People wearing protective face masks to help prevent spread of the coronavirus mourn during an annual ceremony commemorating…
ثورة الحسين عليه السَّلام أرادتها أحزاب السلطة أن تكون ذكرى تاريخية تُستَحضَر بالبكاء والنحيب واللطم على الصدور، في حين يعتبرها الجيلُ الشيعي الجديد ثورة ضد الظلم والفساد

كان الوصف الأدق والأكثر مصداقية حول تأثير حركة الاحتجاجات في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي هو ما حدده المرجع الديني الأعلى علي السيستاني بعبارته: "لن يكون ما بعد هذه الاحتجاجات كما كان قبلها في كل الأحوال". على الرغم من أن حركة الاحتجاجات لم تحقق جميع مطالبها وغاياتها الرئيسة بإصلاح النظام وإحداث التغيير في منظومة العمل السياسي التي تسببت بالفساد والفشل وهدر الثروات، فإن المنجز الحقيقي الذي حدث هو كسر دائرة الخوف لدى جيل شبابي ضحّى بدمائه من أجل أن يصل صوته المطالِب بإصلاح النظام وكشف عوراته.

ويوم بعد آخر تثبت حركة احتجاجات تشرين أنها ليست مجرّد تظاهرات وحركة احتجاج فحسب، وإنما هي نقطة فاصلة في تطورات الحياة السياسية في العراق. فحضورها الفاعل والمؤثر في مراسيم وشعائر الاحتفاء بذكرى عاشوراء لهذا العام يؤكد أنها تستثمر كل المناسبات الاجتماعية والدينية لإثبات شرعية مطالبها وشعاراتها التي رفعتها ضدّ الطبقة السياسية الحاكمة.

لقد حوَّلت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي بعد عام 2003 ذكرى عاشوراء مناسبة لتأكيد الهوية الشيعية للعراق، وعلى الأغلب كانت توظَّف للتعبير عن حجم وقوة الأغلبية الشيعية وتكريس سلطتها الاجتماعية والسياسية، وقد لا يحتاج هذا الموضوع إلى أن تتبنّاه تلك الأحزاب، لأن مجاله يرتبط بتدين أبناء الوسط والجنوب. لكن يبدو أن الإسلام السياسي الشيعي كان يسعى إلى ترسيخ فكرة أن إحياء مراسيم ذكرى عاشوراء هي إحدى أهم منجزاته التي يقدّمها لجمهوره الشيعي، من دون أن يقدم نموذجا لإدارة الدولة والمجتمع قائم على أساس تحقيق الفضائل التي بذل الإمام الحسين حياته من أجلها.

القراءة الثورية لذكرى عاشوراء باعتبارها حركة نهضوية ضد ظلم الحكام لا يمكن أن يعبر عنها من يسكن قصور السلطة، وإنما تجسّدها الحركات والمواقف التي ترفض الظلم

ولذلك، طغت على طقوس عاشوراء التوشح بالسَّواد والضرب على الصدور، ومجالس العزاء التي تستذكره الحادثة بروايتها التاريخية مع التعبير عن مظلومية الشيعة عبر التاريخ الإسلامي، ونقد لأوضاع المجتمع من خلال جلد الذات الشيعية، لأنها تخلَّت عن نهج الأئمة المعصومين. وما عدا السنوات الأخيرة لم يكن هناك تطرق لانتقاد الفساد وسوء الإدارة الذي انعكس على كل مرافق الحياة العامة في المحافظات الوسطى والجنوبية. والمفارقة أن مجالس إحياء ذكرى عاشوراء التي تعد مناسبة لنقد حكم آل أمية وطغيانهم وتسلطهم على رقاب الأمة الإسلامية بغير وجه حق، واتخاذهم مَالَ اللَّهِ دُوَلًا، وَعِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا، كل هذا يتم في قاعات فارهة تابعة لأحزاب السلطة التي أغلب زعمائها وشخصيتها متهمين بالفساد وسوء الإدارة.

ثورة الحسين عليه السَّلام أرادتها أحزاب السلطة أن تكون ذكرى تاريخية تُستَحضَر بالبكاء والنحيب واللطم على الصدور، في حين يعتبرها الجيلُ الشيعي الجديد ثورة ضد الظلم والفساد. ولذلك ليس مستغربا من أحزاب الإسلام السياسي الشيعي أن ترفض مقاربة احتجاجات تشرين كامتداد لثورة الحسين وذكراها في عاشوراء؛ لأنَّ الإقرار بذلك يعني اعترافهم بشرعية المطالب التي ترفعها احتجاجات تشرين، وبالنتيجة هي حركة تعبّر عن امتداد تاريخي ومبدأي ضد سلطة فاسدة وغاشمة بصرف النظر عن عقيدة وانتماء مَن يمسك بها.

مثَّلت عاشوراء هذا السنة تجسيدا لمعركة بين معسكرَين، معسكر يقوده جيل شبابي يطالب بحقوقه، وأوليغارشية من السلطويين وأتباعهم. والمعركة بين مَن يريد أن تبقى ذكرى ثورة الإمام الحسين طقوسية تختزل في القصائد البُكائية التي تستحضر مأساة الاستشهاد وسبي آل بيت النبوة، وحركة شبابية تستحضر المبدأ والثورة ضد حكم الفاسدين والفاشلين وتريد تجسيد شعار "هيهات منّا الذلة" فعلا في ساحات التظاهر والاحتجاج.

وهذا تحديدا ما عكسته القصائد والمواكب الحسينية في النجف وكربلاء والبصرة التي تصدح حناجر خطبائها وشعراءها بمواقف ودماء شباب تشرين، يقابلها مجالس عزاء في قصور أحزاب السلطة يقتصر على شخوص السلطة وجمهورهم، وتتركز ذكرى الثورة الحسينة فيها على الحادثة التاريخية باعتبارها فجيعة ومأساة حدثت في كربلاء بعيدا عن روح الثورة وقضيتها في التحرر ورفض الخضوع والخنوع.

تتماهى عاشوراء ما بعد احتجاجات تشرين مع حركة احتجاجية تريد إثبات أن ثورة الإمام الحسين مستمرّة ما دام هناك نظام حكم يتجاهل حقوق الناس بحياة حرّة وكريمة، بصرف النظر عن الانتماء الديني والطائفي والقومي لمن يدير ويتحكم بهذا النظام، وأن ساحات الاحتجاج هي المكان الحقيقي للتعبير عن الانتماء للثورة الحسينية، وهنا تحديدا رفض لاختزال إحياء ذكرى عاشوراء بمجالس عزاء تذرف بها الدموع لنيل الثواب.

مثَّلت عاشوراء هذا السنة تجسيدا لمعركة بين معسكرَين، معسكر يقوده جيل شبابي يطالب بحقوقه، وأوليغارشية من السلطويين وأتباعهم

ومن ثمَّ، القراءة الثورية لذكرى عاشوراء باعتبارها حركة نهضوية ضد ظلم الحكام لا يمكن أن يعبر عنها من يسكن قصور السلطة، وإنما تجسّدها الحركات والمواقف التي ترفض الظلم. ونحن هنا إزاء تحول في فهم طبيعة طقوس وشعائر دينية ونمط ممارستها يعبر عن تمثلها في فاعلية اجتماعية وسياسية وليست طقوسية فحسب.

منطق السلطة في بلداننا المنكوبة بالفشل والفساد لا يعرف غير الاستئثار بالحكم والتعامل بالحديد والنار ضد من يعارضه قولا أو فعلا، ومن ثم لا يمكن الجمع بين النقيضين: من جهة ادعاء أحزاب السلطة بأنها تسير على نهج ثورة الإمام الحسين وترفع شعاراتها بالإصلاح، في حين سياساتها في الحكم وممارستها للسلطة على نهج قتلة الحسين.

إن انعكاسات تظاهرات تشرين على خطاب المنابر في مراسيم إحياء ذكرى عاشوراء، يؤشر تحولا يتمظهر في تشكيل قناعات وخيارات الجمهور الشيعي إزاء السلطة والحكّام، فهو يؤشر التماهي بين معاناة الناس من سنوات الخراب التي مرَّت على البلاد من سوء إدارة القائمين على السُّلطة، والموقف منهم يكون بعيدا عن المخاوف المرتبطة بمفهوم الهويّة الشيعية الذي أراد الإسلام السياسي الشيعي حصرها بالشعائر والطقوس كمؤشر للانتماء السياسي. وعليه فإن الأولويات الآن ـ في نظر الجمهور ـ هي لمن يضمن مستقبلا للأجيال، وليس لمن يستخدم شعارات الثورة الحسينية للبقاء بالسلطة.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.