An anti-government protester stands in front Lebanese soldiers who block a road that links to the presidential palace, during a…

يجيد "حزب الله" اللعب على حافة الهاوية. كان هذا دأبه في الحروب التي خاضها في الأعوام 1993 و1996 و2006. وهذا دأبه اليوم في المفاوضات التي تسبق تشكيل الحكومة في لبنان. فالسياسة بالنسبة للحزب هي حروب أيضا، يخوضها بنفس الأدوات تقريبا. أما حافة الهاوية التي نتحدث عنها اليوم، فهي ليست العقوبات الأميركية التي لوح بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حال لم يستجب النظام اللبناني للشروط الدولية المتمثلة بتشكيل "حكومة مهمة" والمباشرة بالإصلاحات، ذاك أن الحزب يعرف أن تشكيل الحكومة لن يوقف حُزم العقوبات المتوقع أن تعلن الإدارة الأميركية عن المزيد منها. حافة الهاوية التي يرقص الحزب عليها، ويعرض وجود لبنان بفعلها لخطر حقيقي، هي الانتخابات الأميركية، ورهان الحزب على أن تَغيُر الإدارة الأميركية سيغير شروط المجتمع الدولي!

لكن في مقابل هذا الرقص على حافة الهاوية، تستعجل الإدارة الأميركية إصدار مزيد من العقوبات، أيضا استباقا لاحتمالات تغير الإدارة. ولبنان يترنح وسط هذا السبق. لبنان لم يعد شيئا في هذا النزاع. لدينا من جهة إيران و"حزب الله"، ومن جهة أخرى الولايات المتحدة الأميركية. هذا المآل هو تماما ما جره علينا تسليمنا بلدنا لـ"حزب الله". لبنان لم يعد اعتبارا في حسابات لها علاقة بوجوده أو عدم وجوده. 

إذا كان ثمة شيء اسمه لبنان بمعزل عن حسابات "حزب الله"، فالانتظار بالنسبة لن يعني إليه أقل من كارثة

أن ينتظر "حزب الله" نتائج الانتخابات الأميركية ليوافق على تشكيل حكومة في لبنان، فهذا يعني أننا سنشهد على سقوط التجربة اللبنانية بالمعنى الحرفي للكلمة. شهران سنواصل خلالهما السقوط، وهذا لا يعني شيئا بالنسبة لـ "حزب الله". حساباته في مكان آخر تماما. سنواجه في هذين الشهرين مصيرا مشابها لمصير مواطن جنوبي كان مختبئا في منزله خلال حرب تموز. لا دور ولا قدرة له على التأثير بمصيره. الحرب تجري فوق رأسه والمفاوضات تجري بعيدا، ولا أحد معنيا بمصيره. وإذا كان هذا حال مواطنين قليلين لم يتمكنوا من الهرب خلال تلك الحرب، فهذا الآن هو مصير لبنان. كل لبنان. أو كل من بقي في لبنان، ومن لن يستطيع أن يغادر من الآن وحتى موعد الانتخابات الأميركية.

من المنطقي أن ينتظر "حزب الله" نتائج الانتخابات الأميركية حتى يقرر موقعه في الخرائط السياسية وغير السياسية في المنطقة. لكن لبنان، إذا كان ثمة شيء اسمه لبنان بمعزل عن حسابات "حزب الله"، فالانتظار بالنسبة لن يعني إليه أقل من كارثة. صحيح أننا ألِفنا الكوارث، لكنها، أي الكوارث، لم تمر من دون آثارها العميقة والجوهرية. الكارثة التي تنتظرنا بينما نكون في انتظار نتائج الانتخابات الأميركية ستأتي على ما تبقى من أسباب العيش بمعناه المباشر. سينهار ما تبقى من هياكل الدولة. سيتوقف مصرف لبنان عن دعم السلع والأدوية. الأوروبيون سيسحبون يدهم بالكامل. سنكون أمام العقوبات وجها لوجه. سنصبح خبراء بأنماط العقوبات، فبين عقوبات الإرهاب التي أصابت الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فينيانوس وعقوبات ماغنيتسكي المتعلقة بالفساد والتي أصابت عشرات السياسيين العراقيين، وعقوبات قانون سيزر التي ستستهدف المتعاونين مع النظام السوري، سنمضي أوقاتا طويلة في المقارنة وفي التمييز بين آثارها المدمرة.

أن ينتظر "حزب الله" نتائج الانتخابات الأميركية ليوافق على تشكيل حكومة في لبنان، فهذا يعني أننا سنشهد على سقوط التجربة اللبنانية بالمعنى الحرفي للكلمة

لم يعد التمييز ممكنا بين لبنان وبين "حزب الله". مصلحة لبنان أن ينجز تسوية سريعة ويشكل حكومة ويباشر بالإصلاحات. لا يختلف لبنانيان على هذا الأمر. مصلحة "حزب الله" هي أن يؤجل كل شيء بانتظار نتائج الانتخابات الأميركية. سبق أن اختبرنا عمليات مفاضلة بين المصلحتين واكتشفنا أننا لا نملك زمام المفاضلة، وأن لا قدرة لنا على التحكم بمصائرنا في ظل عيشنا في دولة تأوي حزبا أكبر منها، وسلاحا أقوى من سلاح جيشها. دولة نجح "حزب الله" في السنوات الأخيرة من تشكيلها من ألفها إلى يائها.

قد تحمل الساعات القادمة ما يدفع على توهم أن الحزب قرر أن يستجيب للمبادرة الفرنسية وأن يمرر تشكيل الحكومة، وهو احتمال قائم رغم أنه ضئيل، لكن المراوغة ستكون في الوقت المستقطع بعد التشكيل، أي في البيان الوزاري وفي جلسة الثقة. هذا جزء من لعبة الرقص على حافة الهاوية. كل هذا بانتظار حدث الانتخابات الأميركية، وتفادي تثبيت وضع حكومي في لبنان قبلها. الحزب يعرف أن الحكومة لن تعفيه هو وحلفاؤه من العقوبات، ومقتنع أيضا أن ثمة ما سيتغير إذا ما تغيرت الإدارة الأميركية، وهذان اعتباران يتقدمان عنده اعتبارات وجود لبنان واعتبار حماية ما تبقى من أعمدة الهيكل.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.