الدعوة لنزع سلاح "المقاومة" ليست مؤامرة خفية

كانت جريمة مروّعة، أودت بحياة من تعمّدت قتله، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. مات معه العشرات، وسقط غيرهم الكثير جرحى، مصابين ومعوّقين. بعد تحقيق طال واستطال، ثبُت بالحكم القضائي ما كان واضحا بداهة، أنها لم تكن جريمة شخصية، بل فعل إرهابي لأغراض سياسية. المدان بها، بما لا يقبل الشك المعقول، هو عضو ملتزم ومنضبط ورفيع المستوى بمنظمة سياسية عسكرية. تنفيذ الجريمة استوجب وضع إمكانيات واسعة تحت تصرّف من ارتكبها، المدان نفسه وشركائه الذي تعذرّ التوصل إلى كامل الصورة بشأنهم، لما واجه التحقيق من عراقيل. وقد تمّ رغم ذلك الكشف عن قدر هام من الوسائل والأدوات التي استعملت للجريمة، قبل أن يتعرض المحقق الأبرز بدوره للقتل، بعد أن تلقى التهديد بوجوب الانكفاء، ورفض الانصياع له، وفق ما نقل عن المقربين إليه.

وقد كانت هذه الجريمة جزءا من سلسلة أوسع من جرائم الاغتيال والإرهاب المتلاحقة، بصماتها متشابهة، وأهدافها متماثلة في التوجه السياسي وفي الخصومة مع صف المنظمة السياسية العسكرية التي ينتمي إليها المدان. اختصاص المحكمة يقتصر على الأفراد، بعد أن جرى، عند التوافق على تأسيسها، استثناء المنظمات والدول من أن يطالهم الاتهام والتحقيق والإدانة. فجاء الحكم إدانة يتيمة لمتهم واحد، أصبح، بعد القرار، مجرما مستوجبا للسجن والعقوبة. ولكن إذا كانت الإدانة، قانونيا، يتيمة، فهي دون شك، سياسيا ومنطقيا وأخلاقيا فائقة الخصوبة.

المحكمة الخاصة بلبنان، التي أصدرت الحكم، هي ذات أهلية قانونية ومصداقية معنوية محليا وعالميا بحكم من تتألف منه من القضاة، وهي جزء أصيل من المنظومة العدلية اللبنانية، أي أن قرارها نافذ وملزم عند صدوره. الاختلاف مع حكمها جائز، غير أن تعديله أو تبديله، وفق الأصول، يقتضي المباشرة بالطعن والاستئناف، بعد التسليم به والالتزام بمقتضاه. هنا، خلافا لما كان قبل صدور الحكم، حين كان المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته، أصبح المجرم مذنبا إلى أن تثبت براءته.

"حزب الله" هو نقيض لبنان. "حزب الله" الفكرة والنموذج والتبعية والطائفية المقنّعة بالمقاومة، لا ناس الحزب وبيئته

هذا على مستوى الشخص المدان، المجرم المذنب قانونا. غير أن قرار الإدانة بحق هذا الشخص هو إخبار للجهات صاحبة الاختصاص بوجوب المتابعة. فقد ثبت أن المجرم ارتكب الجريمة عن سابق تصور وتصميم وبالاستعانة بموارد مادية هامة وبنى تنظيمية واسعة، وإن تعذر لدى المحكمة الخاصة تبيانها وفق معيار انتفاء الشك المعقول، لغياب الاختصاص وحضور العراقيل القاضية.

خارج إطار الكلام القانوني الموجب لمطلق التحصين، وبناءً على المعطيات التي كشفت عنها المحكمة وأخرى عجزت عن تبيانها نتيجة اعتراضات "مقنعة"، قتلا وتهويلا، القول الصريح هو الذي يفيد أن "حزب الله" هو من قتل رفيق الحريري. وبما أن "حزب الله" لا يخطو خطوة، لا فقهية ولا سياسية ولا أمنية، إلا بالتكليف والفتوى من ولي أمر المسلمين، مرشد الجمهورية الإسلامية، فإن إيران هي التي قتلت رفيق الحريري.

ليست هذه أقوال قضائية قانونية، بل هي اتهامات مباشرة مبنية على الظن الذي يلامس الثبوت. هي طبعا تفوق بدرجات عالية القرائن التي حاول الأمين العام للحزب طرحها لإثارة الشكوك، من خلال اجتزاء مقاطع مختارة مناسبة من المتابعة المرئية للطائرات الإسرائيلية بدون طيار لشوارع العاصمة والإيحاء بأن المتابعة تشي بالمسؤولية. اتهام "حزب الله" مباشرة، وإيران من حيث المسؤولية النهائية، غير المباشرة عند الحد الأدنى، بقتل رفيق الحريري هو قول مبني على القراءة البديهية الموضوعية لقرار المحكمة، والذي جاء ليوثّق بعض ما هو جلي من مسؤولية لمحور الممانعة، إيران ونظام دمشق وأشكالهما المحلية، وإن لم يكن توزيع الأدوار واضح المعالم.

لا حاجة لغير هذا القرار للركون إلى هذه النتيجة، رغم أن القرائن الجلية تتزاحم. منها على سبيل المثال لا الحصر، وقاحة نظام القتل والفساد في دمشق، إذ ألقى بثقل احتلاله المتوحش على لبنان طيلة عقود بحجة ضبط الأمن ومنع الانفلات والتجاوزات، وإذ بعملية إرهابية بالحجم الذي أودى برفيق الحريري تقع ليشهد العالم نظاما يتمسكن بعد طول استئساد، ويدعي عدم الاطلاع، ويتنصل من مسؤولياته الحقيقية والمزعومة. ألم يكن من المفترض أن يجنّد كامل طاقاته، بالقدر الذي أظهر فيه وحشيته في باب التبانة وغيرها، لكشف المسؤول عن هذا الخرق لقدرته وسطوته؟ أشهر عديدة مرّت قبل أن يتظاهر هذا النظام بتشكيل لجنة لتقصي الوقائع. الغريب، لولا أنه كاذب، هو أن هذا النظام المستهلك بترصد كل فرد وكل حدث فقد الحس بالفضولية حين وقع ما يهز أركان لبنان كله.

وكذلك حال المقاومة المزعومة في لبنان، إذ ترغم كل مغرّد خارج سربها على الاعتذار من نعل السيد على وجه السرعة، ولكنها إذ اكتشفت وفق زعمها مجهودا إسرائيليا شيطانيا لاغتيال من تتهمهم هي، أي المقاومة، أنهم خونة وعملاء لإسرائيل، قررت أن تتيح المجال لأجهزة الكيان الصهيوني أن تعيث فسادها في أرض الوطن. كما أنها، لحرصها على السيادة وعلى وضوح الأدوار المؤسساتية، لا تعلم ما في مستودعات مرفأ بيروت، إذ يبدو أن هذا الأمر وذاك خارج اختصاصها.

مطلب نزع سلاح "حزب الله" سابق لجريمة "حزب الله" بحق رفيق الحريري ومن تلاه، وإن جاءت هذه الجريمة لتؤكد المؤكد في أن هذا السلاح قاتل

الكلام ليس موجها هنا لمن لا يرى حرجا بأن تقتل المقاومة رفيق الحريري أو مهدي عامل أو أي كان إذا كان في الأمر تحقيقا أو تحصينا لغاياتها العليا بنظره. فهو سوف يفعل، عن قناعة، وسوف يكذب عن قناعة، ولا جدوى من مخاطبته. الكلام موجه لمن يريد حقيقة "شراكة في الوطن" فيما يضفي على "المقاومة" أعلى صفات العفة والتقديس.

سائر اللبنانيين يستحقون من هذا الشريك، إن كان على قناعة بأن المقاومة بريئة من دم الحريري وما بعد الحريري، أن يثبت هذه البراءة التي انتفت بفعل قرار المحكمة الخاصة. أو على الأقل أن يسلّم المجرم المدان للعدالة، والذي يرى فيه البراءة، لا أن يحتفي به ويرفع صوره بطلا، عسى أن يكشف التحقيق الإضافي معه خطأ قرار المحكمة الخاصة، على حد الزعم المرجوح، وتورطها بمؤامرة نزع سلاح المقاومة.

الدعوة لنزع سلاح المقاومة ليست مؤامرة خفية. يافطة علّقت بشوارع بيروت، قبل أعوام عدة، في منطقة القنطاري قرب مطعم بربر، ولا شك في مناطق أخرى، كانت تقول "من يفكر بنزع سلاح حزب الله سوف نقطع يده وننزع روحه"، أما التوقيع فكان باسم "أنصار حزب الله". الحزب ينأى بنفسه عن الكلام الجارح. واقع الحال، يا أنصار "حزب الله"، معظم اللبنانيين يتمنون نزع سلاح حزبكم. هم عاجزون، ولكنهم يفكرون. أي أن الأرواح التي عليكم نزعها كما الأيادي التي عليكم قطعها عديدة. غير أنه لا داعي أن تكلفوا أنفسكم عناء الفعل. فكما 7 مايو 2008، وكما القمصان السود، يُشهد لـ"حزب الله" جدارته في الاقتصاد الهادف في اللجوء إلى القهر والإكراه. الاعتماد هو على أن اللبناني منهك نتيجة عقود من حروب الطوائف وحروب الآخرين على أرضه، بما فيها تلك التي شارك فيها "حزب الله"، فاللبناني يعيش في دوامة من اليأس والأمل، والخوف والرجاء، وهو اعتاد أن يقبل وإن على مضض بما يصله، فيما هو يعمل حينا ويحلم أحيانا بأن تتبدل الظروف.

القبول الظاهر ليس الرضا. هو الإذعان بأنه في لبنان ثمة من ينتشي بفائض قوة، من جماعة السيد أصلا، ومن جماعة صهر الرئيس فرعا، وثمة من يبرر لنفسه انتظام الظرف لصالح عشيرته (طائفته، لا فرق)، إذ هو الانتصار لقضية مركزية وإن كان لا يعبأ بأهلها، أو تصحيح لمظلمة تاريخية جعلته في أمسه من المحرومين.

هو الإذعان الذي رضخ لتسمية الحالة الشاذة، أي وجود جيش مدجج بالسلاح تحت أمرة طرف خارجي ودون مساءلة وطنية، "مقاومة"، قبل تمرير التفسيرات المتضاربة لزجّ شباب بيئة الحزب في حرب الدفاع عن نظام الاستبداد في دمشق.

وهو الإذعان الذي يكتفي، ساعة صدور القرار، بمطالبة معيبة لـ"حزب الله" بـ "أن يضحي" بتسليم المجرم المدان للقضاء، بدلا من أن يطالب القضاء، كموقف للتاريخ، بالشروع بملاحقة "حزب الله"، وإن كان يدرك أنه لا قضاء ولا دولة في لبنان، خارج سطوة الحزب.

الإذعان هو انتصار مؤقت لـ"حزب الله"، إذ يحقق له ترويض المجتمع برمّته وتطبيع كل أفعاله هو، بما في ذلك الإجرام الذي أثبتته المحكمة الخاصة. غير أن الإذعان ليس توازنا مستقرا، بل هو يسرّع في تفتيت الشرائح المنتجة ويدفع من هو قادر على الهجرة إلى الرحيل، وهو يعزز الدوافع إلى الفساد في وطن لم يعد للمواطن فيه شعور بالانتماء الدائم. كما أنه يحفّز من هو قادر على تحويل يأسه إلى غضب، على الإقدام على فعل مقاومة جديدة في وجه "المقاومة" المتحولة.

القوة الفائضة لن تدوم، والسبل عديدة لإيجاد مخرج يعيد لبنان إلى أهله

"حزب الله" هو نقيض لبنان. "حزب الله" الفكرة والنموذج والتبعية والطائفية المقنّعة بالمقاومة، لا ناس الحزب وبيئته. بقاء "حزب الله" يؤسس لزوال لبنان. مطلب نزع سلاح "حزب الله" سابق لجريمة "حزب الله" بحق رفيق الحريري ومن تلاه، وإن جاءت هذه الجريمة لتؤكد المؤكد في أن هذا السلاح قاتل. لا سبيل لتصريف هذا السلاح، إذ يتراكم، إلا في حرب مدمرّة لن تكون موازين القوى فيها يوما لصالح لبنان، بل وإن كانت هذه الموازين جدلا في عمق صالح لبنان، فليس للبنان حاجة لهذه الحرب أو رغبة بها.

على مدى الأشهر الماضية، تفاقمت الكوارث في لبنان، من طفح الكيل من الفساد والحرائق إلى الأزمة المالية والمصرفية والثورة وانهيار العملة والجائحة وصولا إلى الانفجار الكبير وتنفيس قرار المحكمة ثم الانشغال بالانتداب الجديد. وتنامى التركيز على هذه الحوادث والكوارث، وتصوير خطرها على بقاء لبنان، في مقابل التأكيد المتواصل على قدسية المقاومة والسلاح. والتطبيع مع منطق القوة، منطق السلاح، يراد به اليوم أن يمسي تطبيعا مع الإجرام.

الخطر الوجودي ليس بهذه الكوارث، على عظمة ما تشكله من تحديات. الخطر الوجودي على لبنان، حتى قبل الحرب المدمّرة القادمة، هو في أن أسس الدولة والمجتمع تطمس، فيما اللبنانيون متوزعون بين من هو سعيد بفائض القوة، ومن يذعن له ويلعنه في سره، ومن يعتزم الرحيل. ليست هي أقدار اللبنانيين. القوة الفائضة لن تدوم، والسبل عديدة لإيجاد مخرج يعيد لبنان إلى أهله. على أن أقرب هذه السبل وأكثرها نجاعة هي أن يدرك السعداء بفائض القوة أنها سعادة مستعارة زائلة، كما الثروة التي جناها اللبنانيون من الفوائد المصرفية المرتفعة، وأن يطالبوا بإنقاذ ما حققه مشروع "حزب الله" من مؤسسات بحلّه ودمجه وانصهاره في البنى الوطنية، وأن يتخذوا الخطوة الشجاعة بالتخلي عن وهم القوة، إقرارا منهم أن الفائض هو استهلاك للحاضر والقادم.