An army helicopter drops water on a fire at warehouses at the seaport in Beirut, Lebanon, Friday, Sept. 11, 2020. A huge fire…
مروحية تعمل على إخماد حريق نشب في مرفأ بيروت بعد أسابيع على الانفجار في المرفأ عينه

الأسبوع الفائت، التقطت "فلاش" كلبة فريق الإنقاذ التشيلي المتطوع لأعمال إغاثة بيروت المنكوبة، إشارة حياة من أحد الأبنية المتداعية، وتحولت خلال ساعات إلى ألطف بطلة عالمية. تعلقت بإشارتها أرواح اللبنانيين والعالم، وصلّوا لأجل معجزة.

قيل إن ثمة نبض في المكان الآيل للسقوط، وربما كان حقا، لكنه سيتوقف حتما في مواجهة مهمة تعجيزية كهذه، في زمن انتهت فيه المعجزات، وفي بلاد كل ما فيها سقط، أو بات آيل للسقوط.

مشهد لبناني تراجيدي مضاف، سيذكرك بالأمل الضئيل الذي أشاعه، ومرارة الخيبة التي انتهى بها، بمعاناة آلاف الأرواح التي علقت أو قضت، تحت أنقاض برجي التجارة العالمي في نيويورك، التي حلت بالأمس ذكرى مرور 19 عاما على فاجعتهم.

سيذكرك وهو يعيد نكأ الجرح السوري العميق، بمعاناة آلاف المدنيين من الضحايا ممن علقوا أو قضوا، تحت أنقاض الأبنية التي دُمرت جراء الأعمال الحربية أو الإرهابية، خلال السنوات العشر المنصرمة من عمر المقتلة السورية.

سيظل الفساد المتهم الأكبر في تهاوي أبنية فوق رؤوس قاطنيها، مع استمرار الاستهتار بأرواح الشعوب ونهب المال العام، ولنا فيما يحدث اليوم من كارثة الفيضان المؤسفة في السودان خير مثال

مشهد لن يذكرك بما مضى فقط، بل ستتوقع تكراره في كل الأوقات، وسقوط مئات الضحايا تحت أنقاض أبنية تتهاوى كل حين في عدد من المدن، بفعل جرائم فساد المقاولين وتجار البناء وتواطؤ القوانين.

ثمة نبض لأحياء كان في جميع هذه الأمكنة، وتوقف بفعل جرائم بشرية، وليس بسبب جنوح الطبيعة.

وفي الحالتين، النتيجة الكارثية واحدة، وستفرض قسوة المشهد والعجز عن إنقاذ أحياء يحتضرون تحت أحجار منازلهم، تساؤلات مكررة، فيما لو كان ممكنا تفادي خسارة هذه الأرواح لو توفرت بعض الإجراءات الاحترازية قبل وقوع الكارثة، أو عن إمكانية تخفيف الخسائر في المستقبل!

قبل عشر سنوات، طرح مسلسل سوري، حمل اسم "بعد السقوط" هذا التساؤل الأخلاقي، وتحدث عن انهيار بناء مؤلف من ست طوابق في أحد مناطق العشوائيات السكنية في أحد نواحي دمشق، حيث سيعلق الناجون تحت الركام ويصارعون لأجل البقاء في ظل انهيار نفسي يرافق الانهيار العام.

لم يسلط العمل الضوء على بشاعة الفساد الذي تسبب بانهيار المبنى فقط، بل كشف عن بشاعة مماثلة لفساد البيروقراطية الخارجي، وعدم الاكتراث لمعنى هدر الوقت في حالات مماثلة تتمزق خلاله الضحية تحت الأنقاض، وقد يتوقف نجاتها على بضع ثوان فارقة.

ونظرا لطبيعته الصادمة، لم يُرحَب بمسلسل "بعد السقوط" أو يحظى بشهرة كما يجب، لكنه في الحقيقة عمل محترف يسجل كعلامة فارقة في الدراما العربية، ويستعاد وجدانيا مع كل  كارثة جديدة، لا سيما وأنه نبه المعنيين إلى احتماليات جادة لانهيارات مماثلة لأبنية مهملة أو تلك التي يشيدها تجار الفساد، وهو ما حدث لاحقا في أماكن متعددة.

البناء البيروتي الذي التقط فيه نبض تحت الأنقاض، ربما كان بالإمكان تلافي انهياره أو انهيار أبنية مماثلة لوضعه، فيما لو كان السلطات اللبنانية تتحمل مسؤولياتها كما يجب، وتقوم بالكشف الهندسي الدوري على الأبنية المتصدعة أو القديمة أو المخالفة لشروط السلامة المعماري، المحتمل أن تتهاوى جراء العواصف المطرية أو الزلازل أو لأي سبب خارج عن إرادة الإنسان.

يتحمل الفاسدون وزر الأرواح التي قضت تحت هذه الأنقاض ودمهم في رقبتهم، كجزء لا ينفصل عن الفساد العام الذي أودى إلى خراب ثلث عاصمة كانت عامرة بالجمال. ويتحمل الفساد السياسي الدولي والديني الإرهابي الذي صنّع أو تواطؤ مع منظمة إرهابية مثل "القاعدة"، وزر آلاف الأرواح التي زهقت تحت أنقاض برجي التجارة العالمي أو في أعمال إرهابية أخرى.

ثمة نبض لأحياء كان في جميع هذه الأمكنة، وتوقف بفعل جرائم بشرية، وليس بسبب جنوح الطبيعة

وسيظل الفساد المتهم الأكبر في تهاوي أبنية فوق رؤوس قاطنيها، مع استمرار الاستهتار بأرواح الشعوب ونهب المال العام، ولنا فيما يحدث اليوم من كارثة الفيضان المؤسفة في السودان خير مثال، حيث كان بالإمكان التخفيف من الآثار المدمرة فيما لو اجتهدت الحكومات السودانية السابقة لاتخاذ ما أمكن من إجراءات احترازية، وتأمين المساكن الشعبية الأكثر صلابة ومقدرة على تحمل كوارث مشابهة متكررة، بديلا عن تلك البيوت الطينية الهشة التي يعيش فيها معظم الناس، في بلد يعتبر واحدا من أغنى دول العالم.

تتعرض اليابان وبعض المناطق الأميركية، بشكل لا يتوقف لكوارث طبيعية مختلفة وقاسية، لكنهما سخرتا مقدرة وذكاء هندسة العمارة لابتداع مساكن تقاوم الزلازل والأعاصير، وحتى في حال هدمت هذه المساكن بفعل قوة الطبيعة، اجترحتا الحلول عبر بدائل في مواد البناء، لا تمنع الكارثة بالمطلق، لكنها تخفف من حدتها وتقلل من عدد الضحايا.

ليت ما حدث لم يحدث، ليت إشارة "فلاش" أنقذت روحا، كما فعلت القطة في مسلسل "بعد السقوط"، والتي كانت بطلة النهاية، ونبهت العالقين إلى مسرب أمكن إنقاذهم من خلاله.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.