ريموندا عصام
صورة لـ" ريموندا عصام" انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بعد وفاتها | Source: Facebook

أبدى الكثير من المتشددين في مصر، استياءهم وغضبهم الشديد، جراء الذين راحوا يطلبون الرحمة للفتاة "ريموندا عصام" طالبة الثانوي، والتي عرفها الموت بعد صراع مع مرض السرطان، فضجت صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات تقول: "إنها مسيحية كافرة لا يجوز الترحم عليها".

وأقل ما يقال في هذه اللحظات إننا نواجه فكرا مخيفا يرفض حتى الرحمة بالكلمات على ملاك طاهر مثل ريموندا!

ويذكرني هذا بآية في القرآن الكريم تتكلم عن مثل هؤلاء الذين لا يعرفون أي معنى للإنسانية ويبخلون على غيرهم بأبسط معاني الرحمة فقال فيهم الرحمن "قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ قَتُورًا" (سورة الإسراء آية 100).

والحمد لله أن هؤلاء الذين لم يرحموا الملاك ريموندا بعد موتها لا يملكون خزائن رحمة ربي!

ومن زاوية أخرى، فإن ما حدث من هؤلاء المتطرفين يوضح واحدة من أخطر مشاكل فكر التطرف ألا وهو محاسبة الآخرين وإصدار الحكم عليهم. وهم بذلك قد نصبوا أنفسهم شركاء لله في حق حساب البشر وهو حق اختص الله به نفسه فقط فقال (ومن أصدق من الله قولا): "إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم" (سورة الغاشية آية 25 ـ 26)؛ "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (سورة الحج آية 17)؛ "فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ" (سورة الرعد آية 40)؛ "مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ" (سورة الأنعام آية 52).

والعجيب في الأمر أن القرآن أقر وبوضوح أن الرسول عليه السلام لا يدري كيف سيتم محاسبته أو محاسبة غيره من البشر كما جاء في الآية الكريمة "قلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ" (سورة الأحقاف آية 9).

فإن كان الرسول لا يعلم كيف سيحكم الله على البشر فهل لهؤلاء المتطرفين أن يعرفوا! وهل يا ترى يستطيعوا أن يؤكدوا لنا أن لهم الجنة! فيا له من غرور أن يظنوا أنهم ضمنوا جنات عدن لأنفسهم فأصبح من حقهم حساب غيرهم من الناس. ويذكرني ذلك بقول عتاة المشركين كما جاء في الذكر القرآني بعضهم يقول "وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ" (سورة فصلت آية 50).

أما من الزاوية الثانية في هذا الأمر فما حدث يحدث وبصورة متكررة بعد وفاة العديد من غير المسلمين فنرى كيف يتم الهجوم من هؤلاء المتطرفين على أي مسلم يترحم عليهم رغم أن "الترحم" هو أقل ما يمكن أن يفعله الضمير الإنساني في مثل هذه الأحوال.

وهنا علينا أن نقف لبرهة لنحلل هذا الأمر جيدا لأنه يدلل بوضوح على خلل شنيع في طرق التدريس الدينية سمحت لفكر التطرف الإسلامي أن ينتشر بضراوة دون أن تقف له بمفهوم أقوى منه في الحجة وأفضل منه في البرهان. وكان نتيجة لذلك أن أصبحت أجيال كاملة فريسة لهذا الفكر.

وها نحن اليوم نجني من ثمار الحنظل والكراهية التي بثها هذا الفكر في النفوس!

فهل من وقفة لنراجع أنفسنا ونبدأ حملة لتطوير للفكر الديني كي نقاوم نيران الكراهية العمياء!

وبالإضافة إلى ما تم ذكره أود أن أذكر الجميع في هذه اللحظات أنه حين يذكر الله عز وجل أنه مالك يوم الدين وأنه هو وحده صاحب الحق في حساب البشر {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} وحينما يقول لنبيه الكريم {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} فعلينا أن نتعلم من ذلك أن حق حساب البشر هو حق مطلق لله وحده لا ينازعه فيه أحد وأن أي محاولات من البعض لإصدار الأحكام على البشر ونعتهم بصفات مثل الكفر والشرك والفجور والزندقة وغيرها من التعبيرات هو منازعة لله في حقه في حساب خلقه.

فمن نراه مؤمنا قد لا يقبله الله تعالى ومن نظنه غير مؤمن قد يقبله الله لأنه هو أعلم بظروفه ولذا قيل على لسان الرسول عليه السلام في القرآن كما ذكرنا {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} .  

وأتمنى أن يكون موت ريموندا "رحمها الله" هو الشرارة التي تشعل نور الحق كي ينقشع ظلام الكراهية!

وأخيرا أقول ـ وبأعلى صوت لي ـ  "رحمك الله ياريموندا".  

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.