الأسبوع الفائت، التقطت "فلاش" كلبة فريق الإنقاذ التشيلي المتطوع لأعمال إغاثة بيروت المنكوبة، إشارة حياة من أحد الأبنية المتداعية، وتحولت خلال ساعات إلى ألطف بطلة عالمية. تعلقت بإشارتها أرواح اللبنانيين والعالم، وصلّوا لأجل معجزة.
قيل إن ثمة نبض في المكان الآيل للسقوط، وربما كان حقا، لكنه سيتوقف حتما في مواجهة مهمة تعجيزية كهذه، في زمن انتهت فيه المعجزات، وفي بلاد كل ما فيها سقط، أو بات آيل للسقوط.
مشهد لبناني تراجيدي مضاف، سيذكرك بالأمل الضئيل الذي أشاعه، ومرارة الخيبة التي انتهى بها، بمعاناة آلاف الأرواح التي علقت أو قضت، تحت أنقاض برجي التجارة العالمي في نيويورك، التي حلت بالأمس ذكرى مرور 19 عاما على فاجعتهم.
سيذكرك وهو يعيد نكأ الجرح السوري العميق، بمعاناة آلاف المدنيين من الضحايا ممن علقوا أو قضوا، تحت أنقاض الأبنية التي دُمرت جراء الأعمال الحربية أو الإرهابية، خلال السنوات العشر المنصرمة من عمر المقتلة السورية.
سيظل الفساد المتهم الأكبر في تهاوي أبنية فوق رؤوس قاطنيها، مع استمرار الاستهتار بأرواح الشعوب ونهب المال العام، ولنا فيما يحدث اليوم من كارثة الفيضان المؤسفة في السودان خير مثال
مشهد لن يذكرك بما مضى فقط، بل ستتوقع تكراره في كل الأوقات، وسقوط مئات الضحايا تحت أنقاض أبنية تتهاوى كل حين في عدد من المدن، بفعل جرائم فساد المقاولين وتجار البناء وتواطؤ القوانين.
ثمة نبض لأحياء كان في جميع هذه الأمكنة، وتوقف بفعل جرائم بشرية، وليس بسبب جنوح الطبيعة.
وفي الحالتين، النتيجة الكارثية واحدة، وستفرض قسوة المشهد والعجز عن إنقاذ أحياء يحتضرون تحت أحجار منازلهم، تساؤلات مكررة، فيما لو كان ممكنا تفادي خسارة هذه الأرواح لو توفرت بعض الإجراءات الاحترازية قبل وقوع الكارثة، أو عن إمكانية تخفيف الخسائر في المستقبل!
قبل عشر سنوات، طرح مسلسل سوري، حمل اسم "بعد السقوط" هذا التساؤل الأخلاقي، وتحدث عن انهيار بناء مؤلف من ست طوابق في أحد مناطق العشوائيات السكنية في أحد نواحي دمشق، حيث سيعلق الناجون تحت الركام ويصارعون لأجل البقاء في ظل انهيار نفسي يرافق الانهيار العام.
لم يسلط العمل الضوء على بشاعة الفساد الذي تسبب بانهيار المبنى فقط، بل كشف عن بشاعة مماثلة لفساد البيروقراطية الخارجي، وعدم الاكتراث لمعنى هدر الوقت في حالات مماثلة تتمزق خلاله الضحية تحت الأنقاض، وقد يتوقف نجاتها على بضع ثوان فارقة.
ونظرا لطبيعته الصادمة، لم يُرحَب بمسلسل "بعد السقوط" أو يحظى بشهرة كما يجب، لكنه في الحقيقة عمل محترف يسجل كعلامة فارقة في الدراما العربية، ويستعاد وجدانيا مع كل كارثة جديدة، لا سيما وأنه نبه المعنيين إلى احتماليات جادة لانهيارات مماثلة لأبنية مهملة أو تلك التي يشيدها تجار الفساد، وهو ما حدث لاحقا في أماكن متعددة.
البناء البيروتي الذي التقط فيه نبض تحت الأنقاض، ربما كان بالإمكان تلافي انهياره أو انهيار أبنية مماثلة لوضعه، فيما لو كان السلطات اللبنانية تتحمل مسؤولياتها كما يجب، وتقوم بالكشف الهندسي الدوري على الأبنية المتصدعة أو القديمة أو المخالفة لشروط السلامة المعماري، المحتمل أن تتهاوى جراء العواصف المطرية أو الزلازل أو لأي سبب خارج عن إرادة الإنسان.
يتحمل الفاسدون وزر الأرواح التي قضت تحت هذه الأنقاض ودمهم في رقبتهم، كجزء لا ينفصل عن الفساد العام الذي أودى إلى خراب ثلث عاصمة كانت عامرة بالجمال. ويتحمل الفساد السياسي الدولي والديني الإرهابي الذي صنّع أو تواطؤ مع منظمة إرهابية مثل "القاعدة"، وزر آلاف الأرواح التي زهقت تحت أنقاض برجي التجارة العالمي أو في أعمال إرهابية أخرى.
ثمة نبض لأحياء كان في جميع هذه الأمكنة، وتوقف بفعل جرائم بشرية، وليس بسبب جنوح الطبيعة
وسيظل الفساد المتهم الأكبر في تهاوي أبنية فوق رؤوس قاطنيها، مع استمرار الاستهتار بأرواح الشعوب ونهب المال العام، ولنا فيما يحدث اليوم من كارثة الفيضان المؤسفة في السودان خير مثال، حيث كان بالإمكان التخفيف من الآثار المدمرة فيما لو اجتهدت الحكومات السودانية السابقة لاتخاذ ما أمكن من إجراءات احترازية، وتأمين المساكن الشعبية الأكثر صلابة ومقدرة على تحمل كوارث مشابهة متكررة، بديلا عن تلك البيوت الطينية الهشة التي يعيش فيها معظم الناس، في بلد يعتبر واحدا من أغنى دول العالم.
تتعرض اليابان وبعض المناطق الأميركية، بشكل لا يتوقف لكوارث طبيعية مختلفة وقاسية، لكنهما سخرتا مقدرة وذكاء هندسة العمارة لابتداع مساكن تقاوم الزلازل والأعاصير، وحتى في حال هدمت هذه المساكن بفعل قوة الطبيعة، اجترحتا الحلول عبر بدائل في مواد البناء، لا تمنع الكارثة بالمطلق، لكنها تخفف من حدتها وتقلل من عدد الضحايا.
ليت ما حدث لم يحدث، ليت إشارة "فلاش" أنقذت روحا، كما فعلت القطة في مسلسل "بعد السقوط"، والتي كانت بطلة النهاية، ونبهت العالقين إلى مسرب أمكن إنقاذهم من خلاله.