كان التدهور الاقتصادي واحدا من الأسباب العديدة التي أدت لاندلاع الثورة السودانية التي أسقطت نظام جماعة الإخوان المسلمين الذي ترأسه الجنرال عمر البشير في أبريل 2019 حيث تم تشكيل حكومة تعهدت بالتصدي للمشكلة الاقتصادية العميقة من أجل الخروج من عنق الزجاجة وإنجاح فترة الانتقال الصعبة.
ورثت الحكومة الانتقالية وضعا اقتصاديا مأزوما تمثلت أبرز ملامحه في غلاء الأسعار وندرة السلع وارتفاع معدلات التضخم ونسبة البطالة وعجز الميزان التجاري إلى جانب العقوبات الاقتصادية والديون الخارجية التي بلغت 53 مليار دولار عند سقوط النظام السابق بالإضافة للتشوهات الهيكلية الكبيرة.
كذلك ورثت الحكومة بنية اقتصادية ومؤسسية يسيطر عليها أتباع النظام البائد ويعملون بكل السبل على تعويق أي عمل يهدف لإنجاز الإصلاح الاقتصادي وقد ظهرت هذه الأمور جلية في المضاربات الكبيرة التي وقعت مؤخرا على سعر صرف الدولار مما أدى لانخفاض سعر العملة الوطنية (الجنيه) بصورة غير مسبوقة.
وتسبب انخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية في مضاعفة معاناة المواطنين المستمرة منذ وقت طويل حيث تواصل ارتفاع أسعار السلع الأساسية وغلاء الإيجارات والنقل وتدهور معظم الخدمات المعيشية.
يجب أن يكون الهدف الرئيسي للمؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في 26 سبتمبر الجاري هو الخروج برؤية واضحة ومتوافق حولها من أجل مخاطبة جذور الأزمة الاقتصادية
لمجابهة هذه المضاربات في العملة، أعلنت الحكومة الأسبوع الماضي تفعيل حالة الطوارئ الاقتصادية التي تتضمن عدة إجراءات بهدف حماية الاقتصاد، وقالت وزيرة المالية السودانية هبة أحمد علي إنه "تقرر تكوين قوات مشتركة لحماية الاقتصاد السوداني، وسن قوانين رادعة لحماية الاقتصاد، وتشكيل محاكم ونيابات للطوارئ" وأكدت أن "ما يحدث من ارتفاع جنوني في سعر الدولار لم يكن بسبب تغييرات هيكلية في الاقتصاد، وإنما هو عملية تخريب ممنهح للاقتصاد السوداني وخنق الحكومة".
أدى إعلان حالة الطوارئ إلى هبوط كبير في سعر الدولار مما يوضح أن الأزمة في جزء منها كانت بسبب المضاربات، ولكن من المؤكد أيضا أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات القانونية بل يجب أن تنبني على سياسات اقتصادية (مالية ونقدية) واضحة تهدف لعلاج أزمة الاقتصاد بصورة جذرية.
وقد تعرض الاقتصاد السوداني لهزات عنيفة أضيفت للأزمة المستفحلة أصلا، وتمثل ذلك في انتشار فيروس كورونا وما صاحبه من إجراءات إغلاق أدت إلى إضعاف إيرادات الدولة (ضرائب، وجمارك) بشكل غير مسبوق، كما ضاعفت السيول والفيضانات التي اجتاحت البلاد مؤخرا من الأثر السلبي على الاقتصاد.
في ذات الإطار فقد بلغ عجز الميزان التجاري (الفرق بين قيمة الصادرات والواردات) في النصف الأول من هذا العام 2.493 مليار دولار، بينما استمرت نسبة التضخم في الارتفاع حتى بلغت 143.78 بالمئة في يوليو الماضي، وهي من النسب الأعلى عالميا.
على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الحكومة بهدف العودة إلى المجتمع الدولي والتي شملت المساعي الجبارة لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب وما سيترتب على ذلك من آثار اقتصادية متعلقة بإعفاء الديون وتدفق الاستثمارات الخارجية بالإضافة إلى عقد مؤتمر أصدقاء السودان الذي استضافته برلين وخرجت منه تعهدات دعم تصل لحوالي 1.8 مليار دولار، إلا أن الأزمة ما زالت تراوح مكانها حيث لم تؤتي تلك الجهود ثمارها المنشودة حتى الآن.
يبدو جليا أن أس الأزمة يتمثل في غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة من قبل الحكومة، حيث يقع تنازع بين مدرستين اقتصاديتين، تمثلت الأولى في السياسات التي تبناها وزير المالية السابق إبراهيم البدوي الذي تم قبول استقالته في شهر يوليو الماضي، والتي تستند في الأساس على برنامج التكيف الهيكلي وما يرتبط به من إجراءات متعلقة برفع الدعم عن السلع الأساسية وتعويم سعر صرف الجنيه فضلا عن الإصلاح المؤسسي.
أس الأزمة يتمثل في غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة من قبل الحكومة، حيث يقع تنازع بين مدرستين اقتصاديتين
أما المدرسة الثانية التي تتبنى نهجها أحزابا داخل تحالف الحرية والتغيير الذي يمثل الحاضنة السياسية للحكومة، فترفض أي اتجاه لرفع الدعم عن السلع الأساسية وتعويم سعر صرف الجنيه وتعتبر أن هذا التوجه لا يخدم مصالح القطاع الأكبر من الشعب السوداني.
لهذا السبب يجب أن يكون الهدف الرئيسي للمؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في 26 سبتمبر الجاري هو الخروج برؤية واضحة ومتوافق حولها بين كافة الأطراف ذات الصلة من أجل مخاطبة جذور الأزمة الاقتصادية ووضع السياسات وتحديد الأدوات اللازمة لإيجاد الحلول في إطار تلك الرؤية الموحدة.
من الجلي أن الانخفاض الكبير في قيمة الجنيه الذي استدعى إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية ليس سوى قمة جبل الجليد، حيث يعاني الاقتصاد السوداني من مشاكل عميقة ومزمنة لن تجدي في علاجها الإجراءات القانونية بل تتطلب رؤية اقتصادية شاملة حتى يكون ذلك العلاج ناجعا ومستداما.

