تطرقت في الجزء الأول من هذا المقال بشكل مختصر إلى الأساس التاريخي للصراع بين فئة "العربفون" و"الفرانكفون" في تشاد والاتهامات المتبادلة بينهما ومساعي كل فريق للتقليل من شأن الآخر وتحميله مسؤولية التخلف والفساد في البلاد.
ووصفتُ الصراع بالعبثي لأن المستفيد الوحيد منه هو النظام الحاكم الذي استغل تفشي ثقافة القابلية للفساد في استقطاب الفاسدين من الطرفين والتآمر معهم على نهب خيرات البلاد.
وما أقصده بعبارة ثقافة القابلية للفساد التي أستعير فكرتها من المفكر الجزائري الراحل مالك بن بني، هو أن المجتمع التشادي، وللأسف الشديد، يشجع أبناءه على إساءة استخدام السلطة وتبديد المال العام حيث يؤمن الكثيرون بأن الموظف الحكومي النزيه هو شخص غبي.
والدليل على ما أقول تلك النصيحة المتداولة في الأوساط الاجتماعية في تشاد لمن يتم تعيينه في منصب حكومي بأن عليه المسارعة في إثراء نفسه وتقديم يد العون لأفراد عائلته وأصدقائه وأبناء قبيلته بدعوى أنه لن يستمر في منصبه طويلا وقد يُقال في أي لحظة.
يدير الرئيس إدريس ديبي البلاد منذ قرابة 30 عاما وكأنها ملك خالص له فيعين من يشاء ويعزل من يشاء
من القصص التي أسردها دائما عند الحديث عن تفشي ثقافة القابلية للفساد في المجتمع التشادي قصة عايشت أحداثها في المرحلة الثانوية حين قرر طلاب الصف الثالث بمدرسة الصداقة السودانية ـ التشادية بأنجمينا تجميل الفصل واختاروا مجموعة كنت أحدهم لجمع التبرعات والإشراف على المشروع بالتعاقد مع فنان تشكيلي لتزيين الجدران بلوحات فنية وعبارات تحفيزية.
بعد نجاحنا في جمع التبرعات وإنجاز المهام الموكلة إلينا قررنا وبدون العودة إلى باقي الطلاب الاستفادة المبلغ المتبقي ومكافأة أنفسنا على ما قمنا به من عمل بوليمة دسمة تناولنا فيها ما لذ وطاب من الطعام.
وبسبب تفشي ثقافة القابلية للفساد، لم يعترض أحد بل على العكس شعرنا جميعا بأن لنا الحق في التصرف بالمبلغ المتبقي دون الرجوع إلى زملائنا في الفصل الذين جمعنا التبرعات باسمهم وكان من الواجب علينا الالتزام بالوضوح والشفافية تجاههم في كل ما يتعلق بالمهمة التي كُلفنا بها.
إن رواج ثقافة القابلية للفساد لا يعني خلو البلاد من المسؤولين النزيهين الذين يحرصون على مقدرات الوطن لكن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان في تشاد هي أن النظام الحاكم لا يحبذ توظيف المخلصين لأنه يستغل المناصب العامة في كسب الولاءات وشراء الضمائر ومكافأة مؤيديه وفي خلق التوازنات بين مختلف الشرائح المكونة للمجتمع التشادي.
وبدلا من أن يعارض الشعب هذا الأسلوب السخيف في اختيار المسؤولين الحكوميين، إلا أنه اعتاد على المسارعة في إرسال التهاني والتبريكات لمن يقع عليهم الاختيار وكأن المنصب العام جائزة تقديرية أو إنجازا مستحقا.
ربما يدير ديبي البلاد بتلك الطريقة لكي يشعر بالاطمئنان وهو يرى غيره يشترك معه في الفساد وينهب المال العام وربما ليخفف عن نفسه من آلام ما بقي عنده من ضمير
وعلى هذا المنوال يدير الرئيس إدريس ديبي البلاد منذ قرابة 30 عاما وكأنها ملك خالص له فيعين من يشاء ويعزل من يشاء لكنه يتمسك بمنصبه ويستخدم نفوذه الواسع وسلطاته اللامحدودة لتمديد فترة حكمه كلما حان أوان انتهائها ويتعامل مع دستور البلاد وكأنه منديل ورقي يغيّره بآخر عند انتهاء مهمته.
ربما يدير ديبي البلاد بتلك الطريقة لكي يشعر بالاطمئنان وهو يرى غيره يشترك معه في الفساد وينهب المال العام وربما ليخفف عن نفسه من آلام ما بقي عنده من ضمير أو ربما ليغطي على فشله في الإيفاء بالوعود التي قطعها على نفسه حين وصل إلى السلطة أو تلك التي يرددها قبل كل موعد انتخابي أو ربما ليبرر لنا الواقع المزري الذي تعاني منه جميع القطاعات في البلاد وأخيرا ربما لتبرير تمسكه بالسلطة ولسانه حاله: "لن يتغير شيء حتى لو تنحيت عن السلطة فأنتم جميعا فاسدون مثلي ولستم أقدر على قيادة البلاد بشكل أفضل من قيادتي لها".
وبالطبع فإن هذه حجة سخيفة يستخدمها الدكتاتوريون لتبرير تمسكهم بالسلطة لا تدل إلا على أنانيتهم وحبهم للكرسي ونظرتهم الدونية إلى الشعب بل واحتقارهم له كما تؤكد أنهم يحرصون على مصالحهم الشخصية أكثر من حرصهم على مصلحة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.
لقد أدركت بعد مرور سنين طويلة على تلك الواقعة بأن ما قمت به في ذلك الوقت كان تبديدا للمال العام وخيانة للأمانة وفسادا بمعنى الكلمة ولذلك فإن من الأولى أن يكف كل من "العربفون" و"الفرانكفون" عن إضاعة الوقت في الصراعات الجانبية وأن يتفقا على العمل معا لوضع حد لثقافة القابلية للفساد لأن الضرر الناجم عن تفشيها يطال كل الشعب ويسيء إلى سمعة الوطن.

