A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on July 16, 2020 shows King Abdullah II attending a meeting at the…
خطة التحالف "البيروقراطي ـ الأمني" غلبت رؤية الملك التي صرح بها علنا

يبدو أن خطة الملك عبدالله الثاني بدولة ديمقراطية قائمة على واقع برلماني حزبي لم تجد طريقها حتى اليوم للنجاح، فخطة التحالف "البيروقراطي ـ الأمني" غلبت رؤية الملك التي صرح بها علنا سواء في أوراقه النقاشية التي نشرها باسمه وطرحها للنقاش "ولم يناقشها أحد فعليا"، أو بأحاديثه المعلنة والمغلقة ومنها ما سمعته أنا شخصيا منه في قصره "الحسينية" عام 2019.

يومها ـ ما سمعته منه ـ كان إصرارا من الملك نفسه على فكرته التي يتبناها ولمست حماسه الشديد لها، فكان يناقش ويجادل بتسريع خلق حالة اجتماعية سياسية في الدولة للوصول إلى مرحلة حياة حزبية تكون فيها التوازنات السياسية موزعة بين ثلاث إلى أربع أحزاب تمثل الدولة والمجتمع وتتداول السلطة في حياة برلمانية فاعلة ومتحركة.

شخصيا، كنت ممن دخلوا النقاش مع الملك يومها، وجادلت بأن المجتمع وخلال سنوات طويلة تعرض وعيه الجمعي للمسخ والتشويه والتزوير حتى لم يعد هناك حاجة لتزوير أمني للانتخابات، فالوعي نفسه ممسوخ والنتيجة واضحة بتلك المجالس النيابية الهزيلة والمضحكة حد التهريج.

(واستطرادا: أكثر من ناقش الملك يومها وجادله بفكرته حول تعديل قانوني الانتخاب والأحزاب كان الزميل والصديق عريب الرنتاوي وأتمنى أن يجد زميلنا الألمعي، الزمان المناسب ليلقي الضوء على هذا الجدل وتحليله الشخصي للقضية).

لا يزال عندي إيمان بفكرة الدولة المدنية، دولة المؤسسات والقانون لا شريك له، الدولة التي تحمي مؤسسة الملك وعرشه بقدر ما تحمي حقوق كل مواطن يعرف واجباته بلا زيادة ولا نقصان

قبل هذا اللقاء الذي جرى في فبراير من العام 2019 بشهور قليلة، وتحديدا في صيف 2018، كنت قد تعرفت أول مرة إلى قوى تيار التحالف المدني كما درجت التسمية، وهو تيار واسع وعريض ومتنوع من اليمين إلى اليسار، طبعا كنت من مؤيدي التيار المدني للدولة قبل ذلك العام، خصوصا بعد نجاح التيار في كسب مقعدين في مجلس النواب الأردني تحت شعار تيار "معا"، والذي كان يعني حينها "معا نحو دولة مؤسسات مدنية".

حين التقيت مجموعة القوى المختلفة للتيار الواسع والعريض والمتعدد التوجهات والاتجاهات، كانت الفكرة ذلك الصيف تتجه نحو بلورة التيار وتكثيف ضبابية فكرته إلى حزب واضح الملامح يحمل توجها سياسيا يهدف إلى دولة مؤسسات وقانون يحكمها الدستور لا شريك له، ضمن رؤية مدنية قوامها مفهوم المواطنة بكل ما لها وعليها من حقوق وواجبات.

بعد ترسخ القناعة لدي بهذا التوجه، ورغم هجرتي، إلا أنني فوضت من فوضت حينها بتسجيلي رسميا في قوائم المؤسسين للحزب.

وفي آخر ذلك الصيف، أصرت دائرة المخابرات العامة أن تلتقيني في نهاية زيارتي الخاصة، وكنت مصرا بدوري أن نلتقي في أي مكان خارج أسوارها العالية والمعزولة. والتقيت حينها بضابط (أعرفه من حياة سابقة أيضا)، وكان المكان مقهى قريب من مكان عمل الضابط.

لم يوفر الضابط جهدا إلا وبذله في محاولة إقناعي بقناعات "دائرته الأمنية" الراسخة والتنفيذية أن فكرة تحالف الدولة المدنية تخدم في النهاية مشروع "الإخوان المسلمين" في سعيهم للوصول إلى السلطة، وقام يومها الرجل بصنع رسومات توضيحية وخطوط عديدة على ورقة ليشرح لي كيف يمكن لمفهوم الدولة المدنية أن يكون ثغرة لدخول الإخوان المسلمين إلى واجهات السلطة في الدولة الأردنية.

بعد هذا اللقاء "الأمني سكر وسط" في المقهى العماني بأشهر قليلة، كنت مرة ثانية في عمان، في قصر الحسينية بمعية نخبة محترمة نلتقي الملك بتنسيق من مكتبه وتحدث بما ذكرته سالفا عن رؤيته بضرورة تغيير قانوني الأحزاب والانتخاب سعيا لحياة برلمانية حزبية متحركة.

تمنيت اليوم لو استطعت يومها أن أذكر واقعة ما حدث بيني وبين ضابط المخابرات للملك وهو يتحدث عن رؤيته للدولة المدنية والحياة الحزبية، لقد كان الملك وهو يتحدث ويجادل بحرارة في جوهر رؤيته يتبنى فعليا فكرة تيار التحالف المدني المتعلقة بدولة مؤسسات وقانون فيها برلمان حزبي يعمل على تداول السلطة في الحكومات المتعاقبة.

تمنيت في هذا اليوم ذلك كله، لأني حين أقرأ خبر موجة الاستقالات التي يقودها الدكتور مروان المعشر من حزب التحالف المدني أجد أن رؤية الضابط ودائرته غلبت رؤية الملك وأوراقه النقاشية التي لم يناقشها أحد بجدية تستحقها تلك الأوراق فعلا.

♦♦♦

فعليا، وعلى عكس الرؤية القاصرة للضابط الأمني، فإن انهيار مشروع حزب التحالف المدني هو تمدد مريح بلا معوقات لتيار الإخوان المسلمين، والذي يسيطر فعليا على نسبة كبيرة من الوعي المجتمعي "الممسوخ والمزور والمشوه".

أقول انهيار مشروع الحزب، والذي استطاعت على ما يبدو الأجهزة الأمنية أن تخترقه عبر أفراد تم توظيفهم كأدوات في تقويض فكرة الحزب في الوقت المناسب قبل إجراء الانتخابات النيابية القادمة.

تلك الأدوات التي استطاعت استغفال محترفي السياسة من مؤسسي التيار المعروفين، فأخذت تفويضهم الإداري وتسللوا بهدوء إلى موقع قيادة الحزب "تحت التأسيس" ليكون "تحت التقويض" فعليا وبتخطيط أمنى ممنهج ضمن رؤية ساذجة تحاول تفعيل "الأمنوقراطية" في دولة تدعي الديمقراطية.

لقد سقط مشروع حزب التحالف المدني ليتحول إلى دكانة أمنية جديدة توضع على رف دكاكين الأحزاب برعاية أمنية

واليوم، يعلن أكثر من عشرين شخصية وازنة استقالاتهم من حزب لم يستكمل أهليته بعد، مما يجعل الاستقالات ليست أكثر من اعلان انسحاب، يريد بعض الإعلام الأردني أن يضعه في ظل الدكتور مروان المعشر، وفي ذلك ظلم للوزير السابق، لأن هذا يفضي إلى نتيجة مؤداها أن كل قوة المعشر السياسية لا تتجاوز كتلة عشرين شخصا من أصل أربعمئة مسجلين كهيئة عامة مؤسسة لحزب.

تلك الأدوات الوظيفية التي سرقت بالغفلة تفويض تأسيس الحزب ثم قوضته، وبحكم القانون استطاعت أن تشطب تسجيل أكثر من 100 شخصية مؤمنة بفكرة دولة المؤسسات المدنية، ومن بينهم كاتب هذا المقال، الذي كان يعتقد أنه عضو رسمي كامل الأهلية في الحزب ـ تحت التأسيس ـ، وهي خدمة غير مقصودة أشكر الأجهزة الأمنية عليها ومنتدبيهم من أدوات وأصحاب التفويض في الحزب الذي حرمنا من عضويته، لأننا أحرار منه، على عكس الدكتور مروان المعشر والعشرين شخصية مستقيلة، فهم رهن حالة مستعصية على الفهم.. وربما الحل.

♦♦♦

نعم، الدولة ليست جادة في تطوير الحياة الحزبية ـ كما قال لي نائب رئيس وزراء سابق! -، والدولة "مؤسساتها الرسمية" تعبث لا تزال بالمشهد السياسي ضمن رؤية "ساذجة" تعتقد أن محاربة الإسلام السياسي يكون بقمع الحريات العامة وحرية التعبير والحياة الحزبية التعددية.

وأمام حالة كتلك، تتبنى فيها مؤسسات الدولة رؤية ساذجة وتهريجية سطحية، فليس من المستغرب إذن أن ننتهي بحالة سخط عام يتسلقها "معارضو الفيديو والبث المباشر" بكل تهريجهم الكرنفالي ليصبحوا حالة سياسية موازية للحياة الحزبية المفقودة، وتصبح النقابات وهي في الأصل مؤسسات تحمي مهنة ومهنية منتسبيها عبارة عن مقرات معارضة سياسية مطالبها تتجاوز المهنة ومنتسبيها ومصالحهم، وبين كل هؤلاء وبذكاء من يتمدد بارتياح، ينتشر الخطاب الإخواني بين الناس على أنه الحل السياسي الوحيد، وتصبح "معالم طريق" سيد قطب، وهم الإضاءة الوحيد في كل تلك العتمة السياسية.

لقد سقط مشروع حزب التحالف المدني ليتحول إلى دكانة أمنية جديدة توضع على رف دكاكين الأحزاب برعاية أمنية.

لكن وبكل الأحوال، لا يزال عندي إيمان بفكرة الدولة المدنية، دولة المؤسسات والقانون لا شريك له، الدولة التي تحمي مؤسسة الملك وعرشه بقدر ما تحمي حقوق كل مواطن يعرف واجباته بلا زيادة ولا نقصان.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.