This handout photograph released by the Turkish Defence Ministry on August 12, 2020, shows Turkish seismic research vessel …
سفينة التنقيب التركية "الريس عروج" في البحر المتوسط

علينا أن نستوعب المعطيات الجديدة في عالمنا الذي نعيشه، معطيات هي بطبيعتها متغيرة وقادرة على قلب خارطة العلاقات الدولية وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع تلك المعطيات، وهذا التوافق تحركه المصالح والمصالح فقط.

أول تلك المعطيات في عالم تكنولوجيا المعلومات الذي انتهت ثورته وصار واقعا يحكم كل أشكال العلاقات بين البشر وبين الأشياء أيضا، هو في الطاقة التي لم يعد النفط محركها الرئيسي، بل صار الغاز كلمة السر الجديدة لفهم كل ما يحدث في العالم، العالم كله بلا استثناء.

مثلا وليس حصرا، كان بعض الإعلام القطري أول من نحت في أدبياته الإعلامية مصطلحات العداء لإيران في بدايات الأزمة السورية، لكن فجأة تختفي تلك المصطلحات من خطابات الإعلام الممول بعائدات الغاز المسال، وتصبح إيران الحليف الأقرب حتى من باقي منظومة دول مجلس التعاون الخليجي! تلك أحد ألغاز الغاز نفسه، ففي تلك المياه الدولية في الخليج بين قطر وإيران يتم الكشف عن حقول غاز مشتركة تنظمها قوانين البحر الدولية، وتجعل الشراكة ضرورة لا خيارا في أحد أكبر مصادر الطاقة "والسيطرة" في العالم، وبحيرة الغاز الضخمة بين إيران وقطر تريليونية الإنتاج، وهو ما يضيف إلى قوة إيران الاقتصادية الكامنة تحت وطأة العقوبات الأميركية ـ الدولية قيمة كبيرة مضافة تجعل بلاد فارس قوة تتجاوز إقليمها لو تم إفلاتها.

نحن أمام تغول تركي فيه مطامع استعمارية واضحة يعادي الجميع في حوض البحر المتوسط، كما يعادي واقعيا مصالح الشركات الكبرى في عالم النفط والطاقة العالمية

هذا مثال، من أمثلة كثيرة في انقلابات الحال في العلاقات الإقليمية والدولية، والمثال له خواص الغاز، يتمدد حد الترابط مع أمثلة إقليمية ودولية أخرى، في عالم متشابك جدا على مستويات عدة، وحين نتحدث عن الغاز كمحرك حيوي للعلاقات الدولية فإننا لا نحصر الفكرة بحقول الغاز وحسب، فالغاز له متطلبات حساسة وخاصة مختلفة عن النفط ليكون ذا قيمة عالمية، منها مثلا توفير بنية تحتية مرنة لنقله، وتوقيت عقود شرائه مسبقا وعلى مواعيد تسليم لا تتحمل التأخير أو التعطيل.

بمعنى أكثر دقة، فإن اكتشاف الغاز لا يكفي سببا للاحتفال، فالفائدة لا تتحقق بدون أن يكون الاكتشاف مجديا وهذا لا يعني وفرة الغاز وحسب، بل توفر سوق استهلاك ومشترين وطرق نقل.

لذا، فإن شرق المتوسط الذي نشأت تحت مياهه الزرقاء بحيرات وافرة من الغاز، هو ميدان صراع وأزمات قادمة نشهد بداياتها اليوم، والسبب بسيط، فدول شرق المتوسط لم تكن جاهزة ولا مهيأة لا قانونيا ولا لوجستيا لاستثمار الثروات المفاجئة أمام سواحلها، والاستثمار كلمة تعكس سلسلة طويلة من الإجراءات والتحضيرات المعقدة، في ظل مشاريع اكتشاف وتنقيب واعدة تزيد من حمى السباق والتنافس حد التصادم أحيانا.

♦♦♦

في شرق المتوسط، في منتصف هذا النصف الشرقي من البحر، جزيرة قبرص.

وواقع الحال يقضي بوجود شخصيتين مختلفتين لذات الجزيرة الصغيرة في البحر، جمهورية قبرص "وسكانها يونان قبرصيون" وهي عضو أممي رسمي ومعترف به من العالم، وأيضا عضو في الاتحاد الأوروبي. ثم شمال قبرص الذي تسيطر عليه تركيا منذ سبعينيات القرن الماضي باحتلال عسكري، ولا تعترف به كدولة إلا تركيا نفسها، بل إن الأمم المتحدة في قراراتها المتلاحقة اعتبرت إعلان الدولة في شمال قبرص باطلا! لكن واقع الحال يتحدث بغير ذلك، وتلك المعضلة التاريخية التي لم تجد حلا حاسما لها وقتها، صارت اليوم أزمة حقيقية على مستوى المتوسط بكل جيرانه.

فما حدث أن قبرص اليونانية (الجمهورية المعترف بها دوليا)، رسمت حدود منطقة اقتصادية خالصة لها (EEZ) عام 2010.

في المقابل، فإن الجزء الشمالي من قبرص والمدعوم من أنقرة، رد بالمثل عام 2011 ووقع مع تركيا اتفاقا لترسيخ الجرف القاري مما يعني أن اليابسة التركية ممتدة تحت المياه الدولية حتى حدود شمال قبرص.

مع العلم أن تركيا ليست عضوا في معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار والذي يتيح لأعضائه تحديد المناطق البحرية وينظم الحدود فيها.

هذا نشأ عنه حالة عدم اعتراف تركية بحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص "النصف اليوناني"، وعليه أيضا فتركيا لا تعترف بالاتفاقات التي أقامتها جمهورية قبرص مع مصر وإسرائيل ولبنان.

تركيا بدورها أقامت اتفاقا أشعل مزيدا من الأزمات مع حكومة الوفاق الوطني الليبية (المعترف بها عالميا مثل جمهورية قبرص التي لا تعترف بها تركيا)، وهذا الاتفاق حسب خريطة الحدود والمناطق الخالصة في البحر تقاطع عرضيا مع اتفاقات اليونان ومصر في ذات المنطقة من البحر.

وللتوضيح، قبل التوغل أكثر في غابة التعقيدات في شرق المتوسط، فإن المنطقة الاقتصادية الخالصة هي ما يعني 200 ميل بحري (370 كم) من الامتداد أمام الساحل، حسب قانون البحار الدولي لعام 1982، والمنطقة الخالصة لا تخضع لسيادة الدولة الساحلية لكنها "كدولة مشاطئة" يمكن أن تقيم جزر صناعية ومنشآت ضخمة إلى جانب الاستفادة من خيرات المياه على شرط إعلان مشاريعها للدول الأخرى المتاخمة.

أما الجرف القاري، وحسب قانون البحار نفسه، فهو الامتداد الطبيعي لليابسة داخل البحار والمحيطات، وللدول الساحلية كامل الحقوق السيادية على جرفها القاري.

مثل تركيا، كذلك إسرائيل لم توقع على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، ومع ذلك فإن إسرائيل وبحسابات من جانب واحد، تطالب برقعة بحرية واسعة تبلغ مساحتها 850 كم مربع، لكن تلك الرقعة التي تطالب بها إسرائيل كجزء من جرفها القاري هي جزء من المنطقة الخالصة اللبنانية، وقد رفض لبنان خط التقسيم الإسرائيلي لتلك المساحة، كما رفض اتفاق الترسيم بين جمهورية قبرص وإسرائيل، وقد طلب لبنان من نيقوسيا تعدل اتفاقها ليراعي الترسيم اللبناني للمنطقة الخالصة وهو ما رفضته نيقوسيا.

بالنسبة لحالات الخلاف السابقة بين مصر من جهة، وإسرائيل واليونان وقبرص "اليونانية" من جهة أخرى انتهت إلى تسويات بتنازلات مصرية على الخرائط. وهي تنازلات ارتأت القيادة المصرية التضحية بها مقابل تحالفات سياسية وعسكرية وإقليمية في مواجهة تركيا.

في الساحل السوري، فالأمور تخفي تعقيدات مرتهنة على ذمة القادم من الأيام لاختبارها، فسوريا مثل إسرائيل وتركيا لم توقع معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، كما ورفضت في عهد وصايتها العسكري على لبنان ترسيم حدودها مع جارتها، وبعد 2011 والأزمة التي أحرقت كل شيء في الدولة السورية، فإن الساحل السوري بغالبيته الحيوية تحت الوصاية العسكرية الروسية ضمن اتفاقات وقعتها دمشق مع موسكو، وأيضا احتوت ربما على تنازلات كبيرة مقابل حماية النظام السوري، ومن الواضح أن روسيا وقد وصلت إلى تحقيق حلمها التاريخي بمياه دافئة، وصلت أيضا إلى ما لم تتوقعه في حساباتها من احتياطي غاز إضافي لما تملكه من احتياطي في أراضيها الداخلية والذي يشعل مدافئ قارة بحجم أوروبا حاليا.

أقصى جنوب شرق المتوسط، حيث مياه غزة، والمفارقة التاريخية أن أول اكتشاف للغاز كان في بحر غزة عام 1999، لكن الواقع الفلسطيني المتشظي بين احتلال وخلافات فلسطينية دموية، حالت دون التكهن بأي مصير يمكن تقريره لأي اكتشافات غاز هناك.

♦♦♦

في المحصلة ولتوضيح حجم الأرباح وما يقابلها من خسائر لمن يتم إخراجه من شرق المتوسط فالأرقام تقول بأن كمية الغاز غير المكتشف في شرق المتوسط يصل إلى 122 تريليون متر مكعب، وتحديدا تلك الأرقام هي لدراسات المياه المتاخمة لسواحل سوريا ولبنان وإسرائيل وغزة وقبرص، ونفس الدراسات الاستكشافية المتخصصة أثبتت أيضا وجود نفط خام في ذات المنطقة من المتوسط بحجم يقارب 100 مليار برميل من النفط البحري.

شرق المتوسط الذي نشأت تحت مياهه الزرقاء بحيرات وافرة من الغاز، هو ميدان صراع وأزمات قادمة نشهد بداياتها اليوم

كانت حسابات تركيا السياسية تقوم منذ بداية الاكتشافات عام 2007، بأن الغاز ووفرته الاقتصادية الموعودة قد تعمل على توحيد الجزيرة القبرصية لكن تحت نفوذ أنقرة، وهو ما رفضته اليونان.

أوروبا، وهي القارة التي تشكل بحد ذاتها أكبر سوق مستهلك للغاز الروسي، لا تزال تبحث عن بدائل لمصادر غازها غير روسيا، وعليه وجودها في المتوسط كاتحاد أوروبي ممثلا باليونان وقبرص تحديدا، وربما يكون لإيطاليا دور في المستقبل القريب، إلى جانب فرنسا التي تسعى لاستعادة مجدها كقوة كبرى عبر المتوسط، من خلال ممثلها عملاق الطاقة شركة توتال.

وعليه، فنحن أمام تغول تركي فيه مطامع استعمارية واضحة يعادي الجميع في حوض البحر المتوسط، كما يعادي واقعيا مصالح الشركات الكبرى في عالم النفط والطاقة العالمية، ويهز مصالح أسواق ويقوض استقرارها، مما يضع أنقرة في مواجهة دولية تجبرها على القفز المستمر في تحالفاتها لشراء الوقت وممارسة الضغط.

أنقرة، تدرك حجم الخصومات التي تخلقها، وقد وقعت مثلا اتفاق شراء مع موسكو لمنظومة صواريخ مضادة للطيران (إس 400). وهي منظومة لا يمكن أن تفسر أنقرة حاجتها إليها بقائمة أعدائها المحليين الصغيرة والتقليدية، فتلك منظومة لا يحتاجها الجيش التركي ليواجه الأكراد أو تنظيم الدولة الإسلامية مثلا. لكنها منظومة ثقيلة من السلاح الذكي والثقيل والموجه نحو ترسانة مشابهة لما يملكه أعضاء حلف شمال الأطلسي، وهو الحلف الذي يضم أيضا تركيا وقد اطلعت بحكم تلك العضوية على ما تيسر لها من أسرار الجاهزية العسكرية لحلفاء اليوم، وربما هم أعداء الغد.

هناك مد وجزر لا على شواطئ المتوسط الزرقاء الجميلة، بل أيضا مد وجزر في مواقف وعلاقات الدول في ذلك الحوض الكبير والغني بالمآسي والحكايات والجيوش والانتصارات والهزائم.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.