A Lebanese army soldier pushes back the anti-government protesters, during a protest against the Lebanese President Michel Aoun…
عناصر من الجيش اللبناني تحاول قمع تظاهرة أمام القصر الرئاسي في لبنان للمطالبة باستقالة رئيس الجمهورية ميشال عون

يتكاثر المتكلمون في هذه المرحلة عن تطوير أو تجاوز أو استبدال اتفاق الطائف بعقد اجتماعي جديد أو نظام سياسي جديد؛ استنادا إلى عدد من الوقائع الجيوسياسية، سواء الخارجية أو الداخلية.

لا شك أن الأحداث المتناسلة التي تمر بها المنطقة تعصف بالتوازنات التي استقرت في مرحلة انهيار جدار برلين والاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة وإعلان نهاية التاريخ مع القطب الواحد المهيمن.

كان الاتفاق الذي حصل في الطائف، وعبرت عنه الوثيقة التي ستكون جزءا من الدستور، قد أنهى الحرب الأهلية بمكافأة أمراء الحرب والتسليم بقيادة النظام السوري في لبنان لتعاونه مع الأميركيين في حربهم ضد صدام حسين.

اختلف المشهد حاليا باختلاف التوازنات الدولية والإقليمية. استعادت الحرب الباردة الحياة لكن على شكل حرب باردة لمن يمتلك الفضاء السيبراني. وحرب اقتصادية تستخدم العقوبات وأخرى تستخدم الذكاء الاصطناعي فتعتمد برامج رقمية ولوغاريتمات تعطل أجهزة التحكم في المرافق الحيوية للبلد المقصود.

لكن هذا لا يمنع الضربات الجوية الاستباقية أو التدخل التدخل العسكري التقليدي على غرار ما تفعله إسرائيل في سوريا، و/أو الأطراف الأخرى في سوريا واليمن أو في ليبيا...

أي تعديل تحت سلطة السلاح لا يصب في مصلحة لبنان بل بمصلحة إيران

يجد لبنان نفسه على مفترق ومهدد بالزوال على أبواب مئوية لبنان الكبير الثانية. عاد ساحة صراع للقوى الدولية والإقليمية، التي تعددت فأضيف إلى اللاعب الإسرائيلي كل من إيران وتركيا؛ ناهيك عن الولايات المتحدة وأوروبا، متمثلة بفرنسا، إضافة إلى روسيا. يتداخل الصراع بين من سيضع يده على لبنان في إطار التنافس على مصادر الطاقة وعلى الطرق التجارية التقليدية، والتي كانت المنطقة العربية والشرق الأوسط دائما في قلب صراعاتها. فهنا سيتحدد مصير طريق الحرير ودخول الصين إلى العالم، كما مصير السيطرة على إمدادات خطوط الغاز ومصادر الطاقة.

تعمق دخول لبنان خضم الصراع بعد جريمة تفجير المرفأ. تأهبت ناقلات الجند والطائرات على شطوطه وفي مياه المتوسط. استعراض الطائرات الفرنسية بمناسبة مئوية لبنان الكبير، لم تعن فقط الاحتفال بالمئوية بحمل العلم اللبناني. إنها أيضا برسم تركيا: نحن هنا.

في هذا التشابك الإقليمي والدولي، تعرضت السلطة الحاكمة في 17 أكتوبر للاهتزاز الجدي، وأدت استقالة حكومة سعد الحريري إلى هيمنة "حزب الله" وجعله الحاكم الفعلي الأوحد للبنان. ولولا وجوده كطرف مسلح ومحتل هدّد الثوار وغيرهم بلاءاته الثلاث، لكانت السلطة انهارت أمام مثل ثورة 17 أكتوبر.

ثم جاءت جائحة كورونا فخفتت الاحتجاجات مع أنها لم تتوقف. كل ذلك ضعضع السلطة؛ و"حزب الله" جزءا منها. لكن زلزال 4 أغسطس الكارثي (انفجار المرفأ) بلغ قمة التحدي للسلطة الحاكمة ففضح تواطؤ جميع مكوناتها. وأصبح "حزب الله" والعهد المتهمان والمسؤولان الأساسيان عما حصل بالنسبة لغالبية اللبنانيين. وعلّقت المشانق لأول مرة لأيقونات كانت لا تمس.

أمام غرق السلطة في مآزقها جاءت المبادرة الفرنسية لتعويمها ومنحها فرصة للإصلاح؛ لكنها اكتفت بالنواحي الاقتصادية والإدارية والمالية والإنمائية. فأغفلت سيادة الدولة وقرارات الشرعية الدولية ووصلت إلى حد اقتراح ما يشبه المؤتمر التأسيسي تحت شعار "عقد اجتماعي جديد" لم تتوضح معالمه. الأمر الذي يهدد اتفاق الطائف ويضعه على المحك.

لا يخفى وجود مواقف مختلفة من الطائف منذ مؤتمر سان كلو الذي طرح فيه الإيرانيون المثالثة كبديل عن المناصفة، لتعزيز دور الطائفة الشيعية في معادلة السلطة. بالتالي يروم المؤتمر التأسيسي إعادة التوزيع الطائفي والمذهبي من أجل "تصويب الخلل الديموغرافي" واستغلال مقولة إنصاف الطائفة الشيعية، بزيادة تسلط ثنائية الشيعية السياسية، التي تستقوي بالسلاح لمأسسة هيمنتها بواسطة الدستور. متوهمة إمكانية حكم لبنان من طائفة واحدة.

من هنا تتنازع الساحة اللبنانية الآن عدة اتجاهات.

هناك الفريق المسيحي المطالب باستبدال الطائف، ويقف على رأسه التيار الوطني الحر الذي يعتبر بأن هذا الاتفاق أجحف المسيحيين وقضم من صلاحيات الرئيس وأعطى الفريق المسلم بالمقابل حصة ونفوذا أكبر. ويزعم السعي منذ رفضه الطائف عام 1989، وخصوصا منذ عودة الجنرال ميشال عون إثر خروج الجيش السوري في العام 2005، إلى استرجاع قوة المسيحيين وامتيازات الرئيس الماروني. وعمل مع حليفه "حزب الله" على تجاوز اتفاق الطائف بالممارسة. مع أن المحصلة إضعاف وتهجير المسيحيين.

هناك أيضا الفريق المتحالف، بشكل أو بآخر، مع الطرف الرافض لاتفاق الطائف، يسعى هو الآخر، عن نية حسنة، أو سيئة، إلى تغييره. فهو يرى بأن الانهيار نتج عن الفساد وأن الأزمة ليست أزمة سلاح بل أزمة اقتصاد وسوء إدارة. متغاضيا عن أن الاحتلال فاقم الفساد واستعمله وسيلة ليغطّي مصالحه ومآربه الذاتية.

 هناك أيضا بعض اليسار، ويعتبر نفسه جزءا من الثورة ويريد تغيير النظام. ما يصب في طاحونة الشيعية السياسية. وهناك طرف يتهم الطائف بالفشل في إرساء نظام عادل يخرجنا من الأزمات التي نتخبط فيها، ويطرح إجراء تعديلات عليه.

خطر هذه الطروحات أن أي تعديل تحت سلطة السلاح لا يصب في مصلحة لبنان بل بمصلحة إيران. كما يذهب البعض إلى حد المطالبة بالفيدرالية، التي تعني بعد كارثة المرفأ خصوصا، حد الانفصال وعدم التعايش مع الطرف الآخر المتهم علنا وضمنا أنه السبب الأساسي عن تخزين السلاح والذخائر والمواد المتفجرة.

أما موقف السياديين الفعليين، فينبه أن دستور الطائف لم يطبق أصلا كي يتم الانقلاب عليه، لأن نظام الترويكا الذي أرسته الهيمنة السورية عطّل تطبيقه. ثم جاءت الأحداث الأمنية المتتالية بعد اغتيال رفيق الحريري، كغزوة 7 مايو 2008 التي أوصلت إلى اتفاق الدوحة والثلث المعطل وتعطيل حكم الأكثرية بذريعة الشرعية الشعبية، وانتهت بحكومة نجيب ميقاتي. ما سمح بقضم النظام اللبناني البرلماني الأكثري الديمقراطي، الذي ينتج توافقية عن طريق كوتا التمثيل الطائفي والجغرافي المسبق وانتخاب النواب عن الأمة جمعاء.

لبنان لن يفقد دوره، بالرغم من سعي إسرائيل لتقديم، ما يعجز الآن لبنان عن تقديمه كما اعتاد بالسابق، من مستشفى وجامعة وسياحة دينية أو غيرها

تم تحويل هذا النظام، بفضل هيمنة السلاح، الذي استخدم العنف والاغتيال وآلية الفساد، كي يحول النظام بالممارسة، فيعطل آليات النظام الديمقراطي الأكثري من رقابة ومحاسبة، تحت شعار "التوافقية". فتعطّلت الحياة السياسية وإدارة شؤون الحكم. فانهارت الدولة تحت شعار لكم الفساد ولي السلاح.

المطلوب الآن تحصين الطائف عن طريق تطبيق الحياد الذي أطلقه البطريرك الماروني. يطمئن الحياد الطوائف لأنه يضمن ألا تستغل أي فئة، سواء كانت طائفة أو حزبا تحصل على الأكثرية، لأخذ لبنان إلى محور معين سواء أكان إيرانيا أو أوروبيا أو أميركيا أو خليجيا. وهذا ما سعى إليه إقرار إعلان بعبدا وانقلب عليه "حزب الله" ومنع تحقيقه.

المطلوب إذن وطنيا مواجهة هذه الإشكالية من قبل القوى التي تلتزم لبنان وطنا نهائيا كما جاء في الدستور. المهمة المرحلية التحذير من خطورة الخروج من اتفاق الطائف وأيضا على ضرورة الالتزام في هذه اللحظة بالذات بمعنى لبنان وعيشه المشترك.

فلبنان لن يفقد دوره، بالرغم من سعي إسرائيل لتقديم، ما يعجز الآن لبنان عن تقديمه كما اعتاد بالسابق، من مستشفى وجامعة وسياحة دينية أو غيرها... إن ما يمكن أن يقدمه لبنان للعالم يتجاوز قدرة إسرائيل التقنية وهو موضوع العيش المشترك بسلام بين مكوناته الدينية والثقافية المتعددة. وعلينا أن نتمسك بهذه الميزة التفاضلية النادرة في عالم تعصف به التناقضات. العالم الآن يبحث عن حفظ التعددية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.