Protesters chant slogans during a demonstration to protest sexual harassment and bullying and demanding rights, in front of the…
سيدات لبنانيات يرفعن شعارات ضد التحرش الجنسي والتنمر أمام مقر رئاسة الحكومة في بيروت

"من حقك أن تكون مثليا. لكن ليس من حقك أن تمارس الدعوة للمثلية".

"من حقك أن تكون ملحدا. لكن ليس من حقك أن تمارس الدعوة للإلحاد".

"من حقك ألا تصوم في رمضان. لكن ليس من حقك الدعوة لعدم الصيام في رمضان".

"من حقك أن تعيش علاقات جنسية خارج الزواج. لكن ليس من حقك أن تشجع على العلاقات الجنسية خارج الزواج".

عبارات نصادفها بشكل مستمر خلال نقاشاتنا حول المواضيع الخلافية التي قد تزعج الأغلبية.

وهي في الحقيقة تعليقات تحمل في طياتها الكثير من المغالطات والكثير من اللامنطق، إن حاولنا فهمها.

في المثلية مثلا، لا يمكن لشخص أن "يدعو" للمثلية؛ لأن غير المثلي لن يتحول للمثلية، ولا حتى المثلي سيدعو لها! المثلية توجه جنساني طبيعي وليس ديانة جديدة ندعو لها أو نتحول لها!

الحديث عن "الدعوة للمثلية" يترجم ليس فقط التطرف، بل أيضا الجهل بمنطق الأمور.

العلاقات الجنسية خارج الزواج؟ يمكنك أن تعيشها ويمكنكِ أن تعيشيها، لكن في السر (خصوصا إن كنت امرأة)

فيما يتعلق بالإلحاد أو بعدم صيام رمضان أو بالعلاقات الجنسية خارج الزواج أو بالحجاب، فإن السؤال التالي هو أكثر من مشروع: لماذا سيكون من حق فصيل مجتمعي الدعوة للإسلام والدعوة للحجاب والدعوة للصلاة، ولا يكون من حق فصيل آخر الدعوة لتوجهات مختلفة؟ لأن تلك توجهات الأغلبية؟ من هذا المنطلق، ليس من حق هذا الفصيل إذن الدعوة لها في مجتمعات ذات أغلبية غير مسلمة! وليس من حقه المطالبة ببناء مساجد في بلدان ليست ذات أغلبية إسلامية! أم أن العلمانية جميلة حين تضمن حقوقنا وقبيحة حين تضمن حقوق الآخرين؟

في الحقيقة، ما تخفيه العبارات أعلاه هو نقطتان اثنتان، تختزلان ديكتاتورية الفكر الوحيد.

أولا، يعتبر هذا الفصيل المجتمعي أنه في مركز الكون وأنه يمتلك الحقيقة المطلقة التي من حقه وحده أن ينشرها. ما دونها باطل. سيدعو للإسلام وللحجاب ولبناء المساجد وللصلاة وللصيام... لكن ليس من حق من يقتسم أفكارا مختلفة أن يدافع عنها. سيصفق لمن يعتنق الإسلام وسيدعو لقتل من يتركه. سيصفق لامرأة تضع الحجاب وسيسب امرأة تخلعه ويعتبرها كافرة، وكل هذا تحت شعار "الحجاب حرية". سيدعو لبناء المساجد في بلده وبلدان غيره وسيعترض بشراسة على بناء كنائس في بلده...

النقطة الثانية تتعلق بنزوع مجتمعي عام نحو السرية والنفاق والكذب. توجه مجتمعي لا يطالب الأفراد بأن يكونوا واضحين مع أنفسهم ومع الآخرين في اختياراتهم الحياتية، بقدر ما يطالبهم بأن يشبهوا ظاهريا ما يطلبه منهم المجتمع.

يمكن أن يكون لك توجه جنساني أو ديني مختلف، لكن الأفضل لك ألا تفصح عنه للعلن.

يمكنك أن تفقد كل قناعة بالإسلام، لكنك لا تستطيع أن تفصح عن ذلك. في بعض المجتمعات، قد تدخل السجن أو تُعدم. في مجتمعات أخرى، تتعرض للنبذ المجتمعي من طرف أقرب المقربين.

يعيش الكثير منا انفصامات متعددة بين هوياتهم واختياراتهم الحقيقية، وبين كونهم مجبرين مجتمعيا (وأحيانا قانونيا) على التظاهر بغير ما هم عليهم

يمكنك أن تكون مثليا، لكنه من الصعب جدا أن تفصح عن ذلك. ستتعرض للوصم الاجتماعي. بدل ذلك، يطلب منك الآخرون أن تتظاهر بغير ذلك بل وبأن تتزوج ربما لتتعس تلك الزوجة (أو لتتعسي ذلك الزوج).

يمكنك أن تقرر، لأسباب تخصك، بأن لا تصوم رمضان... لكنك ستضطر دائما للتظاهر بالصيام كي لا تدخل السجن في بعض الدول، أو كي لا تتعرض للوصم المجتمعي.

العلاقات الجنسية خارج الزواج؟ يمكنك أن تعيشها ويمكنكِ أن تعيشيها، لكن في السر (خصوصا إن كنت امرأة).

وهلم كذبا...

لذلك، يعيش الكثير منا انفصامات متعددة بين هوياتهم واختياراتهم الحقيقية، وبين كونهم مجبرين مجتمعيا (وأحيانا قانونيا) على التظاهر بغير ما هم عليهم.

ألم يحن الوقت بعد لنقتنع بأن كل شخص مسؤول عن اختياراته وأفعاله وتوجهاته، وبأن ليس من حقنا محاسبة الآخر أو فرض سلوك أو اختيار معين عليه؟ ألم يحن الوقت لكي نعامل بعضنا البعض كراشدين مسؤولين... بدل أن يضطر أغلبنا للتخفي خلف أقنعة تفرضها "دفاتر تحملات" مجتمعية؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.