This picture shows the sunrise in Aigues-Mortes, near Montpellier, southern France, on August 5, 2020, during a tagging and…
إذا كان ثمة إسلام معياري، أي صيغة غالبة عبر المكان والزمان، فإنها بشهادة علماء الدين والمتشددين من مقلديهم، ليست إسلامهم هم

ليست المجتمعات "العربية" على نمط واحد في علاقتها بالموروث والمعاصر، لا خارجيا إزاء بعضها البعض، ولا داخليا في شرائحها الأفقية وتفريعاتها العمودية، وإذا كانت ثمة فائدة في المتابعة الإجمالية، فشرطها ألا تقع في فخّ التسطيح الذي يلزم الكلّ بحال الجزء الذي ناله القدر الأوفى من التفصيل والتمحيص.

والتنبيه ابتداءً هو إلى أن الاختزال الأول في القراءات التعميمية متحقق عند وسم هذه المجتمعات بـ "العربية". هي كذلك دون تجنٍّ من حيث أن اللسان الغالب هو العربي وإن بلهجاته المختلفة، واللغة الفصيحة الأولى هي العربية يصيغتها المعيارية المعاصرة، وفي العديد من الأحيان، لا في جميعها، في الهوية الذاتية لأعداد تزيد وتنقص من أهلها. أما ما عدا ذلك، ولا سيما حين تُفرض الصفة كهوية قطعية، فالمسألة هي استدعاء لقناعة عقائدية وليست تقريرا وقائعيا.

أوجه التلاقي والتواصل والمحبة والأخاء بين بيروت والجزائر (كما بين غيرهما) عديدة ومتينة وثابتة. ولكنها لا تقتصر على الوجه العربي، بأبعاده اللغوية والأدبية والحضارية والتاريخية (المتحققة والمتخيلة)، بل تتعداه إلى أوجه إنسانية وعالمثالثية ومتوسطية، بالإضافة إلى المشترك الخاص حيث المنتدِب بالنسبة للأول كان المستعمِر بالنسبة للثاني، بطالحه وصالحه. ولا ينفي هذا التلاقي بين بيروت والجزائر مثلا الترابط المتحقق بين بيروت ويريڤان، أو بين الجزائر وباماكو، وصدق الأخاء والتعاطف والشعور بوحدة الانتماء هنا كذلك. فدوائر الهوية ليست متباطنة، بل متداخلة. لا هي "عروبة" حصرية، ولا هي مسقطة لغيرها. والأهم هو أن التجربة الذاتية، اللبنانية كما الجزائرية وغيرهما، أسست في كل حالة لشخصية معنوية وطنية، من التعسف تجاوزها لتحقيق المبتغى العقائدي في التأحيد الفكري.

ثمة التباس بالاصطلاح، ولا بأس. الإلحاد، تاريخيا، كان إنكار النبوات، لا الإله. أما اليوم، فالمقصود به اللاإلهية، فيما انتقل معناه الأول إلى "الربوبية"

على أن الاختزال الثاني، والأكثر إنهاكا، عند النظر بموقع الدين في المجتمعات "العربية"، هو في إقصار الحديث على الإسلام دون سائر الديانات، السابقة واللاحقة له، مع افتراض تجانسه، وإهمال ما عدا "أهل السنة والجماعة" من الإسلام إلا لرفع الحرج، والانشغال بهموم علماء الدين والمتحمسين من مقلديهم في أوساط هؤلاء، وافتراض أن الحالة الدينية مقيّدة بآرائهم وفتاواهم، رغم أن الغالبية العظمى من المسلمين ـ والمسلم هو من اعتبر نفسه مسلما ـ لا هم ملتزمون بدقائق الفتاوى هذه ولا هم منشغلون، كما يرى سيئو الظن، باجتراح "البدع" واقتراف "المعاصي".

بل إذا كان ثمة إسلام معياري، أي صيغة غالبة عبر المكان والزمان، فإنها بشهادة علماء الدين والمتشددين من مقلديهم، ليست إسلامهم هم، وإن أعلنوه حالة مطلقة لا تقبل التعديل والتبديل، بل هي هذه التجليات المطمئنة المختلفة دون نفور، للتجربة الدينية المستقاة من الأصل الإسلامي وفق القراءات المحلية والخاصة، توافقت مع النص بشكله أو بمضمونه، بصحيحه أو مجازه، أو اختلفت معه مع إحسان النية.

وتصنيف "أهل السنة والجماعة" بحدّ ذاته نموذج على هذا التجاذب. هو تصنيف حديث العهد نسبيا، أي أنه لم يكن متداولا في صدر الإسلام، حيث الحديث كان عن "جمهور المسلمين"، بمن فيهم الفرق المختلفة، ما بقي منها وما تبدد. ظهر في زمن العباسيين، وتطور ليشمل فقهيا المذاهب الأربعة، وكلاميا الأشاعرة والماتريدية والأثرية، ومسلكيا معظم الطرق الصوفية. أما اليوم، فالتنازع قائم حول هذا المصطلح بين السلفية، الحنبلية الأثرية، من جهة إذ يجعلونه ميراثا حصريا من أهل الحديث، ويخرجون الأشاعرة من كل من "السنّة" و "الجماعة"، ويكفّرون "القبوريين" من صوفية المقامات والمزارات، فيما المدافعون عن الأشعرية، من أزهريين ووسطيين وغيرهم، يجعلون "الوهابيين"، أي السلفية، خارجه.

وفي حين أن كل من الفريقين يزعم الحصرية في ملكيته لمصطلح "أهل السنة والجماعة"، نافيا عنه مضمون "الجماعة" بمعنى الشامل للكل، فإن معظم المسلمين، خارج هذه القناعات العقائدية، يتماهون مع التسمية على أنها إشارة إلى إحدى فرقتين إسلاميتين، "السنة"، في مقابل "الشيعة"، هما أقرب في اختلافهما إلى أقدار متباينة من الولاء العصبي والمرجعية التاريخية منه إلى القناعة العقدية.

فعلى الكلام عن إشكالية العلاقة بين المجتمع والدين أن يخطو خطوات متأنية لتجنب التسطيحات المتراكمة، من تجاهل الخصوصية المجتمعية، إلى الإلزام بالعروبة والاقتصار على الإسلام واختزاله بالسنة وحصرها بالطروحات العقدية.

ولكن، في مقابل هذه الإدخالات القسرية، لغير العقدي وغير السني وغير العربي مع تجاهل المسارات الخاصة للمجتمعات المختلفة، فإن النظر بالعلاقة بين الدين والمجتمع غالبا ما يتضمن كذلك إخراجا قسريا قد يكون من المجدي إعادة اعتباره.

منصات التواصل الاجتماعي قد أتاحت لأعداد واسعة من الملتزمين دينيا ودعويا الشروع بتقسيم ينطلق من اعتماد هذه الإدخالات القسرية، ليصبح صفهم عابرا للتفاصيل المزعجة (هو صف عربي، مسلم، سني، بضبابية وفق المقتضى)، فيما الصف المقابل ينحصر بالخارجين عن "الأمة"، صراحة أو مواربة.

هؤلاء الخارجون هم "الملحدون" و "الربوبيون" و "اللادينيون" "القرآنيون" و "الليبراليون" و "التنويريون" وغيرهم. هي نعوت يراد بها الإدانة، غير أن أصحابها في العديد من الحالات يعتنقونها ويجاهرون بها للتمايز عن الملتزمين المتزمتين "الظلاميين" و "الرجعيين".

ثمة التباس بالاصطلاح، ولا بأس. الإلحاد، تاريخيا، كان إنكار النبوات، لا الإله. أما اليوم، فالمقصود به اللاإلهية، فيما انتقل معناه الأول إلى "الربوبية".

لا شك أنه للتوجهات الفكرية اللاإلهية واللادينية واللافقهية الغربية أصداء ومتابعات في المحيط العربي والإطار الإسلامي. على أنه إذا صحّ أن العديد من هذه التوجهات الغربية تبقى مسيحية أو ما بعد مسيحية في أسسها وسجالاتها، فإن تلقيها في السياق العربي والإسلامي على الغالب لا يعمد إلى اعتبارها انطلاقا من خلفيتها هذه، بل يقبلها بعد تجريدها، الضمني أو الصريح، من رصيدها المسيحي، ليفترضها ويفرضها كمادة يقينية مطلقة.

ليس أن تحليل الدين وفكرة الإله وما يستتبعهما مقيّد بالاعتبارات الموروثة، وهي مسيحية ويهودية غربيا. ولكن التجاوز المتسرّع لهذه الاعتبارات يجعل من تحليل الدين، وهو الفعل الجدلي المتحول، ثابتا جديدا، غالبا ما يطرحه "الملحدون العرب" بما يحاكي قدسية النص وجلاء التنزيل. الملحد في هذا السياق هو "المؤمن" بالإلحاد، الكافر بأوثان جاهلية عصره (أي الإسلام)، الممسك بكتاب فيه اليقين، هو العلم، والواثق بأنه على الحق فيما العامة (من المسلمين وسائر المؤمنين بالأديان) على ضلال مبين. أي أن الملحد العربي هذا، مع بعض التعديلات الطفيفة، هو مسلم ملتزم متزمت.

ربما أن التديّن المطمئن هو القادر على مواجهة النقد والنقض بالعقل والإيمان، لا بتصيّد الهفوات أو الانحدار إلى الشتائم

ما ينطبق على الملحدين العرب يصحّ كذلك على سائر "الفرق" المعاصرة. "ليبراليون" يشتكون من جهل العامة وسوء خياراتها. "تنويريون" على ثقة بأن شعلة النور أمانة يمنّون بها على مجتمعاتهم، "قرآنيون" أدركهم النقد العالي الغربي للحديث وفاتهم انطباقه على القرآن. "لادينيون" استبدل البعض منهم القصص الديني المفتقد للدليل بروايات أخرى يقبلها العقل، وإن غاب سندها ووهنت أدلتها.

على الغالب، ومع إتاحة المجال بالطبع لتفرد بعض المفكرين وخروجهم عن هذا الإجمال، فإن المنهجية والمنطلقات الفكرية، بل اعتبار أصول المعرفة وإن على خلاف، هي أوجه مشتركة بين كافة هذه التوجهات العقائدية، من المتدينة الملتزمة إلى الملحدة. وليس طعنا بالإسلام نسبة هذه الفرق إليه، ولا انتقاص لها. بل هي ملاحظة تقتضيها المعطيات.

ربما أن التديّن المطمئن هو القادر على مواجهة النقد والنقض بالعقل والإيمان، لا بتصيّد الهفوات أو الانحدار إلى الشتائم، وربما أن الاعتراض على الدين، مادة ومستتبعات، هو القادر على مساءلة الأصول التي يبنى عليها هذا الاعتراض، كما مساءلة الدين نفسه.

هذا وذاك يبقيان اهتمام القلة، ولا ضير إن شاءت أن تعتبر نفسها نخبة. أما غالب الناس، فهذا السجال عند رتبة متأخرة من اهتماماتهم. شرط ألا يترجم، كما حصل ويحصل، أذى ماديا أو معنويا طالهم، ومجتمعاتهم وأوطانهم.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.