A kid plays on the beach at sunset in Los Angeles on August 23, 2020. (Photo by Chris DELMAS / AFP)
الرجل الذي ينتمي لـ "نسب شريف" ينقله لأبنائه، لكن أخته التي تنتمي لنفس "النسب الشريف"، تستفيد منه كميزة خلال حياتها، لكنها لا تنقله لأبنائها

في حديث مع شابة متعلمة تنتمي عائلتها لما يسمى بـ"الشرفاء"، باعتبار "نسبهم" للرسول، أجابت هذه السيدة: "أنا أعتبر النسب الشريف تكليفا وليس تشريفا".

تترجم هذه الجملة الكلاسيكية نوعا من القبول الضمني باعتبار ما يسمى بـ "النسب الشريف" مكسبا أو تميزا لأسر بعينها، لمجرد نسبها المحتمل لرسول الإسلام. تراتبية في التصنيف المجتمعي لمجرد الولادة، يقبل به ويدافع عنه أشخاص يفترض أن لهم مستويات تعليمية وحدا أدنى من الوعي لكي يقتنعوا أن قيمة كل فرد هي بسلوكه وقيمه كفرد، وليس بانتماء للقبيلة أو لعرق معين.

أليس التبجح بنسب معين هو، بشكل ما، عنصرية عرقية؟ خارج العنف والقتل باسم العرق، ما الذي يفرق (فكريا) هتلر أو أي شخص يؤمن بسمو العرق الآري، عن شخص يؤمن بسموه أو سمو غيره لمجرد نسب محتمل للرسول؟

يحمل مفهوم النسب الشريف تناقضا ضمنيا ويكرس النظرة الدونية للمرأة

هذا دون أن ننسى أنه، في فترات معينة من التاريخ، وبسبب المميزات الاجتماعية التي كانت تقدمها بعض الأنظمة الحاكمة لأصحاب "النسب الشريف"، قام الكثيرون بتزوير شجرات النسب وبطائق انتماء لفئة الشرفاء (تخيل دولة مواطنة، يملك فيها بعض المواطنين بطاقة "النسب الشريف" كتميز مجتمعي!). وبالتالي، فمن المشروع اليوم وضع علامات استفهام كثيرة حول مدى صحة هذا النسب (هذا إذا قبلنا، عرضا، بتميز أفراد معينين بسبب نسب يعتبرا أسمى من غيره).

من ناحية ثانية، يحمل مفهوم النسب الشريف تناقضا ضمنيا ويكرس النظرة الدونية للمرأة: منذ قرون عديدة، ينتقل "النسب الشريف" حصريا من الذكور. بمعنى أن الرجل الذي ينتمي لـ "نسب شريف" ينقله لأبنائه، لكن أخته التي تنتمي لنفس "النسب الشريف"، تستفيد منه كميزة خلال حياتها، لكنها لا تنقله لأبنائها... لأنها امرأة! أوليس النسب الشريف هو في مجمله (ومرة أخرى، إن قبلنا به عرضا) إرث تناقلته الأجيال من.... امرأة؛ ألا وهي فاطمة الزهراء ابنة النبي وزوجة علي؟

لنتأمل إلى أي حد يمكن "استعمال" المرأة وتوظيفها لخدمة قضية معينة، ثم التبرؤ منها مباشرة، وفي نفس القضية، باعتبار دونيتها في نقل النسب! ناقلة النسل الأصل هي امرأة... لكن غيرها من النساء لا يملكن الأهلية لنقل نفس النسب.

هل وجود سور في القرآن تحمل اسم "المائدة" و"البقرة" و"النمل" تعني أن الله كرم المائدة والبقرة والنمل، كتكريمه للنساء؟

اعتمادا على هذا المنطق الذي يعتبر المرأة غير ذات أهلية لنقل النسب (مع أن المرأة هي، منطقيا، الناقل الوحيد للنسب... بدون شبهات!)، فيفترض أن منطق "النسب الشريف" هو منطق مهزوز منذ بداياته!

لكن الحقيقة أن هذا المنطق يترجم تصورا معينا للمرأة "الناقصة العقل والدين"...

مرة أخرى، سيأتي علينا من يقول إن "الإسلام كرم المرأة"، وإن "هناك سورة في القرآن تحمل اسم "النساء". هل يعني هذا أن الله لم يكرم الرجال ما دام القرآن لا يشمل آية تحمل اسم "الرجال"؟ ألا يفترض أن يكون تكريم الإنسان هو الأصل، خارج أسماء الآيات؟

ثم، هل وجود سور في القرآن تحمل اسم "المائدة" و"البقرة" و"النمل" تعني أن الله كرم المائدة والبقرة والنمل، كتكريمه للنساء؟ أولئك النساء أنفسهن اللواتي لا يستطعن نقل "النسب الشريف" الذي يتوارثه الرجال حصريا... من امرأة أخرى؟

باختصار، ما لم نواجه بشكل جدي تصوراتنا الثقافية عن الإنسان بصفة عامة، خارج التصنيفات الجنسية، فسنبقى غارقين في وحل التخلف الفكري والإنساني... متدثرين بشعارات التكريم والكرامة، حتى وبعضنا يؤمن أنه أسمى، لمجرد أنه ينتمي لنسب معين!

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.