Women wearing face masks hold signs in Ankara, on August 5, 2020, during a demonstration to demand the government does not…
تظاهرة نسوية في أنقرة

يبدو الشرق الأوسط والشمال الأفريقي كما لو كان يصدر ـ في المجمل ـ عن نسق ثقافي واحد. ثمة تباينات، وجذور حضارية عميقة متمايزة بلا شك، ولكن، رغم هذا التباين والتمايز، فثمة ما يجمعها إلى حد كبير، بحيث يبدو الإنسان الشرق أوسطي ـ في النهاية ـ وكأنه يُعبّر عن تصور وجودي واحد، يجد تمظهره الأساس في هذه الروح الجَمَعانيّة التي تلغي الأفراد لحساب تشكل جمعاني، هو في الغالب ديني، أو مُؤسّس على ما هو ديني في بداياته الأولى.

وإذا كانت الدول العربية مُتَماثلة/ متشابهة؛ من حيث تمثّلها لهذا النسق الثقافي (ذي الطابع الجمعاني النافي للفردانية) بحكم الدور المحوري للغة والثقافة التراثية المشتركة في تعميق فاعلية الأنساق، فإن الدولتين/ الأُمَّتَين المشاركتين في هذا الفضاء الشرق أوسطي: الإيرانية والتركية، لا يحتفظان بتماتز ملحوظ عن هذا النسق الناظم. وبالتالي، فهما شركاء في التماثل/ التشابه، إما بحكم الهيمنة الدينية/ الإسلامية على مراحل تشكّل الموروث الثقافي، وإما بفعل علاقات المثاقفة التاريخية والانْزيَاحَات الديمغرافية التي لم تتوقف عبر التاريخ، وإما بحكم هذا وذاك مجتمعين، وهو الأرجح وفق قرائن الحاضر ومعطيات التاريخ.

لا بأس أن تكون طوال تاريخك على خَطّ ثقافي ما. هذا بحد ذاته ليس موطن الإشكال هنا، فالاختلافات الثقافية عبر التاريخ حقيقة واقعية؛ بقدر ما هي حقيقة مشروعة في سياق غياب تصور إنساني عام كاسح، يتعولم ويفرض نفسه بفعل التقدم التقني؛ فيُغيّر ـ عالميا ـ من تصور الإنسان لذاته ولعلاقاته بالوجود. أقصد مرحلة ما قبل الحداثة، التاريخ بامتداده الطويل منذ بداية ظهور الإنسان المنتصب؛ وإلى ما قبل قرنين تقريبا. ففي هذه المرحلة الـ"ما قبل حداثية" كانت الجماعات الإنسانية تعيش على مستوى "جُزُر ثقافية/ حضارية"؛ معزولة إلى حد كبير؛ حتى مع وجود كثير من قنوات التواصل، ولكنه بقي ذلك التواصل الذي لم يصل حَدّ العيش المشترك (العيش المشترك حقيقة؛ كما في التنقل الهجراتي والسياحي والتجاري والتثاقف السريع...إلخ، بحكم تقنية وسائل المواصلات، أو على مستوى العالم الافتراضي؛ إعلاميا وتواصليا) الذي من شأنه توحيد المعايير، ومن ثَمَّ تحديد القيمة الخاصة بما هو عام.

أما مصر، قلب العالم العربي الثقافي، وثقله الديمغرافي، فلا يخفى أن "الفترة الليبرالية" الواقعة بين عامي 1919 ـ 1952 لم تستطع أن تُجري متغيرات جذرية في الأنساق الثقافية الحاكمة لنظام الوعي المصري، ومن ثم العربي

هذا التحوّل الهائل الذي وحّد المعايير؛ كما قارب بين الناس؛ هو ذاته التحوّل الاستثنائي في التاريخ، الذي جعل من النموذج الحضاري الغربي مسارا لكل محاولات الرقي بالإنسان. ما يعني أن مَن يتخلّف عن هذا المسار (عجزا؛ وإن تلبس بصورة ممانعة دينية/ ثقافية، أو نتيجة خيارات خاصة هي في تحليلها الأخير تمظهر للقصور الذاتي)، فإنما يتخلّف عن مسار تحققه الإنساني في الواقع.

هذا النموذج الحضاري الغربي الذي هو ـ رغم كل الانتقادات ـ مشروع الرقي بالإنسان، هو ـ في الوقت ذاته ـ مسار ليبرالي: مسار انعتاق الفرد وتحققه كإنسان حر، كإنسان تتحقق فردانيته على حساب الأطر الجمعانية بمستوياتها المتعددة، ابتداء من وحدة العلاقات الأسرية؛ وصولا إلى وحدة العلاقات السياسية: القطرية والقومية، مرورا بالانعتاق من العلاقات القبلية والدينية والطائفية والإثنية، وعلاقات الاستقطاب الفكري والفني.

ومعنى هذا، أن دخولك الحقيقي إلى منطق العصر يعني ـ بالضرورة ـ دخولك إلى عصر الإنساني الفرداني: العصر الليبرالي. وبمقدار ما تأخذ حظك من هذه الفردانية الليبرالية؛ يكون حظك من التحضر الإنساني الذي تعولم في النموذج الغربي، والذي بات منذ قرنين أو أكثر مطمح آمال كل مَن يريدون انتشال عوالمهم الخاصة من براثن التخلف، المتمثل في: القهر والاستعباد والفقر والجهل المرض والموت المجاني.

طبعا، ثمة انتكاسات ومشاغابات كبرى على هذا المسار، ولكنها مهما عظمت (كالنموذج الشيوعي مثلا) فقد كانت ـ في حقيقة حضورها ـ على الهامش، ومحكومة سلفا بالتلاشي. وقد اتضحت الصورة/ صورة هذا المسار التاريخي الناظم بعد سقوط جدار برلين، حيث بدا واضحا أن "الإنسان الحقيقي، الإنسان الحر ذو الكرامة" لا يحقق وجوده الأسمى إلا في الإنسان الفرداني، الإنسان الفرداني التموضع في مسار التحقق الليبرالي.

لقد انعتقت ثقافات كبرى من أسر مرجعياتها التاريخية، وانخرطت في هذا المسار الليبرالي، وحققت نتائج مذهلة على مستوى التحضّر الإنساني (التحضر بمعناه الأصدق: حرية وكرامة الإنسان، لا البنايات الشاهقة، ولا الجسور المتعانقة، ولا المطارات/ الطائرات الباذخة...إلخ صور الرقي بالحَجَر؛ لا بالبشر)، ما يعني أن الأفق مفتوح للجميع، لمن أراد؛ ممتلكا شروط الإرادة هنا. 

بيد أن المجتمعات الشرق أوسطية بعلاقاتها المحورية الناظمة ذات الطابع الأبوي بقيت ترزح تحت نير ثقافتها القروسطية، فكان كل ما تحققه ـ أحيانا، وربما نادرا ـ على مستوى التطور المادي، ينعكس سلبا على مستوى التقدم الإنساني؛ عكس المتوقع بطبيعة الحال!

مثلا، تركيا اليوم، لم تبتعد كثيرا عن تركيا العثمانية؛ رغم أن المظاهر ـ لأول وهلة ـ تُوحي بالعكس. الدولة العثمانية كانت دولة أبوية ذات طابع جمعاني صارخ بحكم الثقافة القبلية راسخة الجذور، تلك الثقافة المتحدّرة من الأصول/ من عادات وتقاليد وأعراف القبائل المتوحشة النازحة من أواسط آسيا قبل ثمانية قرون. وحتى عندما قامت الدولة التركية الحديثة/ الأتاتوركية على أنقاض العثمانية، وعملت ـ بصورة واضحة/ صورة فاقعة الألوان ـ على تعميم التغريب في مسار موازٍ لمحاربة الإرث العثماني في خطوطه العريضة، كما في تمظهراته التفصيلية، لم تكن ـ في الحقيقة ـ أكثر من عثمانية بثوب جديد، أو بانبعاث جديد. فالنسق الثقافي الأعمق في الأتاتوركية هو نسق عثماني؛ رغم كل صور التحديث التغريبي.

النموذج الحضاري الغربي الذي هو ـ رغم كل الانتقادات ـ مشروع الرقي بالإنسان، هو ـ في الوقت ذاته ـ مسار ليبرالي

لم يكن أتاتورك أكثر ولا أقل من سلطان عثماني. بل ربما كان أكثر عثمانية من السلاطين المتأخرين. لقد كان عثمانيا حتى وهو يتوهم أنه يقود تركيا الحديثة/ ما بعد العثمانية إلى تمثل النموذج الغربي التحرري، كان يقودها بعقلية سلطان عثماني، حيث الفرد غائب/ مغيّب؛ مقابل حضور طاغٍ للتصور الجمعاني، في مسلك السلطات الكلية الآمرة، في حين كان على الأفراد (الذين لا يظهرون في المشهد كأفراد) أن يكتفوا بالتنفيذ الصامت.

لا يخفى أن اللقب الذي ارتضاه مؤسس تركيا الحديثة/ مصطفى كمال (والذي يفترض فيه أنه ذو توجه ليبرالي) كان لقبا مناقضا/ مناهضا لكل صور الانعتاق الفرداني/ الليبرالي، فهو: "أتاتورك"، أي "أبو الأتراك"، كبير العائلة/ شيخ القبيلة المتمثلة في وطن، حيث العلاقة التراتبية/ اللاّمتساوية؛ بينما جوهر الليبرالية يتحدد في نقض هذه "الأبوية"؛ لخلق علاقات أفقية متساوية، ومِن ثَمَّ علاقات أفراد أحرار بأفراد أحرار، علاقات غير ثابتة، بل متحولة وفق جدليات تفاعلية تتعلق بتحولات الأشخاص وتغيّر ومواقعهم (التي يفترض أنها متغيرة، وليست ثابتة ثبات العلاقة الأبوية)، وبتحولات الأشياء/ الأحداث التي لا تغير الوقائع فحسب، وإنما تغير الأفكار والتصورات أيضا.

شيء محبط أن تكون تركيا، وبعد قرن كامل من "التحديث/ التغريب/ اللّبْرَلة" ليست ـ في الحقيقة ـ أكثر من صورة مُصَغّرة للإمبراطورية العثمانية، وأن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المتأسلم، لا يختلف عن أتاتورك العلماني/ اللائكي، وهذان لا يختلفان عن سليم الأول أو عن سليمان القانوني. 

ولا يخفى أن هذا العطب/ هذا العجز عن التطور الحقيقي/ التطور الإنساني ناتج ـ في جوهره ـ عن كون كل محاولات التغيير في تركيا لم تشتغل على نقد الأنساق الثقافية الراسخة في الأعماق، لم تشتغل على تفكيك البنى العميقة الناظمة للتصورات الكلية التي تتوارثها الأجيال بشكل تلقائي، وإنما اكتفت بمتغيرات واقعية/ مادية مباشرة، لا تنفذ إلى صميم العقول.

وما حدث في تركيا، حدث ـ بصورة مشابهة/ ليست مطابقة ـ في إيران. فإيران التي بدأت خطواتها الأولى في التمثل الإيجابي للنموذج الغربي، ابتداء من عشرينيات القرن العشرين (وبعضها سابق على ذلك، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خاصة محاولات رئيس الوزراء: أمير كبير...إلخ)، هي اليوم دولة أصولية/ ثيوقراطية، من أشد دولا العالم انغلاقا، وإلغاء للفرد، وتضادا مع المسار الليبرالي.

وأما مصر، قلب العالم العربي الثقافي، وثقله الديمغرافي، فلا يخفى أن "الفترة الليبرالية" الواقعة بين عامي 1919 ـ 1952 لم تستطع أن تُجري متغيرات جذرية في الأنساق الثقافية الحاكمة لنظام الوعي المصري، ومن ثم العربي. قِصَرُ الفترة الليبرالية، وكونها موصومة بأنها "فترة استعمارية"، إضافة إلى انتكاسة بعض دعاة التنوير/ التحرر الليبرالي، كل هذا جعل تأثيرها غير حاسم، وقابل للتراجع عند أول منعطف كلياني.

لا تتسع المساحة لأكثر من هذه النماذج. لكنها ـ من حيث هي كبرى الدول الشرق أوسطية ـ فهي النماذج التي تحكي مجمل ما يجري على أرض الواقع

لهذا، عندما جاء الانقلاب العسكري/ انقلاب 1952 وبدأ التحوّل إلى نظام الحكم الشمولي، لم تكن "الضمائر الليبرالية" الغضة، التي لم تستوِ على سوقها، قادرة على وقف طوفان الشمولية، خاصة وأن كل التاريخ الثقافي المعلن والمضمر، التاريخ الضارب في العمق الفرعوني، يدعم هذا التوجه الشمولي.

وعندما جاء أنور السادات "الانفتاحي" الذي يكثر الحديث عنه سياسيا بوصفه نقيضا للتوجه الناصري الشمولي الانغلاقي، لم يكن في الحقيقة إلا صورة أخرى/ وَجْهَ عُمْلة أخرى للجمعانية التي تلغي بحضورها الطاغي حضور الأفراد. ومعروف عن السادات أنه كان يُؤنِّب معارضيه، وخاصة من فئة الشباب، بأنهم "قليلي الأدب"، لا يحترمون ـ بهذه المعارضة! ـ مَن هو في مقام آبائهم (يقصد نفسه). 

ويُذكر أنه عندما أراد أن يخرج لاحتفالات الجيش بـ 6 أكتوبر عام 1981، وطُلِبَ منه ـ احتياطا ـ أن يلبس سترة واقية من الرصاص، قال: لا، أنا بين أولادي. وحتى الرئيس: محمد مرسي لم يكن مُختلفا في هذا؛ مع اختلاف الأيديولوجية، ففي اجتماعه مع أعضاء المجلس العسكري، وفي الحديث الصحفي المشترك، كان يتحدث عن رجال الجيش بـ"أبنائي". ما يدل على أن نمط العلاقة "الأبوية" يعكس نسقا ثقافيا مضمرا يجد تمظهراته في التفكير/ في المسلك الجمعاني الذي يرى في التحقق الفرداني/ الليبرالي مجرد تمرد تخريبي عابث، مهدد للصالح العام.

على أي حال، لا تتسع المساحة لأكثر من هذه النماذج. لكنها ـ من حيث هي كبرى الدول الشرق أوسطية ـ فهي النماذج التي تحكي مجمل ما يجري على أرض الواقع. وتبقى الاستثناءات النادرة عابرة، وغير مؤثرة، بينما هذه هي النماذج المحورية المتصدرة في الفعل والتأثير، وهي تُلقي بظلالها على كل صور التشكل الثقافي (بالمفهوم الأوسع للثقافة) في عموم الشرق الأوسط، في هذا الفضاء الجغرافي الذي لا يزال "الفرد" فيه ـ من حيث هو شرط التحقق الليبرالي ـ غائبا.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.