A woman wearing a face mask as a precaution against the coronavirus carries a child and waits for transportation at a bus…
سيدة وطفلها في محطة باصات في الهند

اجتاحت جائحة كورونا العالم وتابع الكثيرون في كل أنحاء المعمورة إحصائيات كورونا والتي تصدر عن العديد من الجهات الحكومية وغير الحكومية.

وكانت المتابعة عند البعض ـ إن لم يكن الكثيرين ـ تحدث بصورة يومية. فالمرض قد يكون شديد الخطورة، وربما مميتا أحيانا للبعض، وبخاصة كبار السن والمرضى فوق الخامسة والسبعين من العمر.

ووسط التهافت الإعلامي على عرض المستجدات في إحصائيات كورونا كان مفهوم البعض محدودا في إدراك ما وراء الأرقام لأن الأمر كان متعلقا بإحصائيات طبية ليست في تخصص الغالبية العظمى من الناس.

وقد رأينا كثيرون يرتعدون خوفا من ذكر أرقام الوفيات وكأن كورونا هو السبب الأوحد في الوفيات. فأصبح فشل الكبد وفشل الكلى ومضاعفات السكر والشيخوخة وغير ذلك من المشاكل الصحية لا ذكر لهم تقريبا كأسباب أخرى للوفيات في المجتمع.

الحكم على وضع فيروس كورونا في دولة ما لا ينبغي أن نأخذه كأرقام مجردة دون وضعه في التصور العام ومنحنيات إحصائيات المرض

ووسط هذا التخبط كانت هناك أربعة أخطاء شائعة في فهم إحصائيات مرض كورونا.

الخطأ الأول: كان رؤية البعض لأرقام الإصابات بصورة مطلقة ودون وضع اعتبار لعدد سكان الدولة. فعلى سبيل المثال، فإن الدولة التي يكون عدد الإصابات فيها هو 1000 إصابة جديدة يوميا وعدد سكانها مليار نسمة فإن معدل الإصابة بالنسبة للمجتمع فيها هو في حدود 1 إلى كل مليون نسمة. ولو قارنا ذلك بدولة أخرى بها 100 إصابة يوميا فقط (وهو يبدو أفضل من الرقم السابق) ولكن عدد سكانها افتراضيا هو 1000 نسمة، فإن معدل الإصابة فيها في هذه الحالة هو 10 في المئة، وهو أكثر خطورة بكثير من الدولة الأولى بالرغم من أن لديها عدد أكبر من الإصابات.

ونفس المنطق يطبق على أعداد وفيات الدول. فالدولة التي وصل عدد الوفيات فيها إلى عشرة آلاف وعدد سكانها مليار نسمة (أي الوفيات فبها بنسبة 10 لكل مليون نسمة) قد تكون أفضل بمراحل من دولة أخرى بها ألف وفاة فقط ولكن سكانها مليون نسمة فقط (أي الوفيات عندها بنسبة 1000 لكل مليون نسمة).

ووضع هذا الأمر في الاعتبار هو ضرورة حتمية لفهم ما نقرأه من إحصائيات حول هذا المرض.

وعلى سبيل المثال، فإن عدد الإصابات في الهند وصل لأرقام عالية (قرابة خمسة ملايين إصابة) وأعداد الوفيات فيها (أكثر من 75000 وفاة) تفوق العديد من الدول الأخرى. ولكن إذا نظرنا إلى أعداد الوفيات في الهند لكل مليون نسمة (55 وفاة لكل مليون نسمة) لوجدناه قليلا جدا بالنسبة للكثير من هذه الدول مثل الولايات المتحدة وإنكلترا وإيطاليا وجميعها تزيد على 500 وفاة لكل مليون نسمة.

الخطأ الثاني: من الأخطاء الأخرى الشائعة في فهم إحصائيات كورونا هو الإصرار البعض على أن أعداد الوفيات في الدولة لا بد أن تقارن بأعداد الإصابات المكتشفة فيها بدلا من حسابها بنسبة لكل مليون نسمة.

وقد يبدو هذا الأمر منطقيا إذا تم تطبيقه في مستشفى محدود نعلم يقينا عدد الإصابات التي تم إدخالها وعدد الوفيات في داخل هذه المستشفى أو المصحة العلاجية.

ولكن حينما نتحدث عن إحصائيات دولة بأكملها فإن نسبة الوفيات لا بد أن تكون أن تكون منسوبة لكل مليون نسمة لأنه ببساطة لو كان لدينا 10 وفيات جديدة وكانت الدولة تجري 100 فحص يوميا فإن نسبة الوفاة في هذه الحالة ستكون 10 في المئة من نسبة المختبرين، ولكن إذا كانت الدولة تجري 1000 فحص يوميا فإنه في هذه الحالة ستكون نسبة الوفيات بها هي 1 في المئة فقط ـ بالرغم من أن عدد الوفيات لم يتغير وهو 10 حالات يوميا.

الخطأ الثالث: من أحد الأخطاء الشائعة عند البعض هو النظر فقط لرقم الإصابات أو الوفيات دون النظر إلى ما قبله لمعرفة كيف يتجه منحنى المرض وهل هو في ازدياد أم في تناقص؟

قراءة إحصائيات كورونا لا بد أن تكون من أكثر من زاوية حتى ندرك ماذا تعنيه هذه الأرقام والتي نراها الآن في العديد من الدول

فعلى سبيل المثال لا الحصر، لو كانت أعداد الوفيات في أسبوع ما 100 وفاة فإن ذلك يعتبر تحسن إن كانت أعداد الوفيات في الأسبوع السابق لذلك هو 200 وفي الأسبوع الأسبق 300. وعلى العكس من ذلك تماما فإن رقم مئة في الوفيات قد يعني زيادة شديدة في خطورة المرض إن كانت الأعداد في الأسبوع السابق لذلك هو 10 حالات في الأسبوع الأسبق هو حالة وفاة واحدة. فبالرغم من أن رقم المئة وفاة ثابت ولكنه قد يعني تحسن وقد يعني زيادة في خطورة المرض بناءً على أرقام الأسابيع السابقة له.

وذلك ببساطة يعني أن الحكم على وضع فيروس كورونا في دولة ما لا ينبغي أن نأخذه كأرقام مجردة دون وضعه في التصور العام ومنحنيات إحصائيات المرض.

الخطأ الرابع: الخطأ الذي قد يقع فيه البعض ـ إن لم يكن كثيرون ـ هو إغفال نسبة الحالات الحرجة بالنسبة للحالات النشطة. والمقياس الأخير يدلل لدرجة ما على شدة وخطورة المرض. فكلما قلت نسبة الحالات الحرجة (أي التي تحتاج إلى دخول مستشفى) إلى نسبة الحالات النشطة (أي المصابة بأعراض المرض) فإن ذلك قد يعني وجود مناعة طبيعية في المجتمع أو كفاءة العلاج في مرحلة مبكرة للمرض أو الاحتمالين معا. وفي الوقت الحالي فإن السويد ـ والتي انتهجت مبدأ المناعة الطبيعية دون إغلاق للدولة ـ تتصدر هذا المعيار بنسبة تقارب الصفر في المئة للحالات الحرجة إلى الحالات النشطة فيها.

باختصار فإن قراءة إحصائيات كورونا لا بد أن تكون من أكثر من زاوية حتى ندرك ماذا تعنيه هذه الأرقام والتي نراها الآن في العديد من الدول.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.