Belarusian medical workers gesture during a rally in support of Maria Kolesnikova, and other members of the Coordination…
عاملات وعاملون في القطاع الصحي في بيلاروسيا يتظاهرون دعما للمعارضة

في الذاكرة الروسية المسكونة بالقلق من الآخر أو الخارج، من الأعداء والغزاة، الذين لن يترددوا يوما أو لحظة في الإيقاع بها أو محاصرتها، وفي إيجاد ثغرة سياسية اقتصادية جغرافية يتسللوا منها. لم ولن ينسى الروس أن هتلر استغل الثغرة الأوكرانية من أجل التسلل إلى روسيا كما فعل قبله نابليون بونابرت الذي استغل جغرافية بيلاروسيا من أجل الوصول إلى قلب الإمبراطورية.

هذه الجغرافيا المعقدة والمربكة من عهد القياصرة إلى زمن السوفيات وصولا إلى روسيا البوتينية، ساهمت في تشكيل طابع وطبائع السلطة التي اعتمدت على التوسع الجغرافي زمن القياصرة وعلى الفضاء السوفياتي أو ما كان يعرف بالمجال الحيوي الروسي السوفياتي في العهد الشيوعي، لكنها أخذت طابعا عقائديا في هذه المرحلة، فرضته أزمة البحث عن هوية وطنية، ربطها صناع السياسة بمكونات المكان وامتداداتها التي تحولت إلى عقيدة جيوسياسية كانت الأوروآسياوية واحدة من تجلياتها.

القلق من فقدان مزيد من السيطرة الروسية على المجال الحيوي السوفياتي أو ما بات يعرف الآن بفضاء روسيا الأورآسيوي، يفرض تشددا روسيا في الأزمة البيلاروسية

اختلفت النخب الروسية حول تعريفها للجغرافيا السياسية لروسيا الحديثة، وظهرت تباينات كبيرة بين خبراء مخضرمين منذ العهد السوفياتي من مفكرين وجنرالات ودبلوماسيين عارضوا الأفكار التي روّج لها صاحب النظرية السياسية الرابعة أو (نيوأوراسية) التي دغدغت طموحات مراكز القوى داخل الكرملين خصوصا السيلافيكي (مجموعة الأجهزة الامنية والعسكرية) المنشغلين بإعادة الاعتبار لروسيا كدولة عظمى يمكن لها استغلال موقعها الجيوسياسي في إعادة تكوين إمبراطورية قارية.

في ذروة البحث عن تعريف للهوية الوطنية وللعقيدة السياسية للنظام، وتماشيا مع شيطنة الليبرالية واعتبارها أداة بيد الغرب والأطلسي تُستخدم ضد المجتمع والدولة في روسيا، لجأت نخب الكرملين إلى استخدام المعادلة التي روّج لها ألكسندر دوغين والقائمة على أن (القوة البحرية ـ الأطلسي، مقابل القوة البرية ـ أوراسية) وترجموها عمليا باستعادة الدور القاري (البري) لروسيا، واعتبروا أن القوة البرية مخولة نظريا ومرغمة استراتيجيا على التوسع بما يتناسب مع موقع روسيا، ومد النفوذ إلى ما يمكن اعتباره حدودا طبيعية مهما وصل حجم هذا التمدد.

في الوقت الذي كان الكرملين منشغلا في بلورة عقيدة جديدة للنظام الروسي، كانت الجيوسياسية الروسية وامتدادها تتعرض لنكسات بنيوية أدت إلى انتقال روسيا من موقع الهجوم إلى الدفاع، فالهيمنة على الفضاء الروسي الاستراتيجي تراجعت بعدما خسرت روسيا نفوذها في جورجيا، وتلقت الأوروآسياوية نكسة بعد خسارة الحيّز الأوكراني الذي بات خارج السيطرة.

القلق من فقدان مزيد من السيطرة الروسية على المجال الحيوي السوفياتي أو ما بات يعرف الآن بفضاء روسيا الأورآسيوي، يفرض تشددا روسيا في الأزمة البيلاروسية ورفض المساومة على موقع روسيا البيضاء الجيوسياسي، فالقضية بالنسبة للكرملين ليست الدفاع عن الرئيس ألكسندر لوكاشينكو بل منع سقوط خط الدفاع الأخير عن روسيا وتسليمه لأوروبا والأطلسي، حيث تحول الصراع إلى معركة لحماية الثغور التي تسللت منها أوروبا بنسختها البونابارتية سنة 1812 إلى روسيا، والتي ممكن أن تتكرر الآن من خلال استكمال الطوق الأوروبي على روسيا عبر جمهوريات البلطيق الثلاثة (ليتوانيا، إستونيا ولاتفيا) ومعهم أوكرانيا ومن الممكن أن تنضم إليهم بيلاروسيا.

خيارات موسكو الجديدة تجاه الوضع في مينسك باتت أقرب إلى إجراءات جذرية ما بين التدخل العسكري المباشر أو الضم عبر إعلان الاتحاد الروسي البيلاروسي في معركة الدفاع عن آخر الثغور

لذلك لا يمكن أن تترد موسكو في الحفاظ على مساحة عازلة بينها وبين الأوروبيين، ولا يمكن لها أن تثق بأطراف المعارضة في مينسك، وهي وبالرغم مما ارتكبه لوكاشينكو سابقا ومحاولات تمرده واللعب على توازن العلاقة ما بين روسيا وأوروبا، إلا أن الكرملين مستعد الآن طيّ صفحة الماضي وحماية لوكاشينكو حفاظا على تركيبة النظام التي من الممكن أن تضمن سلطة غير معادية لموسكو في مينسك.

لا يمكن لموسكو أن تتأخر في ردع الداخل البيلاروسي ووضع خطوط حمراء للخارج، فموسكو المرتابة دائما من الآخر، باتت تربط ما بين مواقف الاتحاد الأوروبي وبعض المناورات العسكرية للناتو، يضاف إليها ما كشفه قائد القوات الفضائية والجوية الروسية عن إجراء واشنطن لمناورات جوية تحاكي قصف روسيا من كندا وإستونيا عبر القاذفة الاستراتيجية B 52، فقد باتت هذه الأحداث بالنسبة لها مرتبطة بشكل ما بما يحدث في مينسك، وهذا ما شجع لوكاشينكو على مطاردة زعماء المعارضة تحت ذريعة تهديد الأمن القومي وافتعال اضطرابات على الحدود مع أوكرانيا.

وعليه فإن خيارات موسكو الجديدة تجاه الوضع في مينسك باتت أقرب إلى إجراءات جذرية ما بين التدخل العسكري المباشر أو الضم عبر إعلان الاتحاد الروسي البيلاروسي في معركة الدفاع عن آخر الثغور.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.