A Chilean rescuer uses a sound tracking machine at the site of a collapsed building in last month's massive explosion after…
يستمر فريق من المتطوعين التشيليين المختصين بأعمال الإغاثة في البحث عن ضحايا تحت أنقاض المباني التي تدمرت بسبب الانفجار الذي طال المرفأ في بيروت

في جوابها ضمن لقاء متلفز لمحطة غربية، عن دور الفن في العلاج من الصدمات النفسية التي تتسبب بها حروب أو كوارث بحجم كارثة تفجير مرفأ بيروت، أعربت فنانة تشكيلية لبنانية عن انعدام الأمل لديها وعجزها عن ممارسة الفن في الوقت الحالي، وأهمية توجيه هذه النفقات لأجل تأمين الأولويات المعيشية لآلاف الأسر المنكوبة.

في الوقت ذاته، لم تقصِ الفنانة الشابة دور الفن بالمطلق، وأبدت رؤية واقعية وعملية صحيحة، معتبرة أن دعم فريقها المدني للأطفال بالمواد الفنية اللازمة لدفعهم للرسم، أو أي شكل من أشكال التعبير الفني، يمثل مهمة إنقاذية قد تساهم في تخليصهم من بعض الخوف المستوطن في أعماقهم منذ لحظة التفجير.

رافقت الفنون جميع الأحداث القاسية والمفصلية من تاريخ الشعوب، وشكلت في معظمها وثائق فنية، وقيمة نبيلة مضافة لكيفية مواجهة تحديات الفناء بقوة الحياة، تراوحت أشكال التعبير عنها تبعا لثقافات المجتمعات التي تنتمي إليها، فنجد أن الشعر والغناء، قد غلبا في التعبير عن المحن والكوارث التي واجهتها بلدان العالم العربي، ولم تستثن نكبات لبنان المتتالية وآخرها تفجير المرفأ من هذا التوجه الفني، والذي ترجم بعدد من الأغاني خلال أقل من شهر.

انفجار بيروت حدث في حالة سلم، والناس كانت في قيلولتها وأُخذت غدرا

مع الإقرار بالنوايا الحسنة لأصحاب هذا التوجه، ومحاولة كل منهم التعبير عن تضامنه الوجداني على طريقته، إلا أنه يظل توجها عاطفيا غير ذي منفعة إن لم يقترن بجدوى عملية حقيقية، مثل التخطيط لحفلات يشارك بها نجوم غناء وتخصيص ريع هذه الحفلات لمساعدة المنكوبين، أو التوجه مباشرة نحو الأطفال، في مدارسهم، بمهمة إنقاذية تشابه ما عبرت عنه الفنان التشكيلية أعلاه، ومشاركتهم بعض الأغاني المخصصة لهم حصريا، بصفتهم الفئة العمرية الأكثر هشاشة، وبالوقت ذاته الأكثر تقبلا لمحاولات زرع الثقة بمستقبل مغاير.

لأننا نحن المهزومون، أبناء وورثة عقود متتالية من الاستبداد والفساد، أشبعونا فيها آمالا زائفة، وأمضينا أعمارنا نردد الكذب في الكلمات، ندندن ونصفق لأغان تتحدث عن وعود واهية وانتصارات لم تحدث، تبتدئ من أوبريت وطني الأكبر "اللي بيكبر وييتحرر.. وانتصاراته مالية حياته"، وصولا إلى سخرية "ده حلمنا طول عمرنا.. حضن يضمنا كلنا كلنا".

من هذا المنطلق، ولتجنب تكرار حكايتنا المخزية، يجب التوجه للأطفال عبر الفنون، عبر رؤى جديدة تحررهم وتحرر طاقاتهم، تعلمهم كيف يخططون لأيام تقيهم شر الخداع الذي منينا به، ولا تكتفي بإثارة عواطفهم وحماسهم للدبكة على كلمات "راجع راجع يتعمر راجع لبنان"، بل تقويهم بكافة السبل، كي لا يسمحوا لأحد في المستقبل القريب أن يخرب بلادهم مجددا، ثم يبتز مشاعرهم الفنية والعاطفية حول إعادة الإعمار بالأغاني، أو نهوض طائر الفينيق الذي كره أسطورته في لبنان، وملّ وربما "فلّ".

نحن المهزومون، أبناء وورثة عقود متتالية من الاستبداد والفساد، أشبعونا فيها آمالا زائفة، وأمضينا أعمارنا نردد الكذب في الكلمات

لماذا يستحوذ تفجير مرفأ بيروت وتفاعلاته على كل هذا الاهتمام رغم وجود عدد كبير من الكوارث والمآسي التي تحيط بعالمنا العربي؟

لأننا لم نشهد أمرا مماثلا وصادما بحجمه، ولأننا نرى ظلّ جميع المجرمين المتورطين فيه ولا نستطيع أن نلتقطه، ولأنه انفجار حدث في حالة سلم، والناس كانت في قيلولتها وأُخذت غدرا، ولأنه يشبه التعبير الطبي غير المجازي المتداول عن بعض وفيات أمراض القلب الذي يقول: "انفجر قلبه"، وبشكل غير مجازي، انفجر قلب بيروت، التي تختزل رمزيات الحياة والحلم العربي الحقيقي.

الفنانة التشكيلية التي تحدثت عن دعم الأطفال للتعبير عبر الفن، ذكرت أن طفلة من المشاركين رسمت رسما غير مفهوم أو واضح المعالم، وحين سئلت عما رسمته، أجابت: "رسمت الهوا اللي طيّر الناس"، ولأجل هذه الطفلة، وكل أطفال لبنان والعالم، ولأجل السيدة المسنة البيروتية التي جلست وسط خراب بيتها عقب التفجير، تعزف على البيانو لحنا جنائزيا ينعي موت تاريخها، تحل المقاومة اليوم، بالفن الصحيح والكلمة الصحيحة، وخارطة الطريق الصحيحة، من أجل الخلاص ممن جلب هذا الهواء الذي طيّر الناس.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.