كلامي الآن". وقال في ذات السياق: "كنت أتكلّم عن الجهاد وأحكامه والآثار المترتبة عليه، وهذا درسُ فقه"، ثم يُورِد حديثَ التّخيير (يُخَيِّر المقاتلون المسلمون الكفارَ بين ثلاثٍ؛ على الترتيب: 1 ـ الدخول في الإسلام، 2 ـ دفع الجزية، 3 ـ إن رفضوا الخيارين الأولين ـ : القتال)، وهنا يقول ما نصه: "أي معركة فيها غالب ومغلوب، إحنا إذا غلبنا ودخلنا على عدونا الكافر... إذا إحنا غلبنا؛ شيء طبيعي إن إحنا حنفرض أحكام الإسلام على البلد التي دخلناها، أحكام الإسلام بتقول [لاحظ هنا، يُحِيل إلى الإسلام، وكأنه يقول: هذا ليس رأيي، بل رأي الإسلام] إن كل الناس الموجودين في البلد أصبحوا غنائم وسبايا، نساء، رجال، أطفال، أموال، دور، حقول، مزارع، كل ذي بقت ملك الدولة الإسلامية، ألف باء، بقينا أغنياء أو لا؟! ودخل الخزينة فلوس أو لا ؟!"... "طيب الناس السبايا إيه مصيرهم في الشرع؟ مصيرهم أنهم كغنائم يوزعون على المجاهدين"(لاحظ تأكيد العائد المادي هنا، وأنه عالج مسألة الفقر، وهذا يؤكد كلامه في المقطع الأول/ القديم).

هنا، نلاحظ كيف يُحاول الحويني ـ ليَشْغَبَ على منتقديه ـ الخلط بين سياقين لم يكونا واردين في النقد/ الهجوم الذي تعرّض له. يقول: "في البداية ندعو بالحسنى". وهذا لم يناقشه فيه أحد. المهم، ماذا بعد الدعوة بالحسنى؛ إذا لم يستجب له "الكفار" كما يقول؟ هنا، يُصرّح أن الخيار محصور بأحد أمرين: الجزية أو القتال. والجزية ليست محل نقاش هنا، فماذا عن القتال وأحكامه والآثار المترتبة عليه؟

القتال تحديدا هو موطن الإشكال. والإشكال ليس في ذات القتال، فالدول/ الأمم كانت ـ ولا تزال ـ تخوض حروبها العادلة وغير العادلة. والحروب على بشاعاتها مفهومة إلى حدا ما. لكن موضع الإشكال الأساس (والصادم للضمير العالمي المعاصر) هو: كيف سيكون التعامل مع المغلوبين؛ من عسكريين ومدنيين؟ هنا يأتي الجواب السلفي الجمودي الذي يرفض رفضا قاطعا الدخول إلى منطق العصر وضميره ليقول ـ بكل صراحة ـ وعلى لسان الحويني: هؤلاء الأسرى، بل وكل الشعب المغلوب، يُصْبحون أرقاء/ مُسْتعبدين ضمن الغنائم، ويتم توزيعهم ـ كما البهائم تماما ـ على المقاتلين/ المجاهدين.

الغريب أن الحويني وهو يتهم منتقديه بظلمه والافتراء عليه، بل وباجتزاء/ اقتطاع كلامه، يؤكد ـ باستغباءٍ فاخر ـ ذات الفكرة المُنْتَقَدة عليه، أكثر من مرة، حتى في المحاضرة الواحدة، وبأساليب وأمثلة متعددة، كلها تؤكد ذات الفكرة. فهو يقول ـ نصّا ـ في تبرير ضرورة استرقاق الأسرى: "طيب أنا دخلت على بلد [يقصد: تمكّنت من احتلالها] وتعدادها نصف مليون، نعمل إيه في النصف مليون دُوْل، المجاهدين نشوف عددهم كم، مئة ألف؟ خلاص يبقى كل واحد يأخذ خمسة". ثم يتبع ذلك بتأكيد تفصيلي أبشع وأشنع، فيقول ـ نصّا ـ: "لَمّا تحصل هذه المنظومة [يقصد: ما قاله في النص السابق من استرقاق نصف مليون وتوزيعهم على "المجاهدين"] لا بد أن يُقَابلها شيء يُسَمّى سوق النخاسة، سوق النخاسة سوق بيع العبيد والإماء والجواري والأطفال، كل رأس من هذه الرؤوس بقى له ثمن". ثم يشرح بعد هذا أن المجاهد إذا كان لديه رقيق، ووقع في أزمة مالية، ماذا يفعل برقيقه، هل يشنقهم أم الأرحم بهم أن يبيعهم... إلخ تفاصيل المروعة التي ينطق بها التفكيرُ التقليدي المنغلق على تراث السابقين.

بعد كل هذا الكلام على القتال/ الجهاد، وما يتلوه من استرقاق لكامل الشعوب المغلوبة، ثم بيعهم، وتفصيل ذلك بتوصيف الإجراء العملي في سوق النخاسة، يزعم الحويني ـ بعد أن يقول كل هذا ـ أن ليس في كلامه ما يُعاب، وإنما العيب في فهم الخصوم. طبعا، ليس في كلامه ما يُعَاب من وجهة نظره، إذ هو يرى أنه يتكلم بلسان الحقيقة المطلقة، هو موقن أنه يُقَرِّر أحكامَ الله الأبدية العابرة الزمان والمكان.

لو لاحظ القارئ التعليل السابق لضرورة بيع الأسرى؛ لوجده أشد من التقرير الذي سبقه. فالتعليل يُؤكّد أن الرجل يعيش خارج نطاق العصر بالكامل، وأنه حتى عندما يحاول التبرير والتوضيح لتخفيف بشاعة الخارطة المرسومة للمجاهدين، لا يستطيع التفكير خارج المنطق التقليدي الأثري الذي يتشرعن به. فهو عندما يتساءل: ماذا يفعل المجاهد بالأرقاء الذين أصبحوا من نصيبه إن كان فقيرا؛ هل يبيعهم أم يقتلهم؟ يطرح هذا السؤال؛ ليكون الجواب تبريرا للاسترقاق، فبيعهم أهون من قتلهم. لكن لا يطرح السؤال الأهم: لماذا استرقهم أصلا؟ لماذا لا يعاملون كأسرى وفق الاتفاقيات الدولية لمعاملة الأسرى؟ (أفهم أن هذا ليس واردا لدى الحويني، فحتى لو خطر له، لا يستطيع أن يقول به أصلا؛ لأنه وفق المنظمة الأثرية: هذه الغنائم بما فيها من رجال ونساء وأطفال وأموال... إلخ 80 في المئة منها حق للمقاتلين والـ20 في المئة الباقية/ الخُمس للدولة التي تدير الحرب، وليس من حق الدولة/ الحاكم التصرف في 80 في المئة لأنها حق مكتسب لـ"المجاهد": حق شرعي أزلي/ ملك خاص).

على أية حال، ورغم وجود كثير من التفاصيل المهمة التي لا يتسع لها الكلام هنا، فإننا ـ وبعد اطلاعنا على بشاعة وشناعة التنظير الحويني ـ يمكن أن نختصر أهم ردوده/ تبريراته بثلاث مغالطات:

كرّر الحويني ـ لتهوين الخطورة في كلامه عن الجهاد والسبي ـ أنه لا يدعو الآن لـ"جهاد الطلب"؛ لضعف المسلمين في الوقت الراهن

1 ـ يُكرّر أن المشكلة ليست في كلامه، وإنما في الاجتزاء/ القطع، حيث نُزِع كلامُه من سياقه؛ فوقع الإشكال. ولكن، اتضح العكس؛ بعد أن قام بالإيضاح، حيث تبيّن أنه لم يَقصد بالاجتزاء إلا كون كلامه لم يكن تأسيسا للكلام على الاسترقاق ابتداء، وإنما أتى في سياق شرح "باب الجهاد". وكونه ابتداء أو في سياق شرح باب فقهي لا يُغيّر من الأمر شيئا؛ بدليل أنه كرّر التأكيد على الاستراق وبيع البشر (لم يجرؤ على القول بأن سَبْي البشر واسترقاقهم غير جائز في هذا العصر!). والاسترقاق وبيع البشر هو موطن الإشكال، وليس كونه أنشأ كلامه ابتداء أو قاله شرحا/ تعليقا في سياق الدرس الفقهي.

2 ـ كرّر الحويني ـ لتبرئة نفسه ـ أنه كان يُقرّر ـ نظريا ـ أحكامَ الشرع في الجهاد والسبي وبيع السبي، ولم يعمل على التطبيق. قال ـ نصا ـ: "أنا كنت بتكلم عن معلومة مش تطبيق المعلومة، هناك فرق بين صحة المعلومة وتطبيقها؛ لأن تطبيق المعلومة لا يخصني، وإنما يخص القيادة العليا". وهذه مراوغة مكشوفة، إذ كل الذين انتقدوا الحويني لم يقل أي أحد منهم إن الحويني يمتلك الجيوش، وهو بكلامه هذا يُجَهّزها ليَشنّ حربا على "الكفار". الجميع يعرف أنه يطرحا رأيا نظريا شرعيا، وأن التطبيق ليس بيده. ونقدهم له إنما كان على هذا الطرح النظري الذي يمنح هذا الاسترقاق وبيع البشر مشروعية دينية كاملة. فإذا تقرر ـ وفق هذا التنظير من شيخ سلفي كبير ـ مشروعية هذه الممارسات، فسيأتي من يُطَبّق ذلك في حال قدرته، ولن يرى نفسه آثما بذلك، بل سيرى أنه يمتثل لأمر الشرع الإسلامي. وهذا ما فعله تنظيم "داعش" مثلا، إذ لم يفعلوا "عمليا" أكثر مما قاله الحويني "نظريا".

3 ـ أيضا، كرّر الحويني ـ لتهوين الخطورة في كلامه عن الجهاد والسبي ـ أنه لا يدعو الآن لـ"جهاد الطلب"؛ لضعف المسلمين في الوقت الراهن. وتَنبّه لقوله: "الآن"؛ ولتعليل عدم دعوته للهجوم على الآخرين واسترقاقهم الآن بـ"ضعف المسلمين". بمعنى، أن المانع من تطبيق كل التنظير البشع الذي قال به ليس إلا حالة الضعف/ عدم الاستطاعة. ومن ثَمَّ، فمتى ما تحوّل هذا الضعف إلى قوة؛ فيجب علينا التطبيق العملي لـ"جهاد الطلب"، وتنفيذ ما يترتّب عليه من استرقاق الشعوب وبيع للبشر في سوق النخاسة؛ كما يقول الحويني نصّا.

 هل جاء تنظيم "داعش" بجديد؟!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.