An anti-Hezbollah protester holds a placard with Arabic words read:"the U.N. Resolution 1559, which was adopted in Sept., 2004,…
الدعوة لنزع سلاح "المقاومة" ليست مؤامرة خفية

كانت جريمة مروّعة، أودت بحياة من تعمّدت قتله، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. مات معه العشرات، وسقط غيرهم الكثير جرحى، مصابين ومعوّقين. بعد تحقيق طال واستطال، ثبُت بالحكم القضائي ما كان واضحا بداهة، أنها لم تكن جريمة شخصية، بل فعل إرهابي لأغراض سياسية. المدان بها، بما لا يقبل الشك المعقول، هو عضو ملتزم ومنضبط ورفيع المستوى بمنظمة سياسية عسكرية. تنفيذ الجريمة استوجب وضع إمكانيات واسعة تحت تصرّف من ارتكبها، المدان نفسه وشركائه الذي تعذرّ التوصل إلى كامل الصورة بشأنهم، لما واجه التحقيق من عراقيل. وقد تمّ رغم ذلك الكشف عن قدر هام من الوسائل والأدوات التي استعملت للجريمة، قبل أن يتعرض المحقق الأبرز بدوره للقتل، بعد أن تلقى التهديد بوجوب الانكفاء، ورفض الانصياع له، وفق ما نقل عن المقربين إليه.

وقد كانت هذه الجريمة جزءا من سلسلة أوسع من جرائم الاغتيال والإرهاب المتلاحقة، بصماتها متشابهة، وأهدافها متماثلة في التوجه السياسي وفي الخصومة مع صف المنظمة السياسية العسكرية التي ينتمي إليها المدان. اختصاص المحكمة يقتصر على الأفراد، بعد أن جرى، عند التوافق على تأسيسها، استثناء المنظمات والدول من أن يطالهم الاتهام والتحقيق والإدانة. فجاء الحكم إدانة يتيمة لمتهم واحد، أصبح، بعد القرار، مجرما مستوجبا للسجن والعقوبة. ولكن إذا كانت الإدانة، قانونيا، يتيمة، فهي دون شك، سياسيا ومنطقيا وأخلاقيا فائقة الخصوبة.

المحكمة الخاصة بلبنان، التي أصدرت الحكم، هي ذات أهلية قانونية ومصداقية معنوية محليا وعالميا بحكم من تتألف منه من القضاة، وهي جزء أصيل من المنظومة العدلية اللبنانية، أي أن قرارها نافذ وملزم عند صدوره. الاختلاف مع حكمها جائز، غير أن تعديله أو تبديله، وفق الأصول، يقتضي المباشرة بالطعن والاستئناف، بعد التسليم به والالتزام بمقتضاه. هنا، خلافا لما كان قبل صدور الحكم، حين كان المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته، أصبح المجرم مذنبا إلى أن تثبت براءته.

"حزب الله" هو نقيض لبنان. "حزب الله" الفكرة والنموذج والتبعية والطائفية المقنّعة بالمقاومة، لا ناس الحزب وبيئته

هذا على مستوى الشخص المدان، المجرم المذنب قانونا. غير أن قرار الإدانة بحق هذا الشخص هو إخبار للجهات صاحبة الاختصاص بوجوب المتابعة. فقد ثبت أن المجرم ارتكب الجريمة عن سابق تصور وتصميم وبالاستعانة بموارد مادية هامة وبنى تنظيمية واسعة، وإن تعذر لدى المحكمة الخاصة تبيانها وفق معيار انتفاء الشك المعقول، لغياب الاختصاص وحضور العراقيل القاضية.

خارج إطار الكلام القانوني الموجب لمطلق التحصين، وبناءً على المعطيات التي كشفت عنها المحكمة وأخرى عجزت عن تبيانها نتيجة اعتراضات "مقنعة"، قتلا وتهويلا، القول الصريح هو الذي يفيد أن "حزب الله" هو من قتل رفيق الحريري. وبما أن "حزب الله" لا يخطو خطوة، لا فقهية ولا سياسية ولا أمنية، إلا بالتكليف والفتوى من ولي أمر المسلمين، مرشد الجمهورية الإسلامية، فإن إيران هي التي قتلت رفيق الحريري.

ليست هذه أقوال قضائية قانونية، بل هي اتهامات مباشرة مبنية على الظن الذي يلامس الثبوت. هي طبعا تفوق بدرجات عالية القرائن التي حاول الأمين العام للحزب طرحها لإثارة الشكوك، من خلال اجتزاء مقاطع مختارة مناسبة من المتابعة المرئية للطائرات الإسرائيلية بدون طيار لشوارع العاصمة والإيحاء بأن المتابعة تشي بالمسؤولية. اتهام "حزب الله" مباشرة، وإيران من حيث المسؤولية النهائية، غير المباشرة عند الحد الأدنى، بقتل رفيق الحريري هو قول مبني على القراءة البديهية الموضوعية لقرار المحكمة، والذي جاء ليوثّق بعض ما هو جلي من مسؤولية لمحور الممانعة، إيران ونظام دمشق وأشكالهما المحلية، وإن لم يكن توزيع الأدوار واضح المعالم.

لا حاجة لغير هذا القرار للركون إلى هذه النتيجة، رغم أن القرائن الجلية تتزاحم. منها على سبيل المثال لا الحصر، وقاحة نظام القتل والفساد في دمشق، إذ ألقى بثقل احتلاله المتوحش على لبنان طيلة عقود بحجة ضبط الأمن ومنع الانفلات والتجاوزات، وإذ بعملية إرهابية بالحجم الذي أودى برفيق الحريري تقع ليشهد العالم نظاما يتمسكن بعد طول استئساد، ويدعي عدم الاطلاع، ويتنصل من مسؤولياته الحقيقية والمزعومة. ألم يكن من المفترض أن يجنّد كامل طاقاته، بالقدر الذي أظهر فيه وحشيته في باب التبانة وغيرها، لكشف المسؤول عن هذا الخرق لقدرته وسطوته؟ أشهر عديدة مرّت قبل أن يتظاهر هذا النظام بتشكيل لجنة لتقصي الوقائع. الغريب، لولا أنه كاذب، هو أن هذا النظام المستهلك بترصد كل فرد وكل حدث فقد الحس بالفضولية حين وقع ما يهز أركان لبنان كله.

وكذلك حال المقاومة المزعومة في لبنان، إذ ترغم كل مغرّد خارج سربها على الاعتذار من نعل السيد على وجه السرعة، ولكنها إذ اكتشفت وفق زعمها مجهودا إسرائيليا شيطانيا لاغتيال من تتهمهم هي، أي المقاومة، أنهم خونة وعملاء لإسرائيل، قررت أن تتيح المجال لأجهزة الكيان الصهيوني أن تعيث فسادها في أرض الوطن. كما أنها، لحرصها على السيادة وعلى وضوح الأدوار المؤسساتية، لا تعلم ما في مستودعات مرفأ بيروت، إذ يبدو أن هذا الأمر وذاك خارج اختصاصها.

مطلب نزع سلاح "حزب الله" سابق لجريمة "حزب الله" بحق رفيق الحريري ومن تلاه، وإن جاءت هذه الجريمة لتؤكد المؤكد في أن هذا السلاح قاتل

الكلام ليس موجها هنا لمن لا يرى حرجا بأن تقتل المقاومة رفيق الحريري أو مهدي عامل أو أي كان إذا كان في الأمر تحقيقا أو تحصينا لغاياتها العليا بنظره. فهو سوف يفعل، عن قناعة، وسوف يكذب عن قناعة، ولا جدوى من مخاطبته. الكلام موجه لمن يريد حقيقة "شراكة في الوطن" فيما يضفي على "المقاومة" أعلى صفات العفة والتقديس.

سائر اللبنانيين يستحقون من هذا الشريك، إن كان على قناعة بأن المقاومة بريئة من دم الحريري وما بعد الحريري، أن يثبت هذه البراءة التي انتفت بفعل قرار المحكمة الخاصة. أو على الأقل أن يسلّم المجرم المدان للعدالة، والذي يرى فيه البراءة، لا أن يحتفي به ويرفع صوره بطلا، عسى أن يكشف التحقيق الإضافي معه خطأ قرار المحكمة الخاصة، على حد الزعم المرجوح، وتورطها بمؤامرة نزع سلاح المقاومة.

الدعوة لنزع سلاح المقاومة ليست مؤامرة خفية. يافطة علّقت بشوارع بيروت، قبل أعوام عدة، في منطقة القنطاري قرب مطعم بربر، ولا شك في مناطق أخرى، كانت تقول "من يفكر بنزع سلاح حزب الله سوف نقطع يده وننزع روحه"، أما التوقيع فكان باسم "أنصار حزب الله". الحزب ينأى بنفسه عن الكلام الجارح. واقع الحال، يا أنصار "حزب الله"، معظم اللبنانيين يتمنون نزع سلاح حزبكم. هم عاجزون، ولكنهم يفكرون. أي أن الأرواح التي عليكم نزعها كما الأيادي التي عليكم قطعها عديدة. غير أنه لا داعي أن تكلفوا أنفسكم عناء الفعل. فكما 7 مايو 2008، وكما القمصان السود، يُشهد لـ"حزب الله" جدارته في الاقتصاد الهادف في اللجوء إلى القهر والإكراه. الاعتماد هو على أن اللبناني منهك نتيجة عقود من حروب الطوائف وحروب الآخرين على أرضه، بما فيها تلك التي شارك فيها "حزب الله"، فاللبناني يعيش في دوامة من اليأس والأمل، والخوف والرجاء، وهو اعتاد أن يقبل وإن على مضض بما يصله، فيما هو يعمل حينا ويحلم أحيانا بأن تتبدل الظروف.

القبول الظاهر ليس الرضا. هو الإذعان بأنه في لبنان ثمة من ينتشي بفائض قوة، من جماعة السيد أصلا، ومن جماعة صهر الرئيس فرعا، وثمة من يبرر لنفسه انتظام الظرف لصالح عشيرته (طائفته، لا فرق)، إذ هو الانتصار لقضية مركزية وإن كان لا يعبأ بأهلها، أو تصحيح لمظلمة تاريخية جعلته في أمسه من المحرومين.

هو الإذعان الذي رضخ لتسمية الحالة الشاذة، أي وجود جيش مدجج بالسلاح تحت أمرة طرف خارجي ودون مساءلة وطنية، "مقاومة"، قبل تمرير التفسيرات المتضاربة لزجّ شباب بيئة الحزب في حرب الدفاع عن نظام الاستبداد في دمشق.

وهو الإذعان الذي يكتفي، ساعة صدور القرار، بمطالبة معيبة لـ"حزب الله" بـ "أن يضحي" بتسليم المجرم المدان للقضاء، بدلا من أن يطالب القضاء، كموقف للتاريخ، بالشروع بملاحقة "حزب الله"، وإن كان يدرك أنه لا قضاء ولا دولة في لبنان، خارج سطوة الحزب.

الإذعان هو انتصار مؤقت لـ"حزب الله"، إذ يحقق له ترويض المجتمع برمّته وتطبيع كل أفعاله هو، بما في ذلك الإجرام الذي أثبتته المحكمة الخاصة. غير أن الإذعان ليس توازنا مستقرا، بل هو يسرّع في تفتيت الشرائح المنتجة ويدفع من هو قادر على الهجرة إلى الرحيل، وهو يعزز الدوافع إلى الفساد في وطن لم يعد للمواطن فيه شعور بالانتماء الدائم. كما أنه يحفّز من هو قادر على تحويل يأسه إلى غضب، على الإقدام على فعل مقاومة جديدة في وجه "المقاومة" المتحولة.

القوة الفائضة لن تدوم، والسبل عديدة لإيجاد مخرج يعيد لبنان إلى أهله

"حزب الله" هو نقيض لبنان. "حزب الله" الفكرة والنموذج والتبعية والطائفية المقنّعة بالمقاومة، لا ناس الحزب وبيئته. بقاء "حزب الله" يؤسس لزوال لبنان. مطلب نزع سلاح "حزب الله" سابق لجريمة "حزب الله" بحق رفيق الحريري ومن تلاه، وإن جاءت هذه الجريمة لتؤكد المؤكد في أن هذا السلاح قاتل. لا سبيل لتصريف هذا السلاح، إذ يتراكم، إلا في حرب مدمرّة لن تكون موازين القوى فيها يوما لصالح لبنان، بل وإن كانت هذه الموازين جدلا في عمق صالح لبنان، فليس للبنان حاجة لهذه الحرب أو رغبة بها.

على مدى الأشهر الماضية، تفاقمت الكوارث في لبنان، من طفح الكيل من الفساد والحرائق إلى الأزمة المالية والمصرفية والثورة وانهيار العملة والجائحة وصولا إلى الانفجار الكبير وتنفيس قرار المحكمة ثم الانشغال بالانتداب الجديد. وتنامى التركيز على هذه الحوادث والكوارث، وتصوير خطرها على بقاء لبنان، في مقابل التأكيد المتواصل على قدسية المقاومة والسلاح. والتطبيع مع منطق القوة، منطق السلاح، يراد به اليوم أن يمسي تطبيعا مع الإجرام.

الخطر الوجودي ليس بهذه الكوارث، على عظمة ما تشكله من تحديات. الخطر الوجودي على لبنان، حتى قبل الحرب المدمّرة القادمة، هو في أن أسس الدولة والمجتمع تطمس، فيما اللبنانيون متوزعون بين من هو سعيد بفائض القوة، ومن يذعن له ويلعنه في سره، ومن يعتزم الرحيل. ليست هي أقدار اللبنانيين. القوة الفائضة لن تدوم، والسبل عديدة لإيجاد مخرج يعيد لبنان إلى أهله. على أن أقرب هذه السبل وأكثرها نجاعة هي أن يدرك السعداء بفائض القوة أنها سعادة مستعارة زائلة، كما الثروة التي جناها اللبنانيون من الفوائد المصرفية المرتفعة، وأن يطالبوا بإنقاذ ما حققه مشروع "حزب الله" من مؤسسات بحلّه ودمجه وانصهاره في البنى الوطنية، وأن يتخذوا الخطوة الشجاعة بالتخلي عن وهم القوة، إقرارا منهم أن الفائض هو استهلاك للحاضر والقادم.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.