A woman walks throught the Kurdish-run al-Hol camp in the al-Hasakeh governorate in northeastern Syria on August 25, 2020,…

تناول آخر تقرير لمركز اتحاد أبحاث وتحليل الإرهاب (TRAC) الآليات والقدرات المستحدثة لتنظيم "داعش" الإرهابي في العراق، تلك التي مكنته من تنفيذ مئة هجوم إرهابي داخل العراق خلال شهر أغسطس المنصرم فقط، وعبّر العديد من القادة السياسيين والعسكريين الدوليين عن مشاعر الصدمة التي انتابتهم جراء نتائج التقرير، مستغربين قدرة هذا التنظيم من إعادة تأسيس نفسه بهذه السلاسة، بعد الجهود العسكرية المضنية التي بُذلت لتحطيمه.

التقرير البحثي جاء بعد أيام قليلة من تصريحات مسؤول مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف، التي قال فيها بأن عديد مقاتلي "داعش" الذين ينتشرون بين سوريا والعراق يُقدرون بحوالي عشرة آلاف مقاتل، وهو عدد يماثل تقريبا كامل القوة القتالية الفعلية التي كان يملكها التنظيم في ذروة سطوته، في خريف العام 2014.

ناتج جمع الخبرين، مع أخبار أخرى من مثلها، يعني بأن معلومات دولية متطابقة تؤكد بأن تنظيم "داعش" يشهد مرحلة إعادة بناء الذات، وأن المنطقة يمكن لها أن تعيش حلقات متتالية ومتطابقة من هذا الصراع، بحيث تتألف كل حقلة من دورتين: دورة انحسار تنظيم "داعش" أو ما سيشابهها من تنظيمات، بعد جهود عسكرية مكلفة، تعقبها دورة من إعادة هذه التنظيمات لتشييد ذاتها، وهكذا دواليك.

جميع هذه الرؤى، تملك وتميل لوضع وتحديد الآليات التي يمكن بها محق تنظيم "داعش" عسكريا وتنظيميا، لكنها تفتقر لأية ضمانات لإمكانية عودة هذ التنظيم وقدرته على إحياء نفسه

يحدث ذلك في وقت مضت فيه سنتان تقريبا على ما يشبه الإعلان العالمي للقضاء العسكري التام على تنظيم "داعش"، بعد معركة الباغوز الشهيرة، حيث كانت آخر معاقل التنظيم. ومع احتفاظ العشرات من القوى الدولية والإقليمية بكامل جهودها وفاعليتها العسكرية على أرض هاتين الدولتين، تلك القوى المتصارعة على كل شيء، مثل إيران والولايات المتحدة وروسيا ودول الاتحاد الأوربي وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري، لكنها المُجمعة على محاربة هذا التنظيم. وبالرغم من جهودها هذه، لم تتمكن من كبح ومنع التنظيم من إعادة تأسيس نفسه.

في هذه الفترة نفسها، بقية جميع الديناميكيات والشروط والمناخات السياسية والحياتية والمجتمعية في هذين البلدين سوريا والعراق، والتي أنتجت تنظيما كـ"داعش"، بقيت محافظة على كامل حيويتها، كآلية وحيدة لإنتاج الوقائع الحياتية في هذين البلدين، الخاصة والعامة على حدٍ سواء.

ففي العراق، تكرست سيطرة تامة للمليشيات الطائفية على المشهد العام، وهي لا تمارس الابتزاز والسطوة الأمنية والمجتمعية على المناطق السُنية فحسب، بل على كامل السلطة المركزية العراقية، بما في ذلك القرارات والتوجهات الاستراتيجية. على جنبات ذلك، ما تزال المحافظات السُنية مدمرة تماما، دون أية آفاق لإعادة البناء، ولو في المستقبل البعيد. ومعها دُمرت انتفاضة الشُبان العراقيين، عبر عمليات اغتيال الناشطين، التي لن توفر أحدا، ولم تتمكن الحكومة المركزية بقرابة مليون فرد أمني خاضع لسلطتها، لم تتمكن من اعتقال أي منفذ لقرابة ألف عملية اغتيال. 

وطبعا، لم تُحل أي من القضايا الاستراتيجية الداخلية في هذا البلد، لا مصير المناطق المتنازعة بين السلطة المركزية وإقليم كردستان العراق، ولا موقع ودور المنحدرين من الطائفة السُنية في الحياة السياسية والعامة، ومعها موقع وفاعلية القوى السياسية والدينية الشيعية وسيطرتها على كل شيء في البلاد.

في سوريا أيضا، ثمة ما يناظر ذلك تماما. نظام سياسي مدعوم ومحمي من قوى إقليمية ودولية، لا ينازح عن مكانة الصفر السياسي قط، حتى لو دُمرت البلاد تماما. تقابله قوى وشخصيات معارضة، قبلت أن تكون في مكانة الوكلاء "الوطنيين" للمصالح الإقليمية في سوريا، بالذات لتركيا، التي ترعى طيفا من التنظيمات المتطرفة، لا تختلف بمضمونها ومحصلة قيمها السياسية والأخلاقية عن النظام الحاكم. وبين الطرفين ملايين السوريين الذين تنهشهم المجاعة والأمراض وهشاشة العيش في أماكن سيطرة كِلا الطرفين.

♦♦♦

كانت التفاسير الأولى لأسباب تشكل تنظيمات مثل "داعش" تذهب إلى ثلاثة مستويات مستقطبة، تقدم كل واحدة منها تفسيراتها لأسباب ظهر "داعش" والآلية التي يمكن استخدامها للقضاء عليه. لكنها جمعا لم تتمكن، أو لم تود، أن تقر بالآليات والمناخات الواجب توافرها، لمنع تنظيم "داعش" أو ما شبهه من تنظيمات من إعادة إحياء نفسها.

النظرية السلطوية/الطائفية، التي تبنتها الأنظمة السياسية الحاكمة في سوريا والعراق تحديدا، كانت تقول بأن "داعش" متأت من جذر ثقافي/اجتماعي، وبشكل غير مباشر كانت تسعى للقول بأن "داعش" هو "مسألة سُنية"، متعلقة بالعقائد والتاريخ السياسي والاجتماعي لهذه الجماعة الأهلية.

هذه الرؤية كانت عتبة لمساعي النظامين السياسيين في هذين البلدين لمحق أبناء الطائفة السُنية، سياسيا على الأقل. كذلك كانت تحاول تشكيل أواصر متينة للصلة بينها وبين القوى العالمية الفاعلة، في مشروع محاربة الإرهاب. وأخيرا لتجاوز أي اعتراف بوجود مسألة سياسية أولية هي أسّ كل فظائع الحياة العامة، هي الشمولية.

القراءة الأمنية العسكرية، كانت ترى "داعش" مجرد تنظيم مُسلح، أسسه فاعلون منظمون يملكون مشروعا سياسيا يستخدم العنف والمشاعر الدينية لمناهضة أندادهم السياسيين والحصول على السلطة عبر العنف والهيمنة الدينية.

النظرية السلطوية/الطائفية، التي تبنتها الأنظمة السياسية الحاكمة في سوريا والعراق تحديدا، كانت تقول بأن "داعش" متأت من جذر ثقافي/اجتماعي، وبشكل غير مباشر كانت تسعى للقول بأن "داعش" هو "مسألة سُنية"

كانت هذه الرؤية، التي هي رؤية أميركية/أوروبية بالأساس، قد تصاعدت وأخذت مكانا عقب الانسحاب الأميركي السياسي من ملفات الشرق الأوسط، خلال الولاية الأولى للرئيس باراك أوباما. فقد صارت دوائر الحُكم الأوربية والأميركية تؤمن بكفاية الأجهزة الأمنية والاستخبارية والعسكرية للتعامل مع أية قلاقل قد تتأتى من منطقة الشرق الأوسط. وأن التوافقات مع الأنظمة الحاكمة، أيا كانت المناخات التي تولدها هذه الأنظمة، هو أفضل استراتيجية للتعامل مع معضلات المنطقة.

الرؤية الثالثة كانت ترى "داعش" مجرد اختلال اجتماعي/ثقافي، أفرزته معضلات تأخر واستعصاء التحديث في مجتمعات منطقتنا. كان مثقفون ينتمون إلى عالم "الجهاد العلماني"، لو صحت العبارة، كانوا عن روجوا لتلك الرؤية. هؤلاء الذين كانوا يتوهمون بأنه ثمة أية تحولات ثقافية أو اجتماعية أو حياتية يمكن لها أن تُجترح وتحدث، دون تغيير سياسي أولي، يضع الشروط الموضوعية لتلك التحولات.

جميع هذه الرؤى، تملك وتميل لوضع وتحديد الآليات التي يمكن بها محق تنظيم "داعش" عسكريا وتنظيميا، لكنها تفتقر لأية ضمانات لإمكانية عودة هذ التنظيم وقدرته على إحياء نفسه.

ففي المحصلة، "داعش" هو المحصلة الموضوعية المعبرة عن شكل الحياة ونمط التوازن والعلاقة ضمن المجتمعات، وفي علاقتها مع السلطات الحاكمة، وطبعا عن نماذج العلاقات الداخلية بين أفراده وتشكيلاته وتنظيماته.

هذه الحياة التي تُمرغ كل لحظة بتراب خراب الأحوال في هذه البلدان، حيث تُكرس سلطة الأقوياء والنافذين المركزيين الطائفيين العنيفين الذكوريين المنظمين، على حساب أشكال معقولة من العدالة الاجتماعية والسياسية والرمزية. وحيث أن هذه الأنماط من القوى السياسية الحاكمة والفاعلة في هذه البلدان، هي مصدر هذا الشكل المريع من فساد الأحوال وتحطم كل أشكال العدالة، ودون تغيرها لا يمكن تفكيك الجذور العميقة لأفكار وفضاءات تنتج التنظيمات التي مثل "داعش".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.