Police detain students during a protest in Minsk, Belarus, Tuesday, Sept. 1, 2020. Several hundred students on Tuesday gathered…
الشرطة البيلاروسية تعتقل طالبا خلال تظاهرة للمعارضة

مما لا شك فيه أن أزمة بيلاروسيا ستفاقم قلق موسكو ومخاوفها الأوروبية، وتعيد إلى الواجهة أزمة الهوية وربطها بالمكان والعقيدة وتحدياتهما، فليس بقدرة حاكم الكرملين مهما كانت انتماءاته أن يتعايش مع أوروبا محاذية لحدوده الوطنية، فمنذ مئتي سنة تخوض روسيا القيصرية أو السوفياتية أو البوتينية معركة الدفاع عن الهوية الوطنية الخاصة والمتمايزة في جوارها عن أوروبا، وتتذرع بمؤامرة كبرى تهدف إلى تدميرها.

ففي الوعي الجماعي الروسي لم يكن نابليون وهتلر وحلف الناتو حاليا إلا مثالا حيّا على هذا المؤامرة، كما تحول بطرس الأكبر وكاترينا الثانية والاتحاد السوفياتي ودول حلف وارسو إلى نماذج لردع الخطر الأوروبي وحماية الهوية الروسية. هذه الذاكرة المقيمة في العقل الجماعي الروسي، تستغلها النخبة السياسية والأمنية في إعادة تأسيس السلطة على قاعدة العداء للخارج الذي تحمله مسؤولية كل ما يحدث لروسيا وذلك بهدف تبرئة الداخل من أي مسؤولياته.

لكن في الأزمة البيلاروسية لم يعد الداخل قادرا على التذرع بالخارج، بعدما بات على حدوده، وهو مجبر على القيام بخطوات عملية جريئة وأكثر صرامة من تلك التي اتخذها في معالجة أزمات جيوسياسية في أوكرانيا وجورجيا وأرمينيا، وذلك لتعقيدات تجعل أزمة بيلاروسيا مختلفة في تداعياتها وتحدياتها عن باقي الأزمات السابقة، كما أن الواقع الروسي الداخلي يعاني من أزمات عديدة أبرزها اقتصادية تؤثر على عملية استقرار السلطة.

التدخل العسكري في بلاروسيا هو مغامرة استراتيجية لن تستطيع موسكو تبريرها ولا تغطية كلفتها

حجم تأثير بيلاروسيا على الداخل الروسي يظهر جليا بما أصاب المعارض الروسي الشهير أليكسي نافالني، وبغض النظر عما إذا كان قرار التسميم قد اتخذ في فترة سابقة، وحتى لو تزامن تنفيذه مع أحداث الثورة البيلاروسية، إلا أن فك الارتباط بين واقعة التسميم وما يجري في منسك شبه مستحيل، خصوصا أن طبيعة العقل الأمني الاستراتيجي لا تترد في القيام بضربتها الاستباقية في مثل هذه الحالات، فهي تتحرك تحت مفهوم قطع الطريق على انتقال عدوى التظاهرات التي قد تعيد إنعاش الشارع الروسي المعارض، في الوقت الذي تشدد موسكو على ضرورة توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة يبدو أنها ستكون مكلفة.

من تسميم نافالني إلى المواجهة البيلاروسية، تستعد موسكو لتلقي حزمة عقوبات جديدة مرتبطة بقرار الاتهام المباشر باستخدام سلاح كيماوي لتصفية معارض سياسي، وفي ردة فعل الأوروبيين والناتو على ما سيُقدم عليه الكرملين في القريب العاجل من أجل حماية نظام ألكسندر لوكاشينكو.

الخطوط الحمراء الجديدة التي سيرسمها الكرملين للدفاع عن مصالح روسيا الاستراتيجية في بيلاروسيا، في جوهرها هي في مواجهة أوروبا ومنعها من الحصول على موطئ قدم في بيلاروسيا، وهذا ما بدى واضحا في لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتلفز نهاية الشهر الفائت الذي اعتبر فيه "أن شرعية أي نظام أجنبي لا تُحسب من خلال شفافية الإجراءات أو شعبية الزعيم، ولكن من خلال الحفاظ على المسافة السابقة بين ذلك البلد والغرب، إذا كان الأمر كذلك، فهذا النظام شرعي، إذا تم تقليل تلك المسافة، فإن شرعية النظام موضع شك".

خيار التدخل المباشر يتبلور وفقا لما تشهده تطورات الشارع وقدرة نظام لوكاشينكو على المواجهة

ربط موسكو شرعية السلطة في بيلاروسيا بمدى قربها أو بعدها عن الغرب، تعزز الاعتقاد بأن موسكو حسمت أمرها بعدم السماح للمعارضة بامتلاك أي شرعية، خصوصا أن جزءا منها سيأتي من الغرب. 

لذلك، من المُرجح أن يشهد الصراع على بيلاروسيا اندفاعة روسية تشبه إلى حد بعيد ما جرى مع شبه جزيرة القُرم، فخيار التدخل المباشر يتبلور وفقا لما تشهده تطورات الشارع وقدرة نظام لوكاشينكو على المواجهة، حيث تراقب موسكو عن كثب حجم تماسك القوات المسلحة، والذي قد يشكل عامل طمأنينة مؤقت لها، تعفيها من التدخل الحاسم. خصوصا أن التدخل العسكري في بلاروسيا هو مغامرة استراتيجية لن تستطيع موسكو تبريرها ولا تغطية كلفتها، إذ أن أي عملية قمع داخل أوروبا على الطريقة السورية ستكون مؤلمة لروسيا مستقبلا، كما أن مبرراتها الداخلية للروس الذين يدفعون حتى اليوم ثمن مغامرات القُرم ستكون صعبة، والأكثر حساسية في مستويات هذا الصراع هو كيف سيتقبل الشارع البيلاروسي فكرة التعايش مع نظامي بوتين ولوكاشينكو تحت القمع.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.