In this photo taken from video and released by Russian Presidential Press Service, Russian President Vladimir Putin, right, and…
في لقاء سوتشي الذي جرى في 15 من الشهر الحالي بين فلاديمير بوتين ولوكاشينكو أكد الرئيس الروسي على أن "بيلاروسيا تبقى الحليف الأقرب إلينا"

المسافة من الحدود البيلاروسية إلى العاصمة الروسية موسكو أو عاصمة القياصرة بطرسبرغ قرابة 500 كلم، وفي التقديرات الاستراتيجية تعتبر هذه المسافة ضمن أولويات الأمن القومي الروسي، ما يعني أن أي خلل على الحدود البيلاروسية المحاذية لروسيا سيشكل تهديدا مباشرا لأمن العاصمتين، وهذا ما دفع الكرملين إلى الإسراع في اتخاذ قراراته ونقل خطوطه الحمراء من الحدود الروسية البيلاروسية إلى الحدود البيلاروسية البولندية باعتبارها أقرب نقطة بين الناتو وموسكو.

مما لا شك فيه أن الثورة البيلاروسية زادت من الأعباء السياسية والاستراتيجية والاقتصادية على موسكو ومينسك وبروكسل، لكنها فرضت على موسكو تحديات عسكرية هائلة، حتى لو لجأت موسكو ومينسك إلى خيار الاتحاد مخرجا لأزمة نظام ألكسندر لوكاشينكو، إلا أن الاتفاق على مساحة أمنية موحدة بين البلدين ستتيح للكرملين فرصة لإعادة تموضعه عسكريا في المجال الحيوي السوفياتي وبناء قواعد استراتيجية في وسط أوروبا ونشر دباباته على الحدود مع بولندا الأمر الذي سيؤدي إلى توترات أمنية مستقبلا مع الناتو.

أتاحت الأزمة لموسكو فرصة لإعادة الاعتبار لمعاهدة الاتحاد بين البلدين والتي دخلت حيّز التنفيذ في 26 يناير عام 2000 وتنص على: "يتبنّى اتحاد روسيا وبيلاروسيا سياسات خارجية وأمنية ودفاعية واحدة، وله ميزانية مشتركة، وسياسة مالية ائتمانية وضريبية موحدة، وتعرفة جمركية موحدة، ومنظومتا طاقة واتصالات ومواصلات واحدة. وتحتفظ كل من بيلاروسيا وروسيا ضمن الاتحاد بسيادتها ووحدة أراضيها وأجهزة دولتها ودستورها وعلمها وشعارها".

مما لا شك فيه أن الثورة البيلاروسية زادت من الأعباء السياسية والاستراتيجية والاقتصادية على موسكو ومينسك وبروكسل، لكنها فرضت على موسكو تحديات عسكرية هائلة

في لقاء سوتشي الذي جرى في 15 من الشهر الحالي بين فلاديمير بوتين ولوكاشينكو أكد الرئيس الروسي على أن "بيلاروسيا تبقى الحليف الأقرب إلينا وستظل بلادنا ملتزمة بجميع اتفاقيات التعاون مع بيلاروسيا، بما في ذلك معاهدة منظمة الأمن الجماعي ودولة الاتحاد"، وهي الفكرة أو المشروع الذي كان يؤرق لوكاشينكو منذ سنوات، وحاول مرارا التنكر له ولم يتردد في بعض الأحيان بالتلويح بأنه مستعد للاستعانة بالناتو بهدف وضع حد لما كان يسميه سابقا الأطماع الروسية الدائمة.

ففي السنوات الأربعة الأخيرة اتسعت الهوة ما بين الرجلين، واختلفا في عدة ملفات من الشراكة في الاتحاد الأوروآسياوي إلى أسعار الطاقة حتى العلاقة مع أوروبا والناتو، وتراكمت الخلافات عندما طالبت مينسك بتخفيض أسعار الطاقة وفقا لأسعار السوق المحلية الروسية، وهذا ما رفضته حينها موسكو التي اعتبرت أن سعر 123 دولار لكل ألف ليتر غاز مكعب عادل فيما تدفع برلين وعواصم أوروبية أخرى ما يقارب 250 دولار على نفس الكمية. وهذه ما استفز لكوكاشنكو وقال في شهر مارس 2009 في اجتماع حكومي أنه "نحن في وضع يتعين علينا فيه تغيير اتجاهنا طوال الوقت، لأننا نقع في وسط أوروبا".

لم يتوقف لوكاشينكو حينها عند هذا الحد من الاستفزازات بل ذهب بعيدا في الحديث عن ضرورة تطوير العلاقة مع حلف شمال الأطلسي حيث قال إن "السعي لإقامة علاقات مع الأطلسي على أساس الاحترام المتبادل، من شأنه أن يساعد في تعزيز أمن بلادنا".

لم يتوقف لوكاشينكو حينها عند هذا الحد من الاستفزازات بل ذهب بعيدا في الحديث عن ضرورة تطوير العلاقة مع حلف شمال الأطلسي

منذ 10 أغسطس الماضي انتهت لعبة لوكاشينكو في ابتزاز موسكو وانتزاع تنازلات منها تحت تهديد اقتراب مينسك أكثر من أوروبا. وانقلب السحر على الساحر، فقد فرضت التظاهرات التي تهدد نظامه عليه أن يصف روسيا بالأخ الأكبر وبأن التقارب والتكامل مع روسيا هو مصلحة عليا لبلاده، ولكن ما عرضه بوتين في لقائه مع لوكاشينكو وما يناور الأخير من أجله في هذه المرحلة سيضع سيادة بيلاروسيا على المحك إذا التزام لوكاشينكو بخارطة الطريق التي وضعها بوتين للحل، والتي ستجعل مصير بيلاروسيا لا يختلف عن مصير جزيرة القرم. 

لكن هذا الخيار قد يؤدي إلى قرار عزل أوروبي لبيلاروسيا، وهو ما سيزيد أعباء موسكو إضافة إلى ردة الفعل الشعبية الرافضة لهذا الضم ما يقد يؤدي إلى مواجهة بين الشعب وموسكو.

وعليه بالرغم من أن موسكو سارعت إلى تعزيز قبضتها على نظام لوكاشينكو لكن الثقة بالرئيس البيلاروسي يصعب ترميمها وحتى لو تم تقييده باتفاقيات وشروط صعبة فإن موسكو ستجد نفسها مستقبلا أمام تحدي استعادة لوكاشينكو لدوره بعد إعادة تعزيز سلطته، وما يشجعه على التفلت من التزاماته وإعادة وصل خيوطه السابقة مع أوروبا. في سوتشي ألقت موسكو القبض على لوكاشينكو لكنها هل ستبقيه حبيس إرادتها أو أن هناك فاعل آخر سيفرض رأيه على الطرفين.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.