Women walk in the Kurdish-run al-Hol camp in the al-Hasakeh governorate in northeastern Syria on August 25, 2020, where…
سيدة في مخيم الهول الذي يضم عائلات مقاتلي "داعش"

إما أن نكون مع الخلافة الإسلامية أو نكون مع الدولة الوطنية. لا يمكننا أن نكون مع الاثنتين في الوقت نفسه. ولا يمكننا أن نمجّد ونمتدح الأولى ونحن نسعى إلى بناء الثانية. هذا أمر غريب بالفعل. وهو وصفة للخراب والدمار.

الحدود المصطنعة!

الدول العربية (بعضها أو كلها) تشكو من ضعف الانتماء الوطني وأن المواطنين ينضمون للجماعات الإسلامية ويخرجون عليها، من دون أن تسأل نفسها، كيف يمكن أن تدرّس في مدارسها أن الخلافة الإسلامية عظيمة وحلم ينبغي تحقيقه، ثم بعد ذلك تريد من هؤلاء التلاميذ أن يحتفظوا بالولاء لها؟ هذان أمران لا يستقيمان.

ماذا تعني الخلافة الإسلامية؟

هي تعني أولا أن دولنا بحدودها الحالية هي "كيانات" مصطنعة وأن الأصل أن الدول العربية والإسلامية كلها جزء واحد، والحدود الحالية ما هي إلا حدود وضعها الاستعمار الغربي وثبّتها بموجب معاهدات ظالمة ويجب تغييرها بالقوة.

لا يجب أن ننظر إلى الخلافة الإسلامية بأكثر مما ينظر الغربيون اليوم إلى الحضارة الإغريقية أو الرومانية

هذا ما يدرس في المدارس والكتب التعليمية. وهذا ما يحشون به أدمغة الأطفال الصغار.

فهل هو صحيح؟

معظم حدود دول العالم هي نتيجة معاهدات أو اتفاقيات أعقبت حروبا، والدول العربية ليست استثناء في ذلك. وأن تكون هذه المعاهدات عادلة أو ظالمة ليس أمرا مهما في حد ذاته، المهم هو أن هذه الحدود أصبحت مستقرة ومعترف بها، ومحاولات تغييرها يعني إعلان الحرب والاعتداء على الدول المجاورة وبما يفتح المجال لمنازعات طويلة ولا نهاية لها. وقد جرب كثيرون هذا الطريق ولم يصلوا إلى أي نتيجة.

"داعش" وشعار الخلافة  

لم يكن من باب الصدفة أن تنظيم "داعش" سعى أول ما سعى إلى إزالة الحدود بين سوريا والعراق، بعد أن سمى نفسه دولة الخلافة، وأعاد تقسيم الدول العربية على هيئة ولايات وأمصار.

ما فعله "داعش" هو بالضبط ما يدرس في المدارس وما يجهر به رجال الدين ودعاة القومية وغيرهم على الملأ، ويسعون من خلاله إلى غسل أدمغة الناس، وهذا كله موجه ضد الدولة الوطنية ونخر في أساسها ووضع معول الهدم لتدميرها.

قد يكون حلم الدولة العربية الواحدة مطلبا (وإن لم يكن واقعيا) لمن يعتقدون بإمكانية مثل هذه الوحدة، مع أن التاريخ الحديث والقديم لم يزكها على أي نحو من الأنحاء، أما حلم الخلافة الإسلامية فهو كارثة وكابوس مزعج، لا نتمنى لأحد أن يمر به.

لماذا؟ لأن استعادة مثل هذه الخلافة، والإصرار عليها يعني سفك المزيد من الدماء وخلق الانقسامات وتشريد الناس وخراب البلدان وتدميرها.

الخلافة الإسلامية تنتمي إلى الماضي، شأنها شأن الإمبراطوريات القديمة، وقد انتهى عمرها الزمني بحلوه ومره، ويجب النص بوضوح في المناهج الدراسية على أنها لا تصلح للعصر الحديث وأنها تتناقض مع واقع الدول الحالية، وأن تدريسها هو محض عرض تاريخي ولا علاقة له بحاضر أو مستقبل هذه الشعوب.

الوحدة العربية

ثمة افتراض آخر خاطئ، وهو أن الدول العربية كي تتقدم لا بد لها أن تتوحد. الدول العربية ليست بحاجة إلى الوحدة كي تنهض. هي بحاجة أولا إلى بناء دول وطنية حديثة تقوم على المدنية وحكم القانون وخدمة مصالح شعوبها. إذا أرادت أن تتكامل اقتصاديا وتنسق مع بعضها البعض سياسيا فهذا خير وبركة، لكن خلاف ذلك فهي دول ذات سيادة وحدود معترف بها، وعليها أن تتطور تاريخيا في هذا الاتجاه.

دعوات الوحدة التي صدرت طوال المئة عام الماضية لم تكن أكثر من فكرة عاطفية، راقت للكثيرين وداعبت خيالهم، لكن غاب عنها تحقيق المصلحة، ولذلك انتهى بها الأمر إلى مجرد محاولة لإسقاط فكرة متخيلة على أرض الواقع، وفي أحيان أخرى أداة للسيطرة والتسلط بدافع الطمع والجشع والرغبة في الوصول إلى الحكم. وواقع الحال يقول بأن هذه الدعوات لم تجلب أي خير أو منفعة لأية دولة عربية انطلقت منها.

الانتصار للدولة الوطنية

طبعا تظل الدعوة إلى الوحدة العربية، على سذاجتها ومأساويتها، أهون بكثير من قصة الخلافة الإسلامية.

هذه الأخيرة تعيدنا أشواطا بعيدة في الماضي، وهو ماض متخيل، تحسبه كل فرقة إسلامية بالصورة التي تشتهيها أو يوافق هواها السياسي، فيما تنبذه الفرق الأخرى وترى فيه شرا مستطيرا.

ما فعله "داعش" هو بالضبط ما يدرس في المدارس وما يجهر به رجال الدين ودعاة القومية وغيرهم على الملأ

ولسنا ندعو إلى تشريح ونقد أنظمة الخلافة الإسلامية من زاوية تاريخية وعلمية، فهذا أمر سوف يبدو ثقيلا ومستعصيا على الكثير من المتصدين لمناهج التعليم والتربية في الدول العربية، ولكن على الأقل من المفترض أن يكون هؤلاء أوفياء للدول والقوانين والأنظمة التي يعيشون في ظلها، بحيث يقدمون هذه الخلافة بطريقة لا تجعل التلاميذ يفهمون بأنها واجبة أو ممكنة أو صحية لوقتنا الحاضر، وأن يستوعبوا بأن ذلك مجرد تاريخ لا أكثر ولا أقل، وأنهم معنيون ببناء وازدهار دولتهم الوطنية التي يعيشون فيها في المقام الأول.

بمعنى آخر فإننا لا يجب أن ننظر إلى الخلافة الإسلامية بأكثر مما ينظر الغربيون اليوم إلى الحضارة الإغريقية أو الرومانية.. نستفيد من إيجابياتها في شأننا الحاضر لا أن نعود لها والعياذ بالله.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.