A man wearing a mask bearing the national flags of America, Israel and United Arab Emirates, looks on after an Israeli flag…
رجل يرتدي كمامة رسم عليها علم الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل خلال وصول طائر العال إلى مطار أبوظبي

ما أن تواردت أنباء الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، حتى تفجرت قريحة نضالية جماعية ما متمركزة في بلدان المشرق العربي، سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، أتحفت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بكل أشكال المناهضة الثقافية والمناطقية والعرقية تجاه سكان الخليج العربي. 

مستويات الحدة في ذلك الخطاب، والمراكز التي انطلق منه، دلت على وجود استعداد داخلي وجاهزية قبلية لمثل تلك المناهضة، المتمثلة بمختلف أشكال الكراهية المكبوتة تجاه الخليجيين. تتجاوز هذه المناهضة أي حدث سياسي، لتكون إحدى البُنى الثقافية والأيديولوجية لجهات سياسية وطبقات ثقافية ومجتمعية لبعض سكان هذا المشرق العربي، تملك سيرة تاريخية، يتخذها ويستمرأها حيز مرئي من هؤلاء السكان، الذين كانوا يُسمون مُجتمعين في العهد العثماني بـ"السوريين".

من منظور عمومي، عاشت منطقة المشرق مثلثا من النزعات الأيديولوجية السياسية طوال قرن كامل من تاريخها الحديث، شغلت القومية العربية والإسلام السياسي والقومية السورية الاجتماعية أضلاعها الثلاث.

ما كان يميز هذه العقائد السياسية الثلاث عن غيرها، هو ترسانة المفاهيم والرؤى والمخيلات والخطابات والتفاسير التي تكتنزها، حول هوية الذات الجمعية ومحددات والآخر، والحكاية التاريخية وعقيدة الحاضر، وطبعا ما يجب أن يكون عليه المستقبل.  صحيح أنه كان هناك تنظيمات وقوى سياسية أخرى إلى جانبها، يسارية/شيوعية مثلا، أو برجوازية تقليدية، لكنها لم تكن كما الثلاثة الأولى، تملك ذلك "العمق" من التشكيل الخطابي والأيديولوجية والرؤية الهوياتية، حول الزمن والذات الجمعية والآخر.

عبر عملية مناهضة هاتين الجماعتين، اليهود كأعداء أسطوريين، والخليجيين كممثلين للعروبة والإسلام الجوهري، شكل هؤلاء القوميون السوريون الاجتماعيون كتلة من الخرافات حول هويتهم وجماعتهم المتخيلة

في نفس السياق، فإن الإسلام السياسي كان يلتقي بالقومية العربية أكثر مما كان يفترق عنها، ولولا الخلاف في التفصيل المتعلق بالموقع والمكانة التي يمكن أن ينالها المسيحيون أو أبناء الطوائف الإسلامية غير السُنية في الحياة العامة، لكان الطرفان تشكيلا أيديولوجيا وسياسيا ورؤيويا واحدا.

مقابل ذلك، فإن القوميين السوريين الاجتماعيين كانوا مناهضين مطلقين لكلا الطرفين، ويملكون وعيا داخليا شديد الحساسية تجاههما. كانت العقيدة السورية هذه تتمركز حول وجود ذات سورية ثقافية وسياسية ولغوية تاريخية، متمايزة جوهرا وتشكيلا عن العروبة، بكل أشكالها، وتحديدا العروبة الثقافية والاجتماعية، ولا تعتبر الإسلام إلا تكوينا روحيا لبعض هؤلاء السوريين، ليس إلا، ولولا الخشية من عمق العصبوية الإسلامية، لدعت لمناهضتها.

إلى جانب القومية العربية والإسلام السياسي، اللذان شكلا الند والآخر الداخلي لتلك القومية السورية، حيث كان سكان الخليج العربي بثقافتهم وأنماط حياتهم والشعور الدفين بالتفوق عليهم، التمثيل الموضوعي والعياني لتلك الندية، كانت كراهية اليهود بفاشية معلنة ومطلقة من قبل هذا التيار السياسي/الثقافي، ونبذ كل ما يمت لليهودية بصلة، هو العدو الوظيفي الخارجي.

عبر عملية مناهضة هاتين الجماعتين، اليهود كأعداء أسطوريين، والخليجيين كممثلين للعروبة والإسلام الجوهري، شكل هؤلاء القوميون السوريون الاجتماعيون كتلة من الخرافات حول هويتهم وجماعتهم المتخيلة، كأمة متمايزة وذات دور وحصانة داخلية، كشيء ركيك من الفاشيات القومية التقليدية.

صحيح، لم يكن لهذا التيار ممثلون سياسيون ذات شأن في تاريخ هذا المشرق، لكنه تيار كان متسربا إلى أشكال الوعي بالنسبة للكثير من الطبقات الثقافية والاجتماعية والنزعات الطائفية لحيز واضح لسكان هذا المشرق، وما يزال يملك فاعلية ما.

يشكل الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي الأخير، وما قد يليه من توافقات سياسية مستقبلية بين إسرائيل ودول خليجية أخرى، مناسبة مثالية لأن تعيد تلك النزعة إيحاء أشكال متوترة وعصبوية و"كاريكاتورية" من ذاتها. فهذه التوافقات السياسية تحقق ما كان هذا التيار يعتبره أمرا ثقافيا وهوياتيا تاريخيا، ما كان زعيم الحزب أنطون سعادة يسميها بـ"تعاضد يهود الداخل والخارج"، تلك العبارة التي صارت بمثابة الموشح الافتتاحي لكل قوى الممانعة في هذه المنطقة، وليس ثمة أية صدفة بأن يحدث ذلك.

♦♦♦

الأمر ذو الدلالة، أن ردة فعل هذه الجماعة السياسية على التوافقات السياسية الخليجية الإسرائيلية، لا تصدر على شكل خطابات أو رؤى سياسية، بل تنحدر لتكون مجرد أشكال من الاستفزاز والرعونة الثقافية، أقوال عن تفوق مبدئي على أهل الخليج، رسومات كاركتورية ساخرة من الإنسان الخليجي ومظهره وخياراته الحياتية، وصرخات على مواقع التواصل الاجتماعي، تنعت أهل الخليج بأقذع الألفاظ، دون انتباه لما تستنبطنه تلك المقولات من فاشية ودعوة للكراهية.

غياب أي مضمون سياسي مقابل هذه الهيجان الثقافي واللفظي، إنما يدفع هذه الفاعلية لأن تكشف عن حقيقتها، كمجرد "تعويض نفسي" لفداحة أحوال هؤلاء المتوترين، وعما تكتنزه دعواتهم من مضامين داخلية كاشفة لطبيعة أوضاعهم.

فالمندفعون إليها يرتطمون كل لحظة بأحوالهم الذاتية، التي تعاني من كل أشكال الهزيمة والتفتت والانحلال. دول وكيانات هذا المشرق تحولت إلى مجرد شبكات منظمة لممارسة الجريمة والنهب العام، وأحزابه السياسية تحولت إلى أدوات فلكلورية بأيادي السلطات الرجعية والقوى الإقليمية، ومجتمعاتهم داخلة في حروب داخلية طاحنة، تشبه حروب قبائل ما قبل التاريخ، لسذاجة مضامين ما يتصارعون حوله.

خطاب مناهضة الخليجيين هو غطاء سياسي لأوسع مظلة من الممارسة والسياسات الطائفية، التي تلم طيفا واسعا من ذوي الحساسية تجاه أبناء الطائفة السُنية

مقابل كل ذلك، يرى هؤلاء أحوال دول ومجتمعات الخليج العربي، التي بالرغم من كل العيوب والنواقص الفادحة التي تكتنزها، بالذات فيما خص أنظمتها السياسية العائلية التي لا تتيح أية حريات سياسية أو مشاركة في السلطة، لكنها مع ذلك تعيش استقرارا وتنمية معقولة، وفي داخلها العديد من المؤشرات التي تقول بأنها تملك أدوات التطور والتغيير التاريخي الذاتية.

هذه المقارنة التي تنفجر في كل لحظة، بالضبط هو مصدر القرحة النفسية التي تصدر عنها تلك الانفعالية المناهضة للخليجيين، حيث أن حالة الغرور وأوهام التفوق التقليدية، تتفجر أمام العين كل حين.

على مستوى آخر، فإن خطاب مناهضة الخليجيين هو غطاء سياسي لأوسع مظلة من الممارسة والسياسات الطائفية، التي تلم طيفا واسعا من ذوي الحساسية تجاه أبناء الطائفة السُنية. ففي كل بقاع هذا المشرق، حيث تتصاعد آلية مناهضة الطائفة السُنية سياسيا وعسكريا، من قِبل القوى السلطوية الطائفية المتضامنة فيما بينها، في سوريا ولبنان والعراق، وإلى حد ما في فلسطين، فإنه ثمة شعور صميمي بأن الخليج العربي هو الدفة المقابلة لهذه الطائفية السلطوية في هذه البلدان، وأن تسريب خطابات كراهية الخليجيين، الذين كانت الآلة الدعائية الأسدية تسميهم تهكما بـ"العربان"، أو غض النظر عنها على الأقل، هي من ضمن أولويات هذه السلطوية الطائفية.

أخيرا، فإن هذه الأيديولوجية السياسية اعتاشت دهرا طويلا على مسألة "مناهضة إسرائيل"، كفعل ممارس لفاشيتها تجاه اليهود. لكنهم حاضرا يكتشفون تفكك كل أشكال المناهضة، أو ما كانوا يدعونها، ولم تعد النسب الغالبة من مجتمعات المنطقة تصدق دعايتهم تلك. لأجل ذلك، لا بد من عدو وظيفي آخر، يشغل تلك المساحة، ليحافظ ذلك التيار على شيء حيويته الداخلية، والخليجيين هُم أكثر ما قد يشغلون تلك المساحة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.