French President Emmanuel Macron attends a media conference in Beirut, Lebanon, Tuesday, Sept. 1, 2020. French President…
إذا جرى اعتماد المهل التي رسمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في "روزنامة" مبادرته لإنقاذ لبنان، فإن عدم تشكيل الحكومة، بعد سبعة عشر يوما على المهلة المحدّدة بأسبوعين فقط، يسمح بإعلان فشل المبادرة

الموضوع اللبناني شبه مغيّب عن الإعلام السياسي الفرنسي كما عن التصريحات الرسمية للمسؤولين. وحدهم الفنّانون ـ وجلّهم من أصل لبناني ـ يجذبون الإعلام الترفيهي إلى الاهتمام بـ "ببلاد الأرز".

قد يعود ذلك، إلى أنّ السياسات ومخططاتها يمكن أن تفشل فتتغيّر، أو أن تصاب بنكسة فتتجمّد، في حين أن العواطف أقوى وأبقى، لأنها قادرة أن تولّد من الرماد لوحة، من الفشل دموعا، من النواح قصيدة، من التفجّع رقصة، ومن اليأس... صلاة.

وبهذا المعنى، فإن الجزء الثقافي من مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد حقق نجاحات لافتة. نجاحات قد لا تعوّض الإخفاقات التي يعاني منها الجزء السياسي من مبادرته، ولكنها كافية لتعميق المسألة اللبنانية في نفوس الفرنسيين وترسّخها، كواحدة من الملفات التي لا يمكن أن يمرّ عليها أي مسؤول فرنسي، مرور الكرام.

لنترك العواطف لإبداعاتها الفنيّة ولتأثيراتها المستقبلية، ونركّز على السياسة المتبعة التي تشكو من نقص هائل في الحد الأدنى من... الإبداع!

إن "تطويل" الأسبوعين من 15 يوما إلى 19 يوما، هو "تطويل استراتيجي" وليس "تطويلا زمنيا"

وفي هذا السياق، إذا جرى اعتماد المهل التي رسمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في "روزنامة" مبادرته لإنقاذ لبنان، فإن عدم تشكيل الحكومة، بعد سبعة عشر يوما على المهلة المحدّدة بأسبوعين فقط، يسمح بإعلان فشل المبادرة.

وللمهلة الأولى، وفق "الأجندة" الفرنسية، أهمية محورية، فعليها تُبنى الاستحقاقات الأخرى، وأبرزها انعقاد مؤتمر دولي حول لبنان، في باريس، في منتصف أكتوبر المقبل.

"المثالثة" من ساركوزي إلى ماكرون

إن أخطر ما في سقوط المهلة الأولى، تداعياته على نتائج "المؤتمر الدولي"، ذلك أنّ هذا السقوط لم يكن لأسباب تقنية احتاج تذليلها إلى بعض الوقت الإضافي، بل لأسباب جوهرية لها علاقة بمستقبل المشاركة السياسية في النظام اللبناني الطائفي، وبأهداف اللاعبين المحليين، وبارتباطاتهم الخارجية التي تكتسب عند "حزب الله" أبعادا عسكرية وأمنية وتجذب عداوات مكلفة جدا للبنان.

إن التدقيق بأسباب سقوط مهلة تشكيل الحكومة يقود إلى أن "حزب الله" وملحقته "حركة أمل" (الثنائي الشيعي) يريدان فرض عرف دستوري في لبنان، بغطاء فرنسي.

العرف الدستوري الذي يطمح إليه "الثنائي الشيعي" هو تكريس حقيبة وزارة المال للطائفة الشيعية التي يحكمان السيطرة عليها، بحيث تنال "التوقيع الثالث" على المراسيم الحكومية والوزارية، إلى جانب توقيعي رئيس الجمهورية (ماروني) ورئيس مجلس الوزراء(سنّي).

ويعتبر تكريس "التوقيع الثالث" خطوة نوعية في إطار تحويل لبنان من "المناصفة" بين المسيحيين، من جهة والمسلمين من جهة أخرى، إلى "المثالثة" بين المسيحيين والسنة والشيعة.

وإذا كان رؤساء الحكومة السابقون الذين سمّوا الرئيس المكلف مصطفى أديب، وفق الطلب الفرنسي ليكونوا جزءا من دعم المبادرة، هم من يتصدّون لهذا المسعى الشيعي، فإنّ المسيحيين عموما والموارنة خصوصا، هم أكثر المتضررين من "المثالثة".

وسبق للبطريرك الماروني بشارة الراعي أن أعلن، في مقابلة تلفزيونية، أنه مستعد أن "يخوض حربا سياسية ودستورية من أجل التصدي لهذه المثالثة".

وكشفت أوساط فرنسية واسعة الاطلاع أن الراعي، وخلال لقائه، في الأول من سبتمبر الماضي مع ماكرون، أثار هذه المسألة وحذّر من "الخبريات" التي تشير إلى أنّ باريس لا تمانع في "المثالثة"، إذا كانت توفّر مخرجا للمأزق الذي يجتازه لبنان.

ويحاول "الثنائي الشيعي" استغلال المبادرة الفرنسية لمصلحته على كل المستويات، فهو يريد تكريس "المثالثة"، بعدما حيّد ماكرون سلاح "حزب الله"، ووفّر الغطاء لجناحه السياسي، في فصل إشكالي ذي أبعاد إقليمية ودولية، عن جناحه العسكري.

وكانت فرنسا، وفق "حزب الله"، قد عرضت في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، على الحزب أن تتم مقايضة سلاحه بـ "المثالثة".

 وقال الأمين العام للحزب حسن نصرالله، في مناسبات مختلفة، إن "حزب الله" رفض ذاك العرض الفرنسي، لأنه لا يطمح بالحصول على "المثالثة".

إن التدقيق بأسباب سقوط مهلة تشكيل الحكومة يقود إلى أن "حزب الله" وملحقته "حركة أمل" (الثنائي الشيعي) يريدان فرض عرف دستوري في لبنان، بغطاء فرنسي

مع دخول ماكرون على الخط اللبناني، وبعدما أسقط المقايضة، يحاول "الثنائي الشيعي" أن ينال "المثالثة" التي تبيّن أنه يسعى إليها، ولكن من دون أن يتكبّد أي ثمن وطني.

وإذا ما قُدّر لـ "حزب الله" أن يحقق مبتغاه، فإن المبادرة الفرنسية تكون قد فشلت، في مهدها ـ ولو جرت الولادة ـ لأن هدف الإنقاذ سيصبح شبه مستحيل.

صحيح أن فرنسا ومعها إيران لاعبان أساسيان في لبنان، ولكنّهما، في المسألة المالية، فهما مجرد لاعبين ثانويين، ذلك أن هناك تأثيرا حاسما، في هذا السياق، لمجموعة دول تقودها الولايات المتحدة الأميركية، من جهة والمملكة العربية السعودية، من جهة أخرى.

ولم تخف لا واشنطن ولا الرياض عدم استعدادهما للمساهمة مع باريس، في مبادرتها اللبنانية، إذا استمرت في منهج تعويم "حزب الله" سياسيا وعسكريا ودستوريا.

وهذان الموقفان الأميركي والسعودي لا يؤثران سلبا على "المؤتمر الدولي" الذي تُزمع باريس عقده، فحسب بل على نسبة الأموال التي يمكن أن يضخّها "صندوق النقد الدولي" في الاقتصاد اللبناني أيضا، ناهيك عمّا بقي من التزامات مالية حصلت عليها باريس للبنان، في مؤتمر "سيدر" الذي نظّمته في أبريل 2018.

لو كان لبنان جزيرة معزولة عن المحاور الإقليمية والدولية وتتمتع بقدرات مالية ذاتية، لكانت باريس قادرة على تليين مبادئها، لإنجاح مبادرة رئيسها، ولكنّ لبنان ليس كذلك، وتاليا، فنجاح المبادرة يتطلّب أكثر من دفع هذا إلى التنازل لذاك، فـ "حزب الله" ليس مجرّد لاعب محلي، بل هو جزء من أجندة تستقطب عداوات إقليمية ودولية، بسبب ارتباطه بالأجندة الإيرانية.

استحقاق 20 سبتمبر

ولكن هل يمكن لهذا الترابط المحلي والإقليمي والدولي، أن يصب لمصلحة باريس؟

بعيد مغادرة ماكرون بيروت كان ثمة من يؤكد أن مهلة تشكيل الحكومة لا تنتهي في 16 سبتمبر بل في 20 سبتمبر الجاري.

إن "تطويل" الأسبوعين من 15 يوما إلى 19 يوما، هو "تطويل استراتيجي" وليس "تطويلا زمنيا".

في حلول الساعة الثانية بعد نصف ليل السبت ـ الأحد بتوقيت باريس، تكون واشنطن قد أعادت العمل بكل العقوبات الأممية على إيران التي كان قد رفعها الاتفاق النووي.

باريس ـ ومعها برلين ولندن ـ كانت قد اتخذت موقفا ضد واشنطن، إذ اعتبرت أن الولايات المتحدة الأميركية، بعد انسحابها من الاتفاق في 8 مايو 2018، لا يحق لها أن تطلب العمل بآلية "سناب باك" التي تعيد فرض العقوبات الأممية على إيران.

ولكن لواشنطن وجهة نظر أخرى، فقدمت لرئاسة مجلس الأمن طلبا لإعادة العمل بالعقوبات، هو يدخل حيّز التنفيذ في الثامنة من مساء 19 سبتمبر الجاري، بتوقيت واشنطن، وفي الثانية بعد منتصف ليل عشرين سبتمبر، بتوقيت باريس.

وتضغط واشنطن على الاتحاد الأوروبي لينضم إليها في هذا المسار. لكل عاصمة أوروبية ملف مهم يحتاج إلى دعم الإدارة الأميركية. لباريس الملف اللبناني، خصوصا بعدما أعلن ماكرون أنه وضع كل رصيده في مبادرته اللبنانية.

بدءا بيوم الأحد المقبل، مع حلول 20 سبتمبر، إمّا أن يعود القديم إلى قدمه في لبنان، فتتسارع انهياراته، وإمّا تُفتح صفحة جديدة، قد لا تُنقِذ، بل تُزوّد السيارة المتهالكة بمكابح

من دون شك، فإن باريس التي طلبت من "شركائها" اللبنانيين "تمديد" مهلة تشكيل الحكومة، تفكّر بالمنحى الذي سوف تسلكه في الملف الإيراني، في ضوء الضغوط الأميركية التي تصاعدت في وجهها، وكان الهجوم الدبلوماسي على وسائل الإعلام الفرنسية، أحد أبرز واجهاتها.

ثمة سؤال يفرض نفسه في باريس: هل يمكن أن تُعطي طهران في بيروت لقاء الوقوف معها، أقلّه حتى الانتخابات الرئاسية الأميركية، فتُليّن التشدّد الذي يُبديه "حزب الله" في موضوع الحكومة؟

من الواضح أن باريس تنتظر جوابا من طهران، قبل أن تتفاعل مع الضغوط الأميركية، وقبل أن تبدأ قمة الاتحاد الأوروبي في 24 سبتمبر، حيث سيكون الموضوع الإيراني، على الطاولة الى جانب الملفات التركية والروسية والبيلاروسية.

تعرف باريس أنها لا يمكن أن تنال من واشنطن أي ثمن لـ"حزب الله"، في مقابل السير معها، بالملف الإيراني، لأن "حزب الله" هو بنظر واشنطن جزءا لا يتجزأ من الملف الإيراني، وتاليا فإن آمالها ـ ولو كانت ضئيلة ـ منصبّة على إيران.

لهذا، فبدءا بيوم الأحد المقبل، مع حلول 20 سبتمبر، إمّا أن يعود القديم إلى قدمه في لبنان، فتتسارع انهياراته، وإمّا تُفتح صفحة جديدة، قد لا تُنقِذ، بل تُزوّد السيارة المتهالكة بمكابح.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.