President Donald Trump speaks at a campaign rally Tuesday, Sept. 8, 2020, in Winston-Salem, N.C. (AP Photo/Chris Carlson)
ضرب ترامب رقما قياسيا في عدد مساعديه الكبار ممن أقيلوا أو استقالوا من مناصبهم خلال سنوات حكمه

في عام 2016 عندما بدأ المرشح الرئاسي الآتي من خارج الطبقة السياسية دونالد ترامب في إخراج خصومه من حلبة المنافسة واحدا بعد الآخر، أطلقوا عليه اسم "البلدوزر". وعندما فاز بترشيح الحزب الجمهوري اعتبره بعض الجمهوريين كابوسا لاقتناعهم بأنه سيخسر أمام هيلاري كلينتون. أما عندما فاز في الانتخابات الرئاسية فقد أيقن بعضهم أن موضوع ترامب أكثر جدّية ممّا كانوا يتوقعون واعتبروه ظاهرة، وبدأوا في دراسة أسبابها ودلالاتها رغم اقتناعهم بأن هذه الظاهرة ستكون طارئة لأنهم رأوها غريبة عن الحياة السياسية الأميركية وتعبّر عن خلل في النظام والمجتمع الأميركي.

ولم تكن دراسة هذه الظاهرة سهلة فمواقفه لا يمكن تصنيفها ضمن خط فكري واحد لأنه ليس محافظا ولا ليبراليا ولا يمينيا أو يساريا وليس ديمقراطيا أو جمهوريا، لا يوجد ما يدل على أنه متدين أو لا ديني. ونتيجة تقلّب مواقفه خلال حياته فقد وصفه بعضهم بأنه انتهازي، بينما اعتبره آخرون غير أيديولوجي يتعامل بمرونة مع عالم متغير. كذلك، لا يمكن اعتباره من أصحاب الثقافة العليا، فتجربته الحياتية هي مدرسته الأساسية ومجالها بعيد عن أمور السياسة الدولية أو الداخلية.

وأرجع أغلبهم صعود ترامب إلى غضب البيض وخاصة الذكور منهم وأبناء الطبقة الوسطى والطبقة العاملة الذين يشعرون بأن الحزبين التقليديين ينحازون للأثرياء ويدفعون الفقراء للتصويت ضد مصالحهم الاقتصادية، وإلى شكوك نسبة غير قليلة من الأميركيين بنزاهة الطبقة السياسية الحاكمة في واشنطن من كلا الحزبين، وكتأكيد على ذلك ففي إحدى مناظرات المرشحين الديمقراطيين قال المرشح السابق بيت بوتيدجيدج أنه الوحيد في هذه المنصة الذي ليس مليونيرا، أي أن منافسيه بما فيهم اليساريون مثل بيرني ساندرز وإليزابيث وارن من أصحاب الملايين، ومن الطبيعي أن يتساءل الأميركي العادي إذا كان العمل السياسي "بزنس" مربح إلى هذه الدرجة فهو يعتبر ثراء ترامب وأمثاله من رجال الأعمال مفهوما حتى لو رافقته بعض المخالفات بينما ثراء السياسيين يثير تساؤلاته وشكوكه.

المواطن الأميركي يبني مواقفه اعتمادا على الأفعال أكثر من الأقوال، فليس مهما أن ترامب لم يقل طوال هذه السنوات كلمة سيئة واحدة عن بوتين طالما أنه اتخذ سياسة حازمة تجاه روسيا

من الممكن تفهّم فوز ترامب في مثل هذه الظروف قبل أربع سنوات، أما إصرار نسبة غير قليلة من الأميركيين على الوقوف خلفه رغم كل ما حدث خلال فترة رئاسته فيستوجب التوقف عنده؛ فقد بدأت هذه الرئاسة بتحقيق مولر حول التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية وفيه وجّهت اتهامات إلى الرئيس ترامب بعرقلة العدالة، كما اكتشفت في سياقه قضايا تتعلق بمخالفات ضريبية وأمور أخرى مرتبطة بشركاته ومعاملاته المالية ومؤسسته الخيرية.

وسلّط بعضها الضوء على سلوكه الشخصي مع النساء مثل وجود علاقة له مع نجمة أفلام إباحية ومع عارضة بلاي بوي ودفع رشاوي لهما لإسكاتهما، وطالت هذه المحاكمات مجموعة غير قليلة من المحيطين به وثبتت التهمة على قسم منهم وأدخل بعضهم إلى السجن، ولكن يبدو أن طبيعة الشهرة التي كان يتمتع بها ترامب سابقا بكل ما لها وما عليها، قد منحه حماية من التدقيق في تفاصيل الحياة الشخصية الذي يتعرض له أي سياسي تقليدي، لذلك كان تأثير هذه القضايا محدودا على جمهوره.

كما ضرب ترامب رقما قياسيا في عدد مساعديه الكبار ممن أقيلوا أو استقالوا من مناصبهم خلال سنوات حكمه، فقد تم استبدال أربعة مستشاري أمن قومي وأغلب الوزراء ورؤساء أجهزة الأمن والمستشارين ومدراء البيت الأبيض والمتحدثين باسمه، وتمت إقالة بعض كبار المسؤولين بتغريدة على تويتر، وبنفس الأسلوب تم الإعلان عن قرارات استراتيجية تتعلق بتوجهات السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، وهو أمر غير مألوف أميركيا وعالميا.

ولكل ذلك فقد انقلب عليه الكثير من القيادات التقليدية للحزب الجمهوري ومنهم من هاجمه علنا، وأصدر بعض من انشقّوا عنه وبعض المقرّبين منه كتبا كشفوا فيها بعض التفاصيل التي من المفروض أن تشكل إحراجا له، وفي النهاية أتت خلال السنة الأخيرة من حكمه جائحة كورونا التي اقتربت أعداد وفياتها من 200 ألف وأدّت إلى إغلاق الاقتصاد وما نجم عنه من أكبر أزمة اقتصادية تشهدها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، كذلك دون أن يؤثر ذلك كثيرا على شعبيته ضمن جمهوره.

وأتى مؤخرا المؤتمر الحزبي للديمقراطين وللجمهورين، فكان الموضوع الرئيسي لمؤتمر الديمقراطيين الهجوم على ترامب، وكانت مشاركة بايدن فيه قصيرة ورمزية رغم أن هدف المؤتمر الرئيسي الترويج له، وفي مؤتمر الحزب الجمهوري تم تسجيل عدة ممارسات مخالفة للتقاليد الأميركية مثل استخدام البيت الأبيض في الحملة الانتخابية ومشاركة كامل عائلة ترامب في المؤتمر على نمط غير بعيد عن الأنظمة الملكية، ولكن المؤتمر كان حماسيا وتناول مواضيع تهم الأميركيين مثل الحد من الهجرة وإعادة فتح الاقتصاد ورفض العنف والفوضى الذي رافق بعض الاحتجاجات، وشارك ترامب في كل أيام المؤتمر بنشاط ملحوظ بشكل لا يمكن مقارنته مع بايدن.

واليوم تعطي استطلاعات الرأي أفضلية لبايدن مرتبطة بنتائج الولايات المتأرجحة، بشكل يعيد للذاكرة ما حدث عام 2016 حين كانت الاستطلاعات تعطي هيلاري فوزا أكيدا على ترامب، وهذا يعني أن كل الاحتمالات ما زالت واردة، وهذا يدل على أن المواطن الأميركي يبني مواقفه اعتمادا على الأفعال أكثر من الأقوال، فليس مهما أن ترامب لم يقل طوال هذه السنوات كلمة سيئة واحدة عن بوتين طالما أنه اتخذ سياسة حازمة تجاه روسيا، تضمنت فرض عدة حزم من العقوبات عليها بعضها طال أبرز أجهزة الاستخبارات الروسية وشركة غاز بروم وأي شركة تساعدها في استكمال خط الغاز نورد ستريم 2 إلى أوروبا، وأخرى شملت حظر توريد الأجهزة الإلكترونية والمنتجات ذات الاستخدام المزدوج، كما منع المؤسسات المالية الدولية والبنوك الأميركية من منح القروض لروسيا ما عدا ما يتعلق بشراء الغذاء.

أثبت ترامب خلال هذه السنوات أنه أكثر من مجرّد ظاهرة وهذا يعني أن الحزبين الرئيسيين في خطر قد يؤدي إلى انهيارهما أو بنائهما من جديد بشكل مختلف تماما

وفي عهد ترامب قتلت القوات الأميركية عشرات الروس من مرتزقة فاغنر في سوريا في أكبر حادث من نوعه، كما أن السياسة الحازمة التي يتبناها ترامب تجاه إيران تتناقض بشكل صريح مع سياسة الحكومة الروسية، والأهم من كل ذلك فإن العمل على تقوية الجيش الأميركي هو حتما لا ينسجم مع الرغبة الروسية ولذلك يبدو أن اتهامات الديمقراطيين لترامب بالتواطؤ مع روسيا لم تلق آذانا صاغية عند كثير من الأميركيين، إذ رغم أن العلاقة بين أوباما وبوتين لم تكن جيدة أبدا ولكن سياسة أوباما تجاه روسيا لم تكن حاسمة.

كما أن تحميل إدارة ترامب مسؤولية الجريمة التي قام بها ضابط شرطة أبيض بقتل مواطن أسود أعزل لا تجد قبولا عند نسبة من الأميركيين، عبّرت عنهم نيكي هيلي المندوبة السابقة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة في مؤتمر الحزب الجمهوري، عندما قالت إن الديمقراطيين "يريدون لوم أميركا أولا... والقول إن أميركا عنصرية وهو كذبة وهذا موضوع شخصي بالنسبة لي"، في إشارة إلى أنها ابنة مهاجرين من الهند. واتهمت الديمقراطيين بأن خطابهم يثير الانقسام ويغض الطرف عن أعمال الشغب، وأيدت موقف ترامب من منظمة الأمم المتحدة: "إنها المكان الذي يهاجم فيه الطغاة والقتلة واللصوص أميركا ثم يرفعون أيديهم ويطالبوننا بدفع فواتيرهم".

وبعد أسابيع ستكشف الانتخابات توجهات الشارع الأميركي والنسبة الحقيقية للمحافظين والليبراليين ويجب قراءة نتائج هذه الانتخابات بدقة بغض النظر عن الفائز فيها، لأنها ستكشف درجة وعمق وخريطة انقسام المجتمع الأميركي وطبيعة هذا الانقسام إن كان على أسس فكرية أو عرقية أو دينية. 

وفي جميع الأحوال فإن ترامب قد أثبت خلال هذه السنوات أنه أكثر من مجرّد ظاهرة وهذا يعني أن الحزبين الرئيسيين في خطر قد يؤدي إلى انهيارهما أو بنائهما من جديد بشكل مختلف تماما.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.