A Syrian woman, who was stranded following the closure of border due to the COVID-19 pandemic, waits with a child to cross into…
ملايين السوريين اليائسين هؤلاء مجبرون اليوم على القبول بكامل طيف شروط البقاء المديد في بلدان الاستضافة، بالذات في دول الجوار، التي تطبق عليهم أكثر القوانين جورا

لأول مرة منذ قرابة عشر سنوات، لم تتغير خرائط مناطق سيطرة القوى العسكرية السورية طوال الشهور الستة الماضية، حيث لم تشهد الوقائع السورية خلال هذه الفترة أية مواجهات عسكرية كبرى، وحافظ كل من النظام وتنظيمات المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية على مناطق هيمنتها. لكن طوال الفترة ذاتها، لم يحدث العكس أيضا. إذ لم تتحلحل أي من المسائل وأشكال الصراع السورية المستعصية، لا سياسيا ولا عسكريا ولا حتى دستوريا. انتهت حروب تغيير الخرائط السورية، لكن فقط كذلك، وبقي كل شيء آخر على حاله، عالقا ومتوترا ومنذرا بأنه لا أفق لشيء.

ففي نفس هذه الفترة، استمرت عمليات قصف النظام السوري لمناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب البلاد، القصف الذي بادلته التنظيمات الراديكالية بقصف مماثل على مناطق النظام. كذلك بقي الطيران الروسي يشن غارات شبه يومية على تلك المناطق، وتركيا أدخلت مزيدا من قواتها وعتادها لنفس المنطقة. الأمر نفسه حدث بين المليشيات الموالية لتركيا، وبدعم منها، وقوات سوريا الديمقراطية في منطقة شرق الفرات. 

على مستوى أقل، استمرت عمليات الاغتيال المنفلتة في محافظة درعا، وصار لتنظيم "داعش" ظهور أوضح في مختلف مناطق البادية. الطيران الإسرائيلي بقي يقصف بشكل أسبوعي مراكز النظام ومعسكرات المليشيات الموالية لإيران، وهذه الأخيرة صارت تمارس حكما فعليا على الكثير من المناطق، مثلما يفعل الجيش الروسي في مناطق أخرى. وطبعا زادت جميع أشكال الفقر والفوضى وتراجع التعليم وسوء الإدارة وقلة فرص العمل وانتشار وباء كورونا في مختلف المناطق السورية.

سينمو جيل من السوريين، هؤلاء الذين سيعتبرون أن الأحوال السورية الراهنة ليست استثناء قط، بل "هكذا هي الحياة"، التي لم يروا ويعيشوا غيرها

أي أن المعادلة السورية صارت قائمة على أنه لا حروب موسعة في المستقبل المنظور، لكن مساعي جميع الأطراف لإنهاك الأنداد ستستمر بضراوة منقطعة النظير، وبذلك ليس من حلول سياسية أو ميدانية لأية تفاصيل عالقة، مهما كانت حلولا نسبية وجزئية. فالحروب الكبرى بين السوريين ممتنعة لأن التوازن بين القوى الإقليمية والدولية لم يعد يتقبل ذلك، وليس لأن قوى الحرب السورية قد استُنزفت، أو صارت النخب الفاعلة مؤمنة بالحلول السلمية.

حرب الاستنزاف السورية هذه لن تكون مجرد محطة سالبة في الدوامة السورية، بل تبشر وتؤشر ملامحها الأولى لأن تكون مرحلة طويلة وقاسية، لا تقل ضراوة وعنفا عن مرحلة الحرب المفتوحة التي عاشها السوريون طوال العقد الماضي.

كانت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لرأس النظام آخر الآمال بأن تكون مرحلة السلام تالية لعقد الحرب، لكن مجموع التصريحات الروسية أثناء وبعد الزيارة، دلت على أن ذلك بعيد المنال، وأن السوريين سيدخلون مرحلة استنزاف طويلة الأمد.

مع هذه المرحلة الاستنزافية، سيتخلى ملايين السوريين المنفيين والمهجرين عن أية آمال بإعادة تصحيح دورة حياتهم عما قريب. فالحروب السورية التي كانت تبشر بنهايتها القريبة، كانت بالنسبة لهؤلاء مؤشرا لإمكانية مغادرتهم لأنماط حيواتهم القلقة، كأناس ومجتمعات كانوا عالقين في مرحلة استثنائية، دون أوطان. 

ملايين السوريين اليائسين هؤلاء مجبرون اليوم على القبول بكامل طيف شروط البقاء المديد في بلدان الاستضافة، بالذات في دول الجوار، التي تطبق عليهم أكثر القوانين جورا، وتتعامل الأغلبية المطلقة من مجتمعاتها مع هؤلاء السوريين بفوقية ونبذ واضحين، بينما تتحطم كل أشكال التنمية التعليمية والاقتصادية والمدنية بالنسبة لأجيال متلاحقة من هؤلاء السوريين. الذين هُم فقط قرابة ثلث السوريين.

نفس هذه المرحلة، ستدفع أمراء الحرب في مختلف مناطق السيطرة السورية لأن يوسعوا أعمالهم ويشرعنوا أفعالهم، وبالتالي ممارسة المزيد من العنف والسطوة بحق المجتمعات المحلية حيث يسيطرون، عبر الهيمنة على الحياة العامة ونهب المزيد من الخيرات وممارسة الأفعال دون أي قيد.

فأمراء الحرب كانت تردعهم مخاوفهم بأن تكون آليات المسائلة والمحاسبة قريبة العهد، بُعيد مرحلة نهاية الحروب تماما. لكن الوقائع على الأرض تبشر بأنه لا شيء من ذلك، وأن حالات الثراء والصعود الاجتماعي التي شكلها قادة المحاور هؤلاء، ستترسخ وتتحول إلى حقائق دائمة على الأرض. وأن هؤلاء القادة العسكريين المتأتين من أكثر الأوساط السورية بؤسا وتخلفا ومحافظة وحرمانا، سيكونون القوة "النخبوية" الأكثر تأثيرا على مستقبل سوريا.

حكم أمراء الحرب المديد هذا، سيحطم كامل الطبقة الوسطى والأكثر تمدنا وتعليما في كامل المناطق السورية، في نفس الوقت الذي ستسمح سطوتهم بتبدلات جذرية في سلم القيم الاجتماعية السورية، من خلال منح المزيد من الطاقة والسطوة والمركزية لدور العنف وفاعلية الهويات الأهلية وصعود الذكورة والمحافظة الحياتية.

حرب الاستنزاف السورية ستعني بأن قوى الهيمنة في هذه البقعة السورية أو تلك ستسعى لتحويل معتقداتها ونزعاتها السياسية إلى أشكال من "الدين السياسي"، ببساطة لأن غياب أي أفق للمصالحة في إطار دولة سورية مستقبلية، سيرفع عنهم حرج القبول بأشكال من التواطؤ التي كان يُمكن أن تُفرض عليهم عبر آليات المصالحة، بحيث يتطلب من كل قوة أن تتخلى نسبيا عن معقدها السياسي لخلق مساحة وسطى بين المتخاصمين، وبالتالي إعادة تأسيس السلطة العامة في البلاد عبر هذه المصالحة.

وحدهم دراويش سوريا دفعوا ويدفعون وسيدفعون كل الأثمان، في زمن الاستبداد وفي زمن الثورة والحرب، ووصولا إلى الآن، زمن اللاشيء

فالإسلاميون الراديكاليون في مناطق سيطرة المعارضة السورية، سيزيدون من فاعلية سلطات ومؤسسات الحُكم الثيوقراطية، وستزيد الأسدية من نزعتها لتكريس حكم العصابة المحيطة بها، وعبر القوة العارية، التي وصلت راهنا لمستوى منع السوريين من دخول بلادهم ما لم يدفعوا خوة مباشرة لهذه السلطة. كذلك، فإن الحاكمين في شرق الفرات سيستمرون في فرض أجندتهم وخياراتهم الأيديولوجية، دون انتباه أو اعتبار للشراكة مع باقي القطاعات المجتمعية والسياسية في مناطق حكمهم.

في ظلال كل هذا، سينمو جيل من السوريين، هؤلاء الذين سيعتبرون أن الأحوال السورية الراهنة ليست استثناء قط، بل "هكذا هي الحياة"، التي لم يروا ويعيشوا غيرها. هذا الجيل الذي سيكون جاهزا لقبول واستمراء كل شيء، لأنه سيكون الأكثر جهلا وبعدا عن حقوقه "الطبيعية"، حتى تلك البسيطة التي تحفظ كرامته الآدمية.

أخيرا، ستتوافق وتتعامل القوى الإقليمية والدولية مع المسألة السورية حسب شرطها الراهن، ستعتبر أن مجموع المناوشات والصراعات الجزئية وغياب العدالة الاجتماعية وتهشم سلطة القانون وحكم المليشيات وهشاشة الحياة هي بمجموعها الصورة العادية والطبيعية والحقيقية لسوريا، بل ربما تعتبرها ملعبا مناسبا لتمرير الكثير من حاجاتها وآليات توازنها، كما فعلوا طويلا بلبنان بعد حرب العام 1982.

وحدهم دراويش سوريا دفعوا ويدفعون وسيدفعون كل الأثمان، في زمن الاستبداد وفي زمن الثورة والحرب، ووصولا إلى الآن، زمن اللاشيء.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.