Turkey's President Recep Tayyip Erdogan speaks during a meeting, in Ankara, Turkey, Monday, Sept. 7, 2020. On Monday, a senior…
كان لإردوغان جدول أعمال خاص به، وهو تغيير المجتمع التركي بهدوء من دون الاصطدام بالمؤسسات العلمانية القوية

في الوقت الذي تكافح فيه السعودية بصعوبة بالغة للتخلص من إرث الفكر الوهابي وسيطرة المؤسسة السلفية، تغوص قطر (سلفية/إخوانية) وتركيا (إخوانية) أكثر فأكثر في رعاية واحتضان الإسلام السياسي في المنطقة. بل وتخوضان من أجله الحروب وتتدخلان في النزاعات، وتحشدان ماكينة إعلامية هائلة، وذلك في مفارقة تبدو صادمة.

حكم المنطقة

لكن الصدمة لا تلبث أن تتبدد مع إدراك أن التحالف القطري التركي الإخواني لا يخفي هدفه وهو تقديم نفسه كنموذج لحكم المنطقة عبر الجماعات والأحزاب والحركات الإسلامية المختلفة، الإرهابية منها وغير الإرهابية.

وتقدم تركيا دعما علنيا لحركات تتراوح بين الإخوان المسلمين في مصر وسوريا و"حماس" وإخوان ليبيا والسودان وغيرهم، فيما تحتضن قطر العديد من أعضاء وقيادات هذه الجماعات، إضافة إلى تقديم الدعم والمقر للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (وهو هيئة غير رسمية يرتبط كثير من منسوبيها بالإخوان وجماعات الإسلام السياسي).

ثمة تفهم متزايد في العواصم الغربية لخطورة هذه الأيديولوجية والطموحات التي تحرك زعماءها على الأمن والسلم في الإقليم وخارجه

وكان لافتا استقبال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (22 أغسطس) لزعيم حركة "حماس" إسماعيل هنية ونائبه صالح العاروري في المكتب الرئاسي بقصر "وحيد الدين" بإسطنبول، في لقاء مغلق استغرق ساعة و15 دقيقة. وتحدثت أنباء عن أن الرئيس التركي منح خلال هذه الزيارة 12 من قيادات "حماس" جوازات ووثائق رسمية تركية.

وقد أعربت الخارجية الأميركية عن احتجاجها الشديد على هذا اللقاء، وذكّرت الأتراك بأن "حماس جماعة مصنفة كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكلا المسؤولين الذين يستضيفهما الرئيس إردوغان هما إرهابيان عالميان تم تحديدهما بشكل خاص"، حسبما جاء على لسان المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية مورغان أورتاغوس. مشيرة إلى أن "هذه هي المرة الثانية التي يستقبل فيها الرئيس إردوغان قيادة "حماس" في تركيا هذا العام مع عقد الاجتماع الأول في 1 فبراير".

تركيا لم تكترث لهذا الاحتجاج، مثلما لم تكترث قطر في السابق للضغوط الإقليمية والخارجية عليها لفك عرى الارتباط مع جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى القريبة منها والتي تجد في الأراضي القطرية ملاذا آمنا لها.

استراتيجية التمكين

يعرف دارسو التاريخ أن محمد بن عبد الوهاب عقد في عام 1744 تحالفا مع محمد بن سعود والذي عرف باتفاق الدرعية، وذلك على قاعدة "الدم بالدم والهدم بالهدم"، وجوهر الاتفاق يقوم على أن يبايع بن سعود الشيخ ويتبنى دعوته، وبالمقابل يضمن له هذا الأخير "وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين".

شيء مشابه حدث بين قطر والمرشد الروحي لجماعة الإخوان المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي، الذي فيما يبدو قد أقنعها بأن تبني خطاب الإخوان المسلمين ومبايعتهم من شأنه أن يكسبها مكانة إقليمية ونفوذا في العالمين العربي والإسلامي.

فثمة مقاومة متعاظمة في المنطقة للتوجهات الإخوانية، وهو ما نراه واضحا في مصر والخليج وسوريا والسودان واليمن وغيرها

أما الرئيس التركي إردوغان فإن توجهاته في السنوات الأخيرة والتي بات واضحا أنها تهدف إلى استعادة صورة ما عن الخلافة العثمانية، فقد وجد هو الآخر في الإخوان المسلمين حصان طروادته، رغم أن موقف قيادة الإخوان منه في السابق (قبل عام 2011) كان يتسم بالشك بسبب عدم إعلانه منذ البداية معاداته وتبرؤه من النظام العلماني التركي.

بطبيعة الحال كان لإردوغان جدول أعمال خاص به، وهو تغيير المجتمع التركي بهدوء من دون الاصطدام بالمؤسسات العلمانية القوية، كي يتمكن تدريجيا من تقليم أظافرها واحتوائها ومن ثم فرض رؤيته التي لا تختلف في جوهرها عن رؤية الإخوان المسلمين، الأمر الذي نجح فيه.

رعاة الإسلام السياسي

والحال أننا أمام دولة (تركيا) تطمح إلى استعادة سيطرتها واستعمارها للمنطقة العربية، ودولة أخرى (قطر) تريد أن يكون لها دور إقليمي في منطقة الخليج والجزيرة العربية. الدولتان تحلمان بأن تبسطا سيادتهما على الفضاء العربي والإسلامي عبر نشر عقيدة الإخوان المسلمين ودعم الاتجاهات المتطرفة. وأن تكون هذه العقيدة هي الثقافة السائدة.

لحسن الحظ فإن الأمور لا تسير وفق ما تريده الدولتان. فثمة مقاومة متعاظمة في المنطقة للتوجهات الإخوانية، وهو ما نراه واضحا في مصر والخليج وسوريا والسودان واليمن وغيرها، وثمة تفهم متزايد في العواصم الغربية لخطورة هذه الأيديولوجية والطموحات التي تحرك زعماءها على الأمن والسلم في الإقليم وخارجه.

هذا يفسر حجم الشراسة التي يتصرف بها إردوغان في كل مكان، ابتداء من شرق المتوسط إلى ليبيا وحتى أفريقيا مرورا بسوريا والعراق، وهذا يفسر أيضا حجم الاستماتة التي يبديها الإعلامان التركي والقطري في الدفاع عن أيديولوجية الإخوان ورموزهم والهجوم على الدول التي اجتثت نفوذ الإخوان. الأمر الذي يدفعنا للقول بأنه رغم الانتكاسات والضغوط العديدة فإن الدوحة وأنقرة لم تتراجعا في سعيهما لتمثيل الإسلام السياسي في صيغته الإخوانية في المنطقة وإنهما ربطتا مصيرهما بالفعل بمصير هذا التيار، ومستعدتان للذهاب معه حتى إلى الجحيم!

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.