The chief of the local fishermen's union sails across the Delmaj marsh, in Iraq's southern province of Diwaniyah, on August 5,…
صياد عراقي في محافظة الديوانية

عادت وثائق "القيادة القطرية لحزب البعث" المنحل إلى العراق. حطت طائرة في مطار بغداد، كانت نقلتها من معهد "هوفر" في الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن أمضت نحو 15 عاما في المعهد. لكن أي وظيفة لهذه الوثائق في المشهد العراقي اليوم؟ 18 طنا من الوثائق تؤرخ ليوميات مأساة العراقيين مع حزب البعث. 

كنعان مكية الذي أشرف على عمل "مؤسسة الذاكرة العراقية"، التي تولت العمل على الوثائق ونقلها إلى أميركا، وإعادتها اليوم إلى الحكومة العراقية، يقول إن مشكلة هذه الوثائق، وقوتها في آن، تكمن في أنها ليست جزءا من تاريخ العراق فقط، إنما أيضا من حاضره. ونحن هنا قد نذهب أبعد مما قاله كنعان، ونقول إن تجربة العراق بعد سقوط النظام هي امتداد لتجربته مع البعث، وإن ثمة أثرا للبعث في كل واقعة ومأساة شهدها هذا البلد بعد العام 2003. البعث وعي مبثوث ومستمر ومتواصل. الأحزاب الدينية الشيعية امتداد له، و"القاعدة" امتداد له أيضا، أما "داعش" فالشبه بينها وبينه أكثر تراكبا وتعقيدا، ذاك أن تنظيم الدولة لم يكتف بالاستعانة بضباط الجيش العراقي المنحل في حروبه على العراقيين والسوريين، إنما أيضا استعان بفكرة "الدولة" وامتداداتها، وبالوعي الأمني بصفته الوسيلة الوحيدة لفرض السطوة.

مثلما يشكل هذا الأرشيف فرصة لأن يفهم العراق نفسه في سياق سعيه للتعافي من هذا الإرث الثقيل، يمكن لهذه الوثائق أن تعثر على وظائف انتقامية

إذا أراد العراق أن يحول هذه المآسي إلى درس يساعد على تجاوزها، فللوثائق العائدة من معهد "هوفر" وظيفة كبرى. يوميات التراجيديا العراقية في ظل البعث موثقة بملايين المحاضر المتاحة لمن يريد كتابة قصة العراق مع البعث. وهذه ثروة معرفية لم تتح لمعظم المجتمعات التي خضعت لحكم أنظمة مشابهة لنظام صدام حسين. عدد الوثائق التي خلفها نظام البعث يفوق أعداد الوثائق في أراشيف الأنظمة التي تهاوت في أوروبا الشرقية. وأوروبا الشرقية، ولا سيما ألمانيا، حولت هذه الأراشيف إلى كنوز معرفية صيغت على أساسها روايات توافقت عليها المجتمعات، وحولتها إلى وسائل علاجية ساهمت في التخفف من الإرث التوتاليتاري، وعملت بحساسية عالية على تجنيبها التوظيف السياسي.

لكن، ومثلما يشكل هذا الأرشيف فرصة لأن يفهم العراق نفسه في سياق سعيه للتعافي من هذا الإرث الثقيل، يمكن لهذه الوثائق أن تعثر على وظائف انتقامية، ذاك أن هذا النوع من الأنظمة، نجح في توريط المجتمعات العراقية في آلة "القسوة" الكبرى على ما يطلق عليها مكية في كتابيه "القسوة والصمت" و "في القسوة". وأن تتحول الوثيقة من وسيلة معرفية إلى وثيقة إدانة، فهذا أمر ممكن في ظل عدم تعافي العراق من صدوع البعث ومن أمراضه. الوثائق قد تأخذنا إلى مُدرِّسة طلبت نقلها إلى مدينة أخرى فاشتُرط عليها كتابة تقارير عن أقرباء لها. على هذا النحو اشتغل النظام في حينها، وفي هذه الحال يمكن أن تدلنا هذه الوثيقة على شكل اشتغاله، لكن يمكن أن تُوظف في احتمال انتقام من المدرّسة.

مكية وفريق "مؤسسة الذاكرة العراقية" كونوا تصورا لمستقبل هذه الوثائق مستفيدين من خبرات غيرهم من المؤسسات الأوروبية على هذا الصعيد، وكان الدرس الأول بعد تنظيم الأرشيف ومكننته، هو ضرورة إبعاد هذا الأرشيف عن التناول السياسي اليومي والراهن، لما قد يشكله ذلك من حرف لوظيفتها الرئيسة المتمثلة في إتاحتها للباحثين في تاريخ العراق وفي كتابة رواية عن هذه التجربة. وبالفعل صدرت عدة كتب عن العراق معتمدة على هذه الوثائق.

لا بأس بأن يسعى العراق إلى أن يستعيد نفسه، سواء كانت نفسه أرشيفا لمأساته، أم مقتنيات تاريخية وأثرية بددتها حروب الأربعين عاما الأخيرة من تاريخه

الوثائق اليوم في بغداد، وهي غير مهددة بالاختفاء، ذاك أن نسخة إلكترونية منها موجودة في معهد "هوفر"، إلا أن السؤال يبقى عن وظيفتها في العراق في ظل سلطة قد تؤول إلى من يرغب في توظيفها في حروبه الأهلية. رند رحيم وهي ناشطة ودبلوماسية عراقية سابقة كانت عملت في مشروع تنظيم الأرشيف الذي خلفه النظام في شمال العراق في العام 1991 تتساءل عن قدرة السلطات العراقية على تجنيب هذا الكم من الوثائق من احتمالات التلف، وأيضا على حمايتها من التوظيف الانتقامي، أما مكية فيقول إن قرار إعادتها مرتبط بالاتفاقية الموقعة بين الحكومة العراقية ومعهد "هوفر".

لكن لا بأس بأن يسعى العراق إلى أن يستعيد نفسه، سواء كانت نفسه أرشيفا لمأساته، أم مقتنيات تاريخية وأثرية بددتها حروب الأربعين عاما الأخيرة من تاريخه، ولعل آخر مآسي العراق مع ثرواته التاريخية هو ما أقدم عليه "داعش" في الموصل حين سرق مقتنيات المتحف وتاجر بها، وتوج ذلك بإحراقه مكتبة الموصل التي تضم كنوزا من الوثائق التاريخية.

وثائق "القيادة القطرية" هي أيضا كنز معرفي بسبب ضمها قصصا يومية عن حياة العراقيين، كانت أجهزة النظام تسجل كل تفصيل فيها وتركنها في سراديب تربط بين منزل ميشال عفلق وبين مقر قيادة الحزب في بغداد.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.