Supporters of a religious group 'Tehreek-e-Labaik Pakistan chant slogans during a rally to condemn the French weekly magazine…
تظاهرة لجماعة "طريق الحق" المتشددة في باكستان رفضا لإعادة نشر صحيفة "شارلي إيبدو" للرسوم الكاريكاتورية

قامت صحيفة "شارلي إيبدو" الهزلية الفرنسية الأسبوع الماضي بإعادة نشر رسوم كاريكاتور النبي محمد التي كانت السبب وراء تعرض الصحيفة لاعتداء إرهابي أوقع 12 قتيلا من هيئة تحريرها في 7 يناير 2015.

جاءت إعادة نشر الرسوم الاثني عشر متزامنة مع محاكمة شركاء المتشددين الذين قتلوا أعضاء هيئة تحرير الصحيفة، وكانت بعض الكاريكاتيرات التي نشرت أولا في صحيفة "يلاندس بوستن" الدنماركية في سبتمبر 2005، ثم شارلي إيبدو عام 2006، أظهرت النبي يعتمر قنبلة بدلا من العمامة أو كشخصية مسلحة بسكين محاط بامرأتين منقبتين.

لم تكن قضية الرسوم وحدها التي تسببت في أحداث عنف راح ضحيتها عشرات الأشخاص، فقد تسبب كذلك فيلم "براءة المسلمين" الذي تم إنتاجه في أميركا عام 2012 ورأى فيه المسلمون إساءة لدينهم ونبيهم في تظاهرات عارمة في العالمين العربي والإسلامي أدت لسقوط ضحايا من بينهم سفير الولايات المتحدة في ليبيا، كريس ستيفنز، وثلاثة أميركيين آخرين بعد الهجوم المسلح على القنصلية الأميركية في طرابلس الغرب.

الاختلافات الأساسية في البنى الثقافية تتطلب قدرا كبيرا من النظر المتعمق، خصوصا في الظرف العالمي الراهن الذي يتميز بغير القليل من انعدام الثقة والاحتكاكات بين العالمين المتمايزين

لا يمكننا فهم قضية الاحتكاكات العنيفة التي تتسبب فيها الرسوم والأفلام والأجناس الأدبية المختلفة خارج إطار الاختلافات الثقافية بين العالمين الإسلامي والغربي. في الثقافة الإسلامية لا يُسمح برسم أو نحت صورة تمثيلية تخيلية للرسول أو صحابته، كما لا يسمح كذلك بتجسيد جميع الأنبياء في أعمال الدراما والمسرح ولو بشكل إيجابي.

أيضا، ثقافة المسلمين لا تقبل الطعن في جميع الأنبياء (رسل التوحيد) أو السخرية منهم، كما أن حرية التعبير في العالم الإسلامي لا تعني المساس بـ"المقدس" بطريقة تستفز المشاعر مهما كان غرض الرسالة المراد إيصالها.

هذه الأمور تخالف بشكل جذري التجربة الحضارية الغربية بشأن العلاقة بالمقدس عموما وبالديانة المسيحية على وجه التخصيص. ففي الغرب مسموح برسم الصور ونحت التماثيل التي تجسِّد السيد المسيح ومريم العذراء وملاك الرب. كما أن السخرية من الأديان والرسل متأصلة في الثقافة الغربية منذ أمد بعيد.

أما حرية التعبير في الثقافة الغربية فلا يحدها المقدس بأي شكل من الأشكال، إذ أنها في جذورها الأولى ولدت في خضم الصراع مع ذلك المقدس، ولذلك فإنه لا يؤبه له كثيرا.

هذه الاختلافات الأساسية في البنى الثقافية تتطلب قدرا كبيرا من النظر المتعمق، خصوصا في الظرف العالمي الراهن الذي يتميز بغير القليل من انعدام الثقة والاحتكاكات بين العالمين المتمايزين، فيما أصبح يعرف بقضايا الإرهاب والمواجهات العسكرية في أكثر من ميدان.

إن التظاهرات العنيفة التي صاحبت قضية الرسوم والفيلم في العالم الإسلامي وما تبعها من موقف غربي رافض للاعتذار لا يمكن فهمها إلا في إطار الإدراك الصحيح للتباين الثقافي بين هذين العالمين. فالمسلمون يعتبرونها إساءة تتطلب الاعتذار من وجهة نظرهم، بينما يعتبر الغرب ردود فعل المسلمين ضغوطا تشكل مدخلا لإلغاء حرية التعبير غير المحدودة، والتي هي جزء أصيل من تكوين طريقتهم في الحياة.

الرد الأخير والأهم فيتمثل في ترسيخ أسباب النهوض واللحاق بركب الحضارة عبر الحرية والعلم والتقنية والتحديث

في ضوء ما ذكرناه من فروق واختلافات ثقافية بين العالمين الإسلامي والغربي يصبح في حكم المؤكد أن نشهد في المستقبل القريب أو البعيد تكرار صدور رواية أو فيلم أو مقال أو كتاب أو رسم كاريكاتوري أو أي شكل من أشكال التعبير الذي يتعرض للإسلام أو الرسول أو القرآن بطريقة لا يقبلها المسلمون ولا تستطيع الحكومات الغربية وقفها، فهل سيكون الرد الإسلامي هو الانفعال العاطفي وخروج المظاهرات العنيفة التي يروح ضحيتها الأبرياء من المسلمين والغربيين بجانب العمليات الإرهابية كما حدث مع شارلي إيبدو؟ 

يرى كاتب هذه السطور أن يكون رد المسلمين على ما يرون فيه إساءة لدينهم أو نبيهم أو كتابهم المقدس من ذات الجنس الأدبي الذي استخدم للتعبير عن تلك الإساءة (كتاب، كاريكاتير، فيلم... إلخ)، وأن تتم ترجمته ونقله إلى مختلف اللغات حتى يصل لأكبر عدد من الجمهور في العالم.

أما الرد الأخير والأهم فيتمثل في ترسيخ أسباب النهوض واللحاق بركب الحضارة عبر الحرية والعلم والتقنية والتحديث، إذ أن علينا كما يقول الكاتب السعودي عبد الله بن بخيت "قبل أن نرد على من يسيء لمقدساتنا أن نرد على أنفسنا. معركتنا لحماية مقدساتنا ليست على أرض الغرب. الفضاء الغربي ليس فضاءنا وليس لنا سلطة عليه. كل ما جرى كان على أرضنا والدماء التي سالت كانت في معظمها دماءنا. معركتنا في هذه الحادثة وفي كل المرات التي تندلع فيها إساءة لنبينا أو مقدساتنا هي معركة مع الحداثة. نحن في عصر وما يساء لنا يجري في عصر آخر. عصر لا نعرف عنه شيئا وليس لدينا القدرة على فهمه ونحاربه أيضا".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.