الزمان: أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
المكان: المدرسة الأهلية الإسلامية التشادية بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية.
القرار: منع طلاب المدرسة من التحدث باللغة العربية خلال فترة دراسة اللغة الفرنسية الممتدة من بعد صلاة الظهر حتى بعد العصر. ومن يضبط وهو يتحدث بالعربية يضرب ضربا مبرحا من قبل الطلاب الذين حوله ويُجبر على الاستماع لصرخات ضاربيه وهم يرددون بأعلى صوت: "Parle Arabe Parle Arabe" أي: "إنه يتحدث العربية".
كان ذلك القرار بالنسبة لي كطالب في المرحلة الابتدائية آنذاك قرارا غريبا لكن تلاشت الغرابة حين علمت لاحقا بأن السبب وراء إرغام أبناء الجالية التشادية في تلك المدرسة على تعلم اللغة الفرنسية ينطلق من كونها اللغة الرسمية الوحيدة في تشاد في ذلك الوقت.
في تلك المدرسة، لم نتعلم اللغة الفرنسية فقط، بل حفظنا النشيد الوطني والعديد من الأغاني الوطنية التي كان غالبها في تمجيد الحزب الحاكم وقائده الرئيس السابق للبلاد الدكتاتور المنفي في السنغال حسين هبري.
دارت الأيام وجرت السنين وانتقلت إلى العيش في تشاد ودراسة المرحلة الثانوية هناك لأتعرف عن قرب على الصراع العبثي الحاد بين طلاب وخريجي المؤسسات التعليمية العربية "العربفون" ونظرائهم الذين تلقوا تعليمهم باللغة الفرنسية "الفرانكفون".
يشمل هذا الصراع كافة مناحي الحياة في تشاد ويمتد أثره حتى بين أفراد الأسرة الواحدة حيث كان من المعتاد حتى وقت قريب أن يرسل الآباء أبناءهم الذكور إلى المدارس الفرنسية والإناث إلى المدارس العربية اعتقادا منهم بأن التعليم الفرنسي سيكفل مستقبلا أفضل للأبناء وبأن التعليم العربي سيعد الإناث للأمومة بطريقة أفضل نسبة لارتباط المدارس العربية بالتعليم الديني وتركيزها على الثقافة الإسلامية والتدبير المنزلي.
لا فضل لعربفوني على فرنكفوني ولا لفرنكفوني على عربفوني إلا بالعمل في سبيل النهوض بالوطن وإرساء قيم العدالة والمساواة وترسيخ مفاهيم الحرية والديمقراطية
وعلى الرغم من أن اللغة العربية هي لغة التواصل الأساسية بين أبناء المجتمع التشادي الذين ينحدرون من أكثر من مئة قبيلة لكل منها لهجتها الخاصة بها، استطاعت اللغة الفرنسية التي وصلت إلى البلاد مع المستعمر الفرنسي أن تحظى باهتمام واسع نسبة لاعتماد الاستعمار على من يجيدونها في إدارة مرافق الدولة وتولي المناصب الحكومية في البلاد.
وقد ركز الفرنسيون إبان فترة استعمارهم للبلاد على نشر المدارس في جنوب البلاد حيث تتركز القبائل التي كانت تدين بالوثنية بعد امتناع القبائل المسلمة في شرق البلاد وغربها وشمالها من إرسال أبنائهم إلى المدارس التي يشرف عليها الفرنسيين خشية منهم على عقائد أبنائهم.
وهكذا، انتشر التعليم الفرنسي وتطور على مدى عقود في المناطق الجنوبية من البلاد وفي المدن الكبرى وأصبحت الفرنسية لغة رسمية بحكم الأمر الواقع، فيما لم تتطور منظومة التعليم باللغة العربية وانحصر تدريسها بطرق بدائية في خلاوي تحفيظ القرآن والمدارس الخاصة كما استمرت الدارجة التشادية كلغة تواصل بين أبناء المنطقة.
ومما يثير العجب في أمر هذا الصراع هو النظرة الاستعلائية لأنصار كلا الفريقين نحو الآخر وادعاء كل منهما أفضلية لغته وثقافته كما يتبادلان الاتهامات التي تصل إلى حد التخوين والعمالة لـ"الفرانكفون" والوصم بالتخلف والرجعية لـ"العربفون".
فـ"العربفون" مثلا يفخرون بأن لغتهم هي لغة القرآن ولغة أهل الجنة وأنها اللغة التي كانت سائدة في المنطقة قبل قدوم الاستعمار ويتهمون الفرانكفونيين بالتبعية للمستعمر والانبهار به بل والعمالة له والتنكر لدماء من قاوموا وجوده وضحوا بأرواحهم من أجل ذلك. أما "الفرانكفون"، فيرون في الفرنسية لغة علم وحضارة تتماشى مع العصر الذي نعيش فيه وأن من الجهل محاربتها لكونها وصلت مع المستعمر.
شخصيا، وبحكم نشأتي في السعودية وتأثري بأدبيات الإسلام السياسي، كنت عربفونيا متشددا ورفضت تعلم اللغة الفرنسية أثناء فترة إقامتي في تشاد لكونها لغة مستعمر ودافعت عن اللغة العربية بنفس الشعارات التي يرددها الآن غالبية العربفون.
والعجيب في أمر "العربفون" حين يدعون بأن العربية هي لغة سكان المنطقة قبل وصول المستعمر أنهم يتجاهلون أن العربية أيضا هي لغة المستعمرين العرب وصلت مع الغزوات الإسلامية التي تسمى زورا فتوحات لكنهم لا يعاملونها كذلك لأسباب مرتبطة بالمعتقد الديني الذين يؤمنون به. بالإضافة إلى ذلك، فإن من الظلم إجبار أبناء القبائل الجنوبية الذين لا تربطهم أي صلة بالإسلام على تعلم اللغة العربية وفك ارتباطهم باللغة الفرنسية لكونها لغة المستعمر.
ومع مرور الوقت، تغيرت الأوضاع في تشاد حيث انتشرت المدارس العربية خاصة بعد اعتماد اللغة العربية لغة أساسية في البلاد وتأسست الجامعات العربية وكثرت أعداد الدراسين بالعربية الذين تخرجوا من الجامعات والمعاهد العربية بفضل البعثات الدراسية المقدمة من حكومات الدول العربية.
وقد واجه الرعيل الأول من خريجي الجامعات والمعاهد العربية صعوبات جمة في الحصول على وظائف وعانوا من التمييز في مكاتب الخدمة العامة حتى عهد قريب بسبب حاجز اللغة وعدم وجود آليات محددة لتنفيذ القرارات الحكومية.
العجيب في أمر "العربفون" حين يدعون بأن العربية هي لغة سكان المنطقة قبل وصول المستعمر أنهم يتجاهلون أن العربية أيضا هي لغة المستعمرين العرب وصلت مع الغزوات الإسلامية
ومن أوجه معاناة "العربفون" أيضا تلك النظرة الدونية السائدة بين أبناء المجتمع بما فيهم الشرائح التي لم تحظ بحظ من التعليم حيث تتردد مقولة ساخرة مفادها أن حظوظ المتعلمين باللغة العربية تنحصر بين العمل في مجال الغناء أو المطاعم وكأن من العيب العمل في هاتين المهنتين الأمر الذي يكشف مدى التناقض لدى العديد ممن يتعصبون للغة العربية وفي نفس الوقت يقللون من شأن الدارسين بها.
وبعيدا عن المناكفات الفارغة والمزايدات العقيمة بين أنصار الفريقين، فإن من الضروري أن يدرك الجميع أن اللغة ما هي إلا وسيلة للتواصل وإيصال وتلقي المعلومات وأن لا فضل لعربفوني على فرنكفوني ولا لفرنكفوني على عربفوني إلا بالعمل في سبيل النهوض بالوطن وإرساء قيم العدالة والمساواة وترسيخ مفاهيم الحرية والديمقراطية والسعي من أجل تحقيق الأمن والرخاء لشعب عانى كثيرا ولا يزال يعاني من الجهل والجوع والحروب والفساد.
في عام 2015، حاول الرئيس التشادي إدريس ديبي الاصطياد في المياه العكرة حينما وصف "العربفون" بأنهم أكثر وطنية من "الفرانكفون" حرصا منه على تأجيج الصراع بين أبناء الوطن وطمعا في الحصول على تأييد من شريحة "العربفون" الذين للأسف انطلى عليهم دهاء الرئيس فتغنوا بتصريحه واعتبروه إنصافا لهم.
وفيما يتواصل الصراع بين أبناء تشاد من "الفرانكفون" و"العربفون،" يواصل الرئيس ديبي وحزبه سياسة استغلال الصراعات الجانبية من أجل تشديد قبضته على السلطة في البلاد والاستفادة من مواردها لمصلحته ومصلحة المقربين منه فقد دأب على ذلك منذ وصوله للسلطة قبل نحو 30 عاما وليس من المستبعد أن يورّث حكم البلاد لأحد أبنائه طالما ظللنا رهائن عند هذا الصراع العبثي.

