A Sudanese man gestures the peace sign during the singing of the Sudan peace deal with the rebel in Juba, South Sudan, on…
مواطن سوداني يرفع شارة النصر خلال توقيع اتفاق السلام في جوبا

شهدت عاصمة دولة جنوب السودان جوبا يوم الاثنين 31 أغسطس توقيع اتفاق السلام بين حكومة السودان الانتقالية والجبهة الثورية التي تضم العدد الأكبر من الحركات المسلحة في إقليم دارفور إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مالك عقار التي تحمل السلاح في إقليمي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

وكانت المفاوضات بين الطرفين قد استمرت لعشرة أشهر بوساطة من حكومة جنوب السودان حيث توصلت الأطراف المتفاوضة لاتفاق كامل تناول قضايا المواطنة والحكم والتنمية والمشاركة في السلطة والثروة وتحقيق أهداف ثورة ديسمبر، بما في ذلك العدالة الانتقالية فضلا عن الترتيبات الأمنية وقضايا النازحين.

من المعلوم أن الوثيقة الدستورية التي تمثل مرجعية الحكم في الفترة الانتقالية قد جعلت من موضوع السلام موضوعا مركزيا وأفردت له بابا كاملا باعتبار أن الثورة السودانية قد رفعت شعار "حرية سلام وعدالة"، واستفادة من دروس التاريخ السوداني التي تبين بجلاء استحالة إقامة نظام ديمقراطي مستدام في ظل استمرار الحرب الأهلية.

على الرغم من أن الحكومة الانتقالية تبنت منهج التوصل لاتفاق سلام شامل مع جميع الحركات المسلحة حتى تتفادى أخطاء الماضي المترتبة على تبني الاتفاقيات الجزئية التي لم تؤد لإيقاف الحرب، إلا أنه قد تعذرت مشاركة الحركتان اللتان يقودهما عبد العزيز آدم الحلو في جبال النوبة وعبد الواحد النور في دارفور.

يجب الإسراع في بدء المرحلة التالية من السلام بالجلوس مع حركتي عبد الواحد النور وعبد العزيز الحلو وذلك حتى لا يقع الجميع في أخطاء النظام البائد الذي كان يسعى للتفاوض الجزئي

لهذا السبب، تبنت الحكومة منهجا يقوم على مرحلتين لتحقيق السلام إحداهما مع الجبهة الثورية وهي المرحلة التي توجت بالاتفاق الأخير، على أن تبدأ المرحلة الثانية بالتفاوض فورا مع الحركتين الأخريين.

إن توقيع اتفاق السلام مع الجبهة الثورية، بوصفها اللافتة الأكبر للحركات المسلحة، سيؤدي لاستتاب الأمن بصورة كبيرة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق، كما أنه من شأنه تقوية استقرار الحكومة الانتقالية التي ورثت من النظام الشمولي السابق بلدا منهارا في كل النواحي.

من ناحية أخرى، فإنه من المؤمل أن يساهم هذا الاتفاق بفعالية في علاج المشاكل التي ظل يعاني منها المواطن في مناطق الحروب والنزاعات وما ترتب عليها من قتل ودمار ونزوح ولجوء لدول الجوار.

على الرغم من أن المشاركة في السلطة تعتبر من القضايا الأساسية التي ظلت تطالب بها الحركات المسلحة باعتبار أنها تمثل إنسان مناطق الهامش الذين حرموا تاريخيا من المشاركة المنصفة، إلا أن تلك المشاركة لا ينبغي أن تقتصر فقط على تولي الحقائب الوزارية أو المناصب الدستورية بل يجب أن تنعكس آثارها على المواطن صاحب المصلحة في القرية أو معسكر النزوح حتى تؤمن له الغذاء والكساء والتعليم والعلاج.

كذلك سيؤدي هذا الاتفاق إلى تعزيز اندماج السودان في المجتمع الدولي الذي ظل يضرب طوقا محكما من العزلة على النظام البائد بسبب إشعال الحروب الأهلية وعدم السعي الجاد في الوصول لسلام عادل وشامل.

كذلك فإن الكثيرين يأملون أن يمثل الاتفاق خطوة إلى الأمام في تعزيز الثقة في الحكومة الانتقالية وحاضنتها السياسية قوى الحرية والتغيير، حيث يمثل انضمام الجبهة الثورية لتلك الحاضنة إضافة جديدة خصوصا وأن الأخيرة تعمل على توسيع قاعدتها وإعادة النظر في هياكلها من أجل المزيد من الفاعلية.

استمرار الدعم الإقليمي والدولي الذي توفر لمفاوضات السلام بين الحكومة والجبهة الثورية يعتبر أمرا ملحا حتى تكتمل دائرة السلام وتنجح الفترة الانتقالية في وضع الأساس السليم للنظام الديمقراطي

إن تحول الحركات المسلحة إلى أجسام مدنية تسعى لإحداث التغيير عبر الوسائل السلمية سيكون من شأنه لعب دور كبير في بناء واستدامة النظام الديمقراطي عبر تقوية المجتمع الأهلي والمدني وهو الأمر الذي يعني تحقيق شعارات الثورة بطريق لا يمر عبر فوهة البندقية.

الدرس الأكبر الذي يجب أن تعيه جميع الأطراف، الحكومة والجبهة الثورية، هو أن السلام لن يكتمل بمجرد توقيع اتفاق السلام بل يجب أن تسير الأطراف بذات العزم والإرادة في إنزال الاتفاق إلى أرض الواقع وضرورة تجاوز كل العقبات التي ستواجه تنفيذه حتى لا تعود الأطراف لمربع الحرب مرة أخرى.

كذلك يجب الإسراع في بدء المرحلة التالية من السلام بالجلوس مع حركتي عبد الواحد النور وعبد العزيز الحلو وذلك حتى لا يقع الجميع في أخطاء النظام البائد الذي كان يسعى للتفاوض الجزئي عبر وسيلتي الترهيب والترغيب مما أدى لاستطالة أمد الحرب الأهلية.

إن استمرار الدعم الإقليمي والدولي الذي توفر لمفاوضات السلام بين الحكومة والجبهة الثورية يعتبر أمرا ملحا حتى تكتمل دائرة السلام وتنجح الفترة الانتقالية في وضع الأساس السليم للنظام الديمقراطي المنشود كي يتحقق الاستقرار والتنمية ويخرج السودان من منظومة الدول الفاشلة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.