Fog rises from the landscape at sunrise as a cyclist drives on a country lane near the village of Puchheim, southern Germany,…
تحت مسميات الولاء للوطن الأم، وملاحقة أعدائه أينما وجدوا، زُرع العديد من المخبرين المأجورين لأجل مهام التجسس على نشاطات أبناء الجالية وأفكارهم

في أول زيارة لي إلى مدينة أوروبية في الثمانينيات، كان عليّ إيصال أمانة لأسرة عراقية مهاجرة منذ سنوات، وحين سألتهم عن اندماجهم وصداقاتهم مع العراقيين بما يخفف من ثقل الغربة التي جمعتهم في هذه البلاد، سرعان ما بدا التوتر عليهم، وأخفض محدّثي صوته وكأنه يخشى أن يسمعه أحد: "لا احتكاك بيننا وبينهم، نحن نتحاشاهم لنأمن شرهم".

أحزنني ما سمعت، وظننت أنه شأن عراقي خاص، لكنه تكرر لاحقا وبنسب مختلفة، مع أصدقاء من دول مثل سوريا والسودان ولبنان ومصر وليبيا والأردن والسعودية وغيرهم، عبّر كل واحد منهم، ليس عن خشيته وتحاشي الاحتكاك مع أبناء بلده فقط، بل توجسه وخشيته، المشوبتان ببعض الكراهية المستترة للجاليات العربية الأخرى.

رغم أن معظمهم هرب من الاستبداد إلى بلاد توفر الحريات للجميع، نشطت فئات منهم في إعادة هيكلة وممارسة هذا الاستبداد ضد أبناء قومها

في الثلث الثالث من القرن العشرين، حدثت موجات هجرة عربية كثيرة لأسباب سياسية، تقدمها الهرب من الديكتاتوريات الحاكمة التي قيدت حرية الرأي والتعبير، ولاحقت، بل نكّلت بكل فكرٍ معارض. أو لأسباب اقتصادية جرب أصحابها البحث عن مستقبل أفضل لأسرهم، ضمن بيئات آمنة وميسرة وتحترم القوانين وكرامة الإنسان. أو لأجل التحصيل العلمي في الجامعات الغربية، والنسبة الأكبر من هؤلاء استقروا، ولم يفكروا بالعودة إلى حضن الوطن.

نقل المغتربون معهم تراكم مخاوفهم وهواجسهم، ونقل الفاسدون بينهم ما زرعته الأنظمة الديكتاتورية، السياسية والدينية والاجتماعية، من ثقافة الكراهية للآخر والتوجس منه، أو ما غذّته في دواخلهم من حس أمني واستخباراتي، تحت مسميات وشعارات مختلفة.

ورغم أن معظمهم هرب من الاستبداد إلى بلاد توفر الحريات للجميع، نشطت فئات منهم في إعادة هيكلة وممارسة هذا الاستبداد ضد أبناء قومها، ومراقبتهم وتقديم التقارير فيهم، كأن يفتن بعضهم ضد من انخرطوا في طبيعة الحياة الغربية أو "ملذاتها الكافرة"، أو لا يمارسون الشعائر الدينية في بيوتهم، أو لا يذهبون إلى أماكن العبادة كما هو مطلوب، أو ضد الزنادقة الذين يجاهرون بعلمانيتهم.

وعلى عكس ما تقدمه سفارات الدول الغربية من تسهيلات ودعم لمواطنيها في الخارج وتقديم الحماية الكاملة لهم في مواجهة أية مخاطر يتعرضون لها، لعبت سفارات بعض الدول العربية، الدور الأكبر في زرع الشقاق، واستغلال الحاجات المادية لبعض المغتربين، ونشطت بشكل خاص ومؤسف بين أوساط الطلاب.

وتحت مسميات الولاء للوطن الأم، وملاحقة أعدائه أينما وجدوا، زُرع العديد من المخبرين المأجورين لأجل مهام التجسس على نشاطات أبناء الجالية وأفكارهم، ولم يكن مستغربا أن تسمع أن أحد المغتربين تم اعتقاله حال عودته إلى وطنه في زيارة، بسبب انتقاد عابر وجهه في حفل ما، أو رأي معارض أدلى به في جلسة مقهى، أو لأي لسبب كيدي يقرره كاتب التقرير.

في البلدان العربية الأخرى، أو في بلدان دول الخليج التي شهدت موجات اغتراب كبيرة، لم يختلف وضع الجاليات كثيرا فيما يخص خشية أبناء كل جالية من بعضهم، أو الخشية وتجنب الجاليات الأخرى، مع الاحساس بنبرة الكراهيات المستترة المتبادلة.

لكن الوضع في هذه الدول بدا أكثر مأساوية، حيث نشط المخبرون في اتجاهين كعملاء مزدوجين، مرة في تقديم تقرير أمني للدولة الأم، ومرة في تقديم تقرير كيدي ضد أحدهم للدولة المضيفة، وهي دول في المجمل، لا تفسح المجال للحريات الرئيسة، ولا تتمتع برحابة الصدر لتقبل انتقادات موجهة ضدها، لا من أبنائها ولا من ضيوفها، وإن لم تسجن ضيفها العزيز المغترب وتؤدبه شر تأديب، تعاقبه بالترحيل بأول طائرة، دون تردد.

كل ما يحدث في الدول الأم من مشاكل أو صراعات مع الآخرين، كان وما يزال، يشهد انعكاسا حادا وسريعا على الجاليات في المغتربات، فإن توترت الأجواء السياسية بين مصر وليبيا، شدّت الجاليتان شعر بعضهما في كل احتكاك، وإن خسر المنتخب الكويتي أمام نظيره الجزائري في مباراة لكرة القدم، دفع الجزائريون ثمن "الأهداف" جماعيا وكأنهم مسؤولون عن ركلها.

صحيح أن الحذر قائم بين أبناء الجالية أو ضد الجاليات الأخرى، لكنهم ينسونه في مواجهة بعض التحديات والمخاطر، الدينية بشكل خاص، أو يؤجلونه لبعض الوقت، ويتوحدون في مواجهة الآخر، على مبدأ "أنا وأخي ضد ابن عمي، وأنا وابن عمي ضد الغريب".

في العقدين الفائتين من الألفية الجديدة، حدثت موجات هجرة ولجوء مختلفة الأسباب لا يتسع المجال للإسهاب فيها، لكن جوهر الأمور لم يتغير في علاقة أبناء الجنسية الواحدة ببعضهم أو بالآخر، ونشط المخبرون بشكل أكبر تحت صفتي موالٍ أو معارض، ولم تعد التقارير الأمنية الضدية توجه للوطن الأم فقط، بل نشأت تقارير كيدية حديثة تقدم لدول اللجوء الغربية المستضيفة، أو للمنظمات غير الحكومية التي تقدم المنح والدعم والفرص الذهبية.

كل ما يحدث في الدول الأم من مشاكل أو صراعات مع الآخرين، كان وما يزال، يشهد انعكاسا حادا وسريعا على الجاليات في المغتربات

في الخلاصة، لم تنجح أية جالية عربية منفردة، أو مجتمعة مع الآخرين، في تشكيل لوبي عربي حقيقي في الخارج كما هو مأمول، ولم تحقق واحدة منهم منفردة أو مجتمعة، إنجازات إنسانية وعلمية وحضارية ذات جهود جماعية إضافية. ومعظم ما نسمعه عن قصص النجاح، لأي عربي من أية جنسية كانت، إنما هي تراكمات لإنجازات فردية، اجتهد أصحابها على العمل والنجاح وفقا لفطنتهم، والمنهجية العلمية التي اتبعوها، وفهمهم للقوانين والدروب المتاحة لهم.

ربما كان حال الجاليات العربية هو ذاته منذ بدء موجات الهجرة قبل قرون، وقد سبق لأبي خليل القباني، رائد المسرح السوري، أن تحدث عن "فسافيس السلطان" الذين كتبوا فيه تقارير أمنية بسبب رحلته إلى شيكاغو قبل أكثر من قرن، ولأن مبدأ التاريخ تكرار نفسه، ليس مستغربا أن يكون لكل زمان ومكان " فسافيسه الجدد"، الخادمون بأمانة وإخلاص وورع، لأحد سلاطين الاستبداد السياسي أو الديني أو الاجتماعي.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.