A picture taken from the Lebanese city of Aley in the mountains southeast of the capital Beirut, shows smoke billowing from a…
الدخان المتصاعد من حريق في مرفأ بيروت يغطي العاصمة اللبنانية

أربكت الإدارة الأميركية جميع اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، بإسقاط سيف العقوبات على شخصيتين سياسيتين معروفتين بخدمة كل ما يطلبه "حزب الله" بدءا بالإدارة مرورا بالسياسة وصولا إلى "المحكمة الخاصة بلبنان".

ولأن "العبرة لمن يعتبر"، فإن "كلّن يعني كلّن" ـ وهو شعار الانتفاضة الشعبية المعروفة بـ "ثورة 17 أكتوبر" ـ يتخيّلون أنفسهم على "الدرب نفسه سائرون"، ولا سيّما منهم الأقوياء في فريق عمل رئيس الجمهورية ميشال عون.

وأحبطت هذه الصفحة الجديدة من العقوبات الأميركية التي تستهدف "المفاتيح السياسية "عند القوى المتحالفة مع "حزب الله" في كل من لبنان وسوريا، آمال كل من كان يمنّن النفس بأن المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سوف "تجمّد" هذا المسار المعلن عنه منذ أشهر في واشنطن.

وكان قد تردّد في الكواليس السياسية اللبنانية أن المبعوث الأميركي ديفيد هيل الذي زار لبنان، عقب "المجيء الأول" للرئيس الفرنسي لبيروت، قد حرِص على تجميد هذه الصفحة من العقوبات، لعدم التعطيل على الزيارة الثانية التي كان قد قرّرها ماكرون.

وجد "حزب الله" نفسه، مجددا، في مأزق جديد، بعدما ظنّ أن المبادرة الفرنسية أخرجته من تراكم مآزقه السابقة

ولهذا، فإن قناعة الكثيرين في لبنان تذهب إلى ربط العقوبات التي طالت الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس بعدم الرضى الأميركي على الأسس السياسية التي اعتمدها ماكرون لإطلاق مبادرته، وهذا ما لم تخفه واشنطن، ولو باعتماد "أدبيات مبهمة"، عندما أشار وزير خارجيتها مايك بومبيو ومعاونه ديفيد شنكر، إلى "خلاف بسيط" مع باريس يتصل بالنظرة إلى "حزب الله".

ما أبلغ اللغة الدبلوماسية، وهي تستعمل وصف "بسيط" لأكثر الملفات اللبنانية تعقيدا!

الإدارة الفرنسية لم تعلّق رسميا على الخطوة الأميركية الأخيرة، وإن كانت مصادر فيها حاولت التخفيف من حجم تداعياتها على مواصلة العمل بنقاط مبادرة ماكرون.

هذه المصادر الفرنسية لفتت إلى أن باريس لم تنسّق مع واشنطن بخصوص هذه العقوبات، ولكنّها لا تستغرب إنزالها، لأن ماكرون يلعب دور الوسيط النزيه بين الأفرقاء اللبنانيين لإنقاذ لبنان ولا يلعب دور الوسيط بين الإدارة الأميركية، من جهة وبين "حزب الله" وحلفائه، من جهة أخرى.

وقد أبلغت باريس المرجعيات اللبنانية بموقفها هذا، وأشارت إلى أن من يريد استغلال العقوبات الأميركية ليُدخل تعديلات على تعهداته لماكرون، إنما يستغل حدثا منفصلا عن الخطة ليمتنع عن المساهمة المطلوبة منه في عملية إنقاذ لبنان من الانهيار الشامل الذي يُحدق به.

وفي رأي باريس، إنّ هناك في لبنان من يمكن أن تجذبه لعبة المواجهة مع واشنطن، ولكنّ ذلك لن يصب في خدمة اللبنانيين، بل سيعزّز المسار التدميري للبنان، فإذا كان هناك مؤامرة، فإن كل من يتراجع عن تعهّداته لماكرون، يكون قد مدّ يده ليكون شريكا في هذه المؤامرة المزعومة.

ولا يختلف اثنان على أن مبادرة ماكرون، على الرغم من أنها فصلت الجناح السياسي لـ"حزب الله" عن الجناح العسكري، تقوم على معادلة تأسيسية واضحة: فصل اللبناني ـ المحلي عن المحاور وصراعاتها.

وعليه، فإن "حزب الله" يدرك جيدا أن حرب واشنطن عليه ليست بسبب أدواره السياسية داخل لبنان، بل بسبب أدواره الأمنية والعسكرية، وفق ما تقرره الأجندة الإيرانية.

ولكن، هل يفكّر "حزب الله" وحلفاؤه كما يريد لهم الفرنسيون أن يفكّروا؟ من الواضح أن الأطراف اللبنانية المعنية بهذه العقوبات، تفكّر، أقله حتى كتابة هذه المقال، بطريقة مختلفة عن التفكير الفرنسي.

وهؤلاء فئات:

الفئة الأولى، تريد إنجاح المبادرة الفرنسية، وعمادها رؤساء الحكومة السابقون الذين لديهم "ناطق باسمهم" هو فؤاد السنيورة.

الفئة الثانية، وتضم الجهتين اللتين تمّ استهدافهما بالعقوبات أي "حركة أمل" ـ أحد طرفي ما يسمى في لبنان بـ"الثنائي الشيعي" ـ برئاسة رئيس المجلس النيابي نبيه بري، و"تيار المردة" برئاسة المرشح لرئاسة الجمهورية سليمان فرنجية الذي سعى في السنوات الأخيرة، من موقع ولائه لـ"حزب الله" و"صداقته" مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، أن يمد جسورا متينة مع مختلف التلوينات السياسية في لبنان.

الفئة الثالثة، حيث يبرز المعني الأوّل بالعقوبات، أي "حزب الله"، إذ إنّ كل من يمكن أن يحقّق له مطالبه، أصبح يشعر بخطر عقابي أميركي.

أما الفئة الرابعة، فتتمثّل بفريق رئيس الجمهورية ميشال عون.

عون "المحايد"

وإذا بدأنا باستعراض الواقع من النقطة الأخيرة، يظهر بوضوح أن عون تعاطى بحيادية لافتة مع الدفعة الأولى من العقوبات الأميركية، فهو لم يدنها كما فعل حليفه الأهم "حزب الله"، بل لبس بدل ذلك "ثوب الحَكَم"، إذ طلب من وزارة الخارجية اللبنانية إجراء ما يلزم من الاتصالات "للاطلاع على الظروف التي أملت قرار وزارة الخزانة الأميركية (...) ليبني على الشيء مقتضاه".

وهذا "اللا موقف" أثار حفيظة حلفاء عون، وتولّت مصادرهم التشكيك، إمّا بنياته وإما بـ"ثبات ركبتيه".

المشككون بنيات عون يربطون بين اتهامات بالفساد سبق ووجهها، قبل مدة قصيرة، إلى خليل، بعدما كان قد شنّ، عبر تياره السياسي، حملة لمنع توزير يوسف فنيانوس، مجددا في الحكومة الأخيرة لسعد الحريري.

في رأي باريس، إنّ هناك في لبنان من يمكن أن تجذبه لعبة المواجهة مع واشنطن، ولكنّ ذلك لن يصب في خدمة اللبنانيين، بل سيعزّز المسار التدميري للبنان

أما المشككون بـ "ثبات ركبتي" عون، فيلفتون إلى أنه يريد تجنيب فريقه السياسي والاستشاري هذه الكأس، لأنّ ما ينطبق على علي حسن خليل يمكن أن ينطبق أيضا على جبران باسيل، كما أن ما ينطبق على يوسف فنيانوس يمكن أن ينطبق أيضا على مستشاره سليم جريصاتي.

ويعتقد مراقبون بأنّ المسؤولين الأميركيين، على الرغم من أن اللبنانيين كانوا ينتظرون عقوبات على فريق عون، "أرجأوا" ذلك، عن سابق تصوّر وتصميم، ففي حين أن معاونَي بري وفرنجية ليسا برّي وفرنجية، فإن جبران باسيل وسليم جريصاتي هما عون نفسه.

وهذا "الإرجاء" هو دس نبض عون إذا كان قابلا لتغيير اتجاهاته أم لا.

ومن دون شك، فإن عون يتعرّض، حاليا لضغوط من حلفائه حتى يتّخذ موقفا مبدئيا ضد العقوبات، كما يتعرّض لضغوط من داخل "بيته السياسي" للبقاء على الحياد.

"حزب الله" والدولة

ولكن، ماذا عن "حزب الله" وهذه العقوبات؟

وجد "حزب الله" نفسه، مجددا، في مأزق جديد، بعدما ظنّ أن المبادرة الفرنسية أخرجته من تراكم مآزقه السابقة.

"حزب الله" سبق له واعتاد على العقوبات وتعايش معها وأوجد لنفسه ما يمكن من طرق للعيش في ظلها، ولكن انطلاق مرحلة جديدة من العقوبات لتطال كل من يتعاون معه في الحكومة، ولاحقا في الإدارات والمؤسسات العامة والمؤسسات العسكرية والأمنية، سوف يُلقي به، رويدا رويدا، خارج الدولة ومنافعها وحماياتها، كما سبق ورمت به العقوبات الأميركية خارج النظام المصرفي اللبناني، وحرمت الوزارات التي يستلمها من عقود مع المنظمات الدولية الكبرى، إذا لم تتعهّد بعدم تخصيص مؤسسات "حزب الله" بأي مبالغ مالية.

في التجربتين الأخيرتين، فإن "حزب الله" رمى قرضا مهما للقطاع الصحي كان قد وفّره "بنك النقد الدولي"، كما أنه كان أبرز عامل من عوامل "إضعاف" القطاع المصرفي اللبناني، قبيل انهيار قدراته.

وإذا استندنا إلى هاتين التجربتين، فإنّ أحدا لا يضمن أن يذهب "حزب الله" في اتجاه توجيه ضربة قاضية للدولة اللبنانية التي يجب إخراجه منها، مباشرة وبالواسطة، الأمر الذي يمنعه من التزام تعهّداته للرئيس الفرنسي.

اعتراض "نادي الرؤساء"

وهذا تحديدا ما يمكن فهمه من الكلام الأخير الصادر عن الرئيس فؤاد السنيورة، كناطق باسم "نادي رؤساء الحكومة السابقين"، إذ إنه أدان توقيت العقوبات الأميركية ووضعها في خانة نسف المساعي الحكومية.

قال السنيورة: "هل كان من الضروري القيام بهذا الأمر الآن، أو الانتظار لأسبوع حتى تأليف الحكومة؟".

من سبق لهم واعترضوا على مبادرة ماكرون يمكن لهم أن يجدوا في "العقوبات الأميركية" راحة

وهذا يعني أن السنيورة، ومن موقع العارف، يشتبه بنشوء "تشدد" لدى "حزب الله"، لم يكن متوافرا قبل العقوبات الأميركية.

والمعلومات السابقة لهذه الدفعة من العقوبات تفيد بأن "الثنائي الشيعي" كان مسهّلا لعملية تشكيل الحكومة فيما كان رئيس الجمهورية هو "المتشدد"، وتاليا فإن العراقيل تراكمت ضد أن يحمل يوم الخامس عشر من سبتمبر الحكومة الموعودة، الأمر الذي يعني أن الرئيس المكلّف مصطفى أديب، سوف يجد نفسه مضطرا للاعتذار، فيما "نادي رؤساء الحكومة" سيكون مضطرا، وفاء لتعهداته، على إقفال هواتفه وعدم تسمية بديل عن أديب.

رسالة لماكرون

من سبق لهم واعترضوا على مبادرة ماكرون يمكن لهم أن يجدوا في "العقوبات الأميركية" راحة، لأن كل حل يراعي شروط "حزب الله"، ويعوّم الطبقة السياسية التي خدمته وتخدمه، ويفصل الملف المالي ـ الاقتصادي عن الملف السياسي ـ السيادي، لا يعتبرونه حلا بل مزيدا من تجذير أسباب المأساة اللبنانية.

وهؤلاء يشيرون بالبنان إلى مجموعة من الشابات اللبنانيات في فرنسا، اقتحمن، صباح اليوم، مقر القنصلية اللبنانية في باريس، ونزعن صورة رئيس الجمهورية ميشال عون عن حائطها، وكسّرنها، قبل أن يسيطرن على جدرانها الخارجية ويعلّقن صورا تنال من "كلّن يعني كلّن".

باعتقاد هؤلاء أن هذه العملية "الثوروية" ليست موجهة إلى الطبقة السياسية اللبنانية بل هي رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وخلاصتها:" لقد أخطأت بالعنوان، سيدي الرئيس".

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.