Iraq's Prime Minister Mustafa al-Kadhemi, mask-clad due to the COVID-19 coronavirus pandemic, looks on during a joint press…

نميل في كثير من الأحيان إلى التلاعب بالمفاهيم، كمحاولة لتقليل قساوة الواقع، أو على الأقل حتى لا نُتهم بالتشاؤم المفرَط. وفي العراق نكرر دائما كلمة "الدولة" مع إدراكنا بأن هذا الوصف حتى على مستوى المجاز يحتاج وقفةً وتأمل! ولذلك وطوال السنوات الماضية لم تغادر مفردة "بناء الدولة" برامج الحكومات ولا خطاب الطبقة السياسية، وعلى الرغم من ذلك لم نتلمس بعد ملامح مشروع حقيقي، لا للدولة ولا لبنائها.

في الآونة الأخيرة، باتت تَترد عبارة "استعادة الدولة" باعتبارها المهمة الرئيسة لحكومة الكاظمي، وتبدو المغالطة الواضحة في هذا المفهوم؛ فدولتنا مفقودة من الأساس وليست مستلبة الإرادة، أولا، وقوى اللادولة هي الفاعل الأقوى في تحديد من يصل إلى سدة الحكم أو لا يصل.

يعبّر مفهوم استعادة الدولة عن معنيين متناقضين: الأول يتضمنه إدراك الطبقة السياسية ويدور حول حماية مقرّاتها الحزبية التي تعرضت إلى الحرق والتجريف في المحافظات الوسطى والجنوبية بعد انطلاق تظاهرات أكتوبر، ومن ثم حديثها عن فرض القانون والنظام هو ليس لغاية فرض هيبة الدولة، وإنما لتأمين مناطق نفوذهم في مواسم الانتخابات التي باتت وجودها يختصر على قطاعات معينة من الجمهور يرتبط بها مصلحيا أكثر من ارتباطه بأيديولوجيتها وبرامجها السياسية، إن وجدت أصلا.

إذا أسلمنا بأن لدينا دولة ولكنها مخطوفة من قبل القوى والجماعات وأصحاب النفوذ السياسي والعسكري، فإن استعادتها تتم من خلال طريقين لا ثالث لهما: الأمن والاقتصاد

أما الإدراك الثاني لمفهوم استعادة الدولة، فهو مفهوم المواطن الذي يبحث عن دولة توفر له الأمن والأمان وتؤمّن له سبيل العيش بكرامة، ويشعر فيها الأفراد بأنهم مواطنون من دون عناوين طائفية أو قومية تتعامل معهم أحزاب السلطة باعتبارهم أرقاما انتخابية. والمحور الرئيس في إدراك المواطن لمفهوم استعادة الدولة، هو حصر السلاح بيد الدولة، وأن يشعر بأن الدولة هي من تتكفل بحمايته من الجماعات المسلحة والخارجة عن القانون.

وبين الإدراكين المتناقضين، لا توجد ملامح واضحة لمشروع استعادة الدولة في حكومة الكاظمي. فأمامنا تسعة أشهر تفصل عن الموعد الذي حددته الحكومة للانتخابات المبكرة، ولا يمكن أن نتصور أي تغيير تحدثه الانتخابات من دون أن يكون ثمّة ضبط للأوضاع الأمنية التي يجب توفرها لضمان التنافس العادل في الانتخابات. إذ كيف يمكن أن تتخيل المنافسة بين قوى تملك المال والسلاح وتحاول توظيفه للبقاء في السلطة، وبين تجمعات شبابية لا تملك غير لافتات ترفع عليها شعارات تطالب بإصلاح النظام وتتحشد في الشوارع لإيصال صوتها المطالب بالحقوق والحريات في نظام يدعي أنه ديمقراطي.

معضلة الكاظمي وفريقه الحكومي تكمن في محدودية الخيارات المتاحة، فهي تنحصر في خيارين لا ثالث لهما: إما ترسيخ ركائز استعادة الدولة من الجماعات والأحزاب والشخصيات التي تمارس السياسة بمنطق المافيات، ورسخت ممارسات وسلوكيات قائمة على مصادرة الدولة ومؤسساتها وحصرها بإرادة زعامات الطبقة السياسية وحاشيتها؛ أو الإبقاء على الوضع الراهن من دون تغيير على مستوى نمط إدارة الدولة ومؤسساتها، ولكن تكون المواجهة على مستوى الإعلام والتصعيد في خطابات التهديد والوعيد والاستعراضات في المواقف ما بين الحكومة وقوى اللادولة التي تفرض سيطرتها على الواقع السياسي والاقتصادي بقوة السلاح الخارج عن سيطرة الدولة.

ومن خلال تقييم حكومة الكاظمي منذ منحها الثقة لحد الآن، يمكن القول إنها تتبنى الخيار الثاني الذي يسعى لإبقاء الوضع على ما هو عليه وتكون المواجهة بالتصعيد الإعلامي. ويبدو أن هذه اللعبة ترضي الفريق الحكومي وقوى اللادولة، لأنها بالنتيجة لن يكون هنالك طرف خاسر وآخر رابح.

وبكل صراحة معركة استعادة الدولة أكبر حجما من قدرات الكاظمي وفريقه الحكومي، إذ أن تراكمات الفشل وسوء الإدارة والفساد قد أنتجت مأزقا سياسيا يهدد الدولة وكيانها وينعكس في توسع طبقة سياسية تسيّرها شهوة النفوذ والوجاهة، وتعتاش بطريقة طفيلية على تقاسم موارد الاقتصاد الريعي. 

بيد أن الخطوات الصحيحة التي تعيد الاعتبار للدولة ولمؤسساتها ليس بالمهمة المستحيلة، لكنها تحتاج توفر عاملين أساسيين: الأول، التعاطي مع الأحداث السياسية وفق رؤية نموذج القائد الذي يسعى نحو بناء الدولة، وليس السياسي الذي يبحث عن مكاسب لترسيخ بقائه في السلطة. أما الثاني فهو الركون إلى مطالب الجمهور والرهان على استعادة ثقته من خلال تحقيق المنجز السياسي والاقتصادي والخدمي الذي يكون ملموسا لدى المواطن وليس الجولات واللقاءات الاستعراضية في الإعلام.

الدولة أولا وأخيرا تملك جميع المقومات والمؤهلات التي يمكنها من خلالها استعادة هيبتها وسيادتها، ولكن ذلك لن يتم من دون إرادة قادتها

إذا أسلمنا بأن لدينا دولة ولكنها مخطوفة من قبل القوى والجماعات وأصحاب النفوذ السياسي والعسكري، فإن استعادتها تتم من خلال طريقين لا ثالث لهما: الأمن والاقتصاد. فالأمن في العراق تتنازعه الجماعات الموازية للدولة، ولم يعد حكرا من وظائف ومهام مؤسسات الدولة. ومعادلة الأمن في العراق خطيرة جدا، فكلما بقي بوضعه الهش الذي يعبر فيه عن شلل النظام السياسي وفقدان لسيادة الدولة ومركزيتها وعجزها، يكون بيئة حاضنة وخصبة لقوى اللادولة في إثبات قوتها وفاعليتها وعلوّها على الدولة ومؤسساتها الأمنية. والخطورة الأكبر على النظام السياسي طبيعة الإدارة الهجينة للمؤسسات الأمنية التي تتقاسم قوى سياسية تملك مليشيات وعناوين عسكرية رسمية. ومن ثم، لا يمكن أن تتمتع أي دعوة لاستعادة الدولة بمشروعية والثقة لدى المواطن ما لم يكن هناك مشروع حكومي لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وتشكيلاتها.

أما الطريق الثاني لاستعادة الدولة فيجب أن يكون عن طريق الاقتصاد، فالاقتصاد الريعي في بلد تصدر قوائم البلدان الفاشلة بالتأكيد لن يكون اقتصادا حقيقا يقوم على أساس إدارة الموارد وفق نظام اقتصادي حقيقي، بل هو اقتصاد تتنازع عليه وتتقاسمه مافيات مرتبطة بأحزاب سياسية. وإذا لم تكن هناك خطوات حاسمة لفك الارتباط بين هيمنة المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب السياسية على موارد الدولة ومنافذها الاقتصادية، فالنتيجة تكون تصريحات وخطابات الحكومة للتسويق الإعلامي وليس خطوات ضمن رؤية ومشروع لاستعادة الدولة.

الدولة أولا وأخيرا تملك جميع المقومات والمؤهلات التي يمكنها من خلالها استعادة هيبتها وسيادتها، ولكن ذلك لن يتم من دون إرادة قادتها، ومن ثم تخاذل من يتصدى للقيادة والحكم هو السبب الرئيس في ضعف الدولة وهشاشتها. والدولة تكون قويةً بعلاقتها الوثيقة مع مواطنيها، وتكون فاشلة عندما تمسي محكومة بالصفقات والتوافقات بين زعماء الطبقة السياسية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.