French President Emmanuel Macron attends a media conference in Beirut, Lebanon, Tuesday, Sept. 1, 2020. French President…
الرافضون لحركة ماكرون ليس لديهم، على المدى القريب، سوى التمايز هنا والصمت هناك

يرسم الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، في كتابه "دروس السلطة"، بورتريه شيّق لخلفه إيمانويل ماكرون.

ما يهمنا من هذا البورتريه أنّ ماكرون يثق جدا بدبلوماسية الابتسامة والاحتضان، وهو طلب يوما من هولاند تكليفه بحل المشكلة الأوروبية مع اليونان، عندما أعلنت أثينا إفلاسها والتوقف عن تطبيق البرامج المتفق عليها، سواء مع الاتحاد الأوروبي أم مع صندوق النقد الدولي.

وكتب هولاند ساخرا من اقتناع ماكرون بقدرته على حل هذه المشكلة التي لا تحتاج لا إلى ابتسامة ولا إلى إطراء ولا إلى القُبَل، بل إلى تواصل حثيث وضخم، على مستوى الدول وقياداتها ومؤسساتها، نظرا لتحدياتها المالية والاقتصادية والسياسية وتأثيراتها على الاتحاد الأوروبي ككل.

ولكن ماذا تُراه يفكّر هولاند، اليوم وهو يجد أنّ هذا الذي ضربه من داخل بيته الرئاسي وحلّ مكانه، قد تحوّل إلى شاغل الناس ومالئ الشرق الأوسط، بدبلوماسية الابتسامة والإطراء والاحتضان والقُبل والكلمة الطيّبة؟

أُرجّح أنّ هولاند يتوقع لماكرون أن يفشل، انطلاقا من القاعدة نفسها التي سبق لها ومنعته من الموافقة على تكليفه بحل الأزمة الأوروبية ـ اليونانية، لأنّ النكبة اللبنانية تحتاج أكثر بكثير من موافقة مرحلية للقيادات السياسية على السير ببرنامج إصلاحي داخلي تنفّذه "حكومة مهمة"، إذ إنّ لهذه النكبة جذورا طائفية وإقليمية ودولية، وهي متداخلة، بكل ما للكلمة من معنى، في صميم النيران التي تلف النقاط المشتعلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

الطبقة السياسية المنبوذة من غالبية الفئات الشعبية، بسبب ما آلت إليه الأمور، في ظل قيادتها وإدارتها وخصوماتها وصفقاتها، كانت تفتش عن حبل نجاة فرماه لها ماكرون، ممّا أعادها إلى قمرة قيادة السفينة التي سبق لها وشلّعتها

وفي فرنسا، ليسوا قلة هؤلاء الذين يتوقعون أن تفشل مساعي ماكرون، ومنهم من صرّح بذلك وكتبه ووقّع عرائض بمضمونه.

بالنسبة لـ"أنبياء الشؤم"، فإنّ كل مسعى لإنقاذ لبنان لا ينطلق من مبدأ نزع سلاح "حزب الله" المرتبط ارتباطا وظيفيا بالأجندة الإيرانية، سوف يذهب عبثا.

والتجربة اللبنانية المديدة، لا تتناقض مع توقعات "أحفاد كاسندرا الطروادية"، بل تعزّزها، فالحكومات تذهب كما تأتي، والبرامج تتعرقل كما تتقرر، والاقتصاد يتهاوى كما ينمو، والتفاهم يسقط كما يُبنى، والسلم الأهلي يتزعزع كما يستقر، والتعاون يتلاشى كما يبدأ.

التجربة اللبنانية المديدة، بيّنت أنّ كل ذلك يحدث بأسرع من لمح البصر.

لم يكن توقيع "إعلان بعبدا" الذي توافق فيه جميع الأطراف على تحييد لبنان عن صراعات المنطقة وحروبها للتركيز على مصالح لبنان ورفاهية شعبه، يحتاج لا إلى مواصفات ماكرون ولا إلى موقعه ولا إلى اتصالاته ولا إلى "تهديداته".

احتفل الجميع بتوقيعه، وتلقّفه المجتمع الدولي بالترحيب وتبنّاه بحبور.

ومع ذلك، وعندما صدر أمر العمليات لـ"حزب الله" حتى يدخل إلى سوريا ويحارب إلى جانب نظام بشّار الأسد، نظر النائب محمد رعد إلى القصر الجمهوري في بعبدا وقال لشاغله في حينه، ميشال سليمان:" بلّه واشرب ماءه".

وما يصح على "إعلان بعبدا" لا يسحب نفسه على "إعلان الدوحة" و"اتفاق الطائف" فحسب، بل على الدستور نفسه.

ومن يتسَنّى له أن يتواصل مع شخصيات سياسية لبنانية توافقت مع الرئيس الفرنسي على "البرنامج الإنقاذي"، يُدرك أنهم يُسلّمون أمرهم له، من دون أن تتوافر لديهم قناعة بأن حظوظ النجاح عالية. إنهم يتعاطون مع هذا التطوّر على أساس أنه مرحلي، لا أكثر ولا أقل.

وتعالت أصوات كثيرة، ولا سيما على المستوى الشعبي، ضد مبادرة ماكرون، على اعتبار أنها تعوّم الطبقة السياسية المنهارة، من جهة، وتضع جانبا مواضيع أساسية ومن بينها نزع سلاح "حزب الله" والانتخابات النيابية المبكرة، من جهة أخرى.

ولكن، ألم يورّط الرئيس الفرنسي الجميع؟

بلى، لقد فعل!

أبعد الجميع عن قناعاتهم الراسخة، ودفعهم دفعا إلى تأييده.

لقد تعاطى مع اللبنانيين على أساس أنهم في مأزق وجودي. هذا يصح على الطبقة السياسية كما على الشعب.

الطبقة السياسية المنبوذة من غالبية الفئات الشعبية، بسبب ما آلت إليه الأمور، في ظل قيادتها وإدارتها وخصوماتها وصفقاتها، كانت تفتش عن حبل نجاة فرماه لها ماكرون، ممّا أعادها إلى قمرة قيادة السفينة التي سبق لها وشلّعتها.

اللبنانيون الطامحون بالتغيير الجذري، وجدوا أنفسهم بين حل من اثنين، إمّا المثابرة في مسارهم وإمّا الوصول إلى الفوضى والجوع، والعيش وسط الدمار المتراكم الذي امتدّ بعد انفجار المرفأ إلى عاصمتهم.

ولم تكن حال الدول الرافضة لواقع لبنان أفضل من حال اللبنانيين في النظرة إلى مبادرة ماكرون، حتى خطاب الولايات المتحدة الأميركية أُصيب بالإرباك، فلم يعد مفهوما، فهي طورا مؤيّدة لتحرك الرئيس الفرنسي، وهي طورا مختلفة عنه. هي طورا ضد وجود "حزب الله" في الحكومة، وهي طورا لا تمانع في مواصلة التعاون مع الحكومات التي تضم "حزب الله". هي طورا ترى أن "حزب الله" حقيقة سياسية في لبنان، وهي طورا لا تعتقد بأنّ حيثيته السياسية يمكنها أن تكون من دون "الحيثية الإرهابية".

وكبرى دول الخليج التي من المؤكد أنها ضد تحرك ماكرون لجهة فصله الملف السياسي ـ السيادي عن الملف الاقتصادي ـ المالي، فضّلت أن تلوذ بالصمت.

نجح الرئيس الفرنسي، حيث سبق ونجح جميع من مرروا صفقات سياسية في البلاد على مدى عقود الأزمة، إذ وضع الجميع أمام التحدّي الكبير. قال لهم، بما معناه: أنا، في نظرتي إلى الطبقة السياسية اللبنانية كما في نظرتي إلى "حزب الله" أكثر راديكالية من نظرتكم، وليس أنا من أنتخب السياسيين ولا أنا من سلّط الحزب وتركه يقوى. أعرف تحفظاتكم، ولكن هاتوا حلّا بديلا للخطة التي أعمل عليها.

إن استفاد الرافضون لخطة ماكرون من "الإسعافات الأوّلية" التي سارع إليها، إنقاذا للبنان "المُحتضِر"، فحينها، يضع الجميع "دبلوماسية الإغواء" جانبا لمصلحة "دبلوماسية التغيير"

فعلا، من تراه يملك الحل البديل الذي من شأنه تجنيب لبنان نكسة مستقبلية جديدة، ويحول دون تدحرج اللبنانيين، قريبا جدا إلى حافة الجوع؟

حتى تاريخه، ما من أحد يملك القدرة على مواجهة منتِجة مع الحل الفرنسي، على الرغم من أنه "قصير المدى"، بحكم تعقيدات الواقع اللبناني من جهة وبفعل التجارب الكثيرة السابقة، من جهة أخرى.

الرافضون لحركة ماكرون ليس لديهم، على المدى القريب، سوى التمايز هنا والصمت هناك.

يستطيع هؤلاء الرافضون أن يستغلوا "الأوكسيجين" الذي ترفد به باريس الشعب اللبناني، إن كانوا فعلا يأبهون بلبنان، ليضعوا خطة منتجة للمرحلة المقبلة، لأن ماكرون، بقدر ما عوّم هذه الطبقة السياسية والمسؤولين المنبثقين منها، بقدر ما أظهر هشاشتها وأسقطها معنويا من مناصبها الدستورية، وبقدر ما سلّم بدور سياسي لـ "حزب الله"، بقدر ما سلّط الضوء على صفاته "الإرهابية"، وبقدر ما رأى أنه لا بد من المرور بالمجلس النيابي لإنتاج الحلول، بقدر ما أثبت أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى انتخابات ديمقراطية بكل ما للكلمة من معنى.

إن استفاد الرافضون لخطة ماكرون من "الإسعافات الأوّلية" التي سارع إليها، إنقاذا للبنان "المُحتضِر"، فحينها، يضع الجميع "دبلوماسية الإغواء" جانبا لمصلحة "دبلوماسية التغيير".

لكن، حتى حلول تلك الساعة، فماكرون ورّط الجميع بمسار يرفضه كثيرون.

ولا يمكن لأحد أن يجزم أن فرانسوا هولاند، حين وقع في المركب الذي كان يستقلّه، في "سان مالو" تشجيعا لحملة إنسانية وتكبّد قطبتين في رأسه، لم يكن يفكّر بابتسامات ماكرون اللبنانية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.