Turkish Foreign Minister Mevlut Cavusoglu, right, and Iran's Foreign Minister Mohammad Javad Zarif, speak to the media after…
وزيرا الخارجية التركي والإيراني يتحدثان إلى الصحفيين عقب اجتماع بينهما في أنقرة في يونيو الماشي

على الرغم من الخسائر الفادحة، بحق الطبيعة والسكان المدنيين، جراء القصف المدفعي والجوي الذي تمارسه كُل من تركيا وإيران في المناطق الحدودية الجبلية بين بلديهما والعراق، فإن البيان المشترك الأخير الصادر عن رئيسي البلدين، أكد على إصرار البلدين على التعاون التام في شأن محاربة الأحزاب الكردية في كلا البلدين، العمال الكردستاني في تركيا، وحزب الحياة الحُرة في إيران، والقيام بعمليات عسكرية مشتركة ومنظمة، تلك التي تستهدف فعليا القواعد السياسية والاجتماعية الكردية، لا القوة العسكرية لتلك الأحزاب فحسب.

تشكل المسألة الكردية، داخل هذين البلدين وفي دول الجوار، نموذجا مثاليا مُعبرا عن مستويات التداخل الدائم والتعاون الثابت بين تركيا وإيران، منذ قرابة قرن حين تشكلت الدولتان الحديثتان، وحتى الآن. هذه الموائمة المتأتية من عوامل تاريخية وثقافية بالغة القدم، لكن أولا من تشكيل جيوسياسي للبلدين، كقوتين قوميتين/مذهبيتين مركزيتين، ذات ماض إمبراطوري، في منطقة زاخرة بالكيانات السياسي بالغة الصغر، سكانيا وجغرافيا واقتصاديا وطاقة سياسية، وتحوي على قضايا بالغة التعقيد والتركيب، مثل المسائل الكردية والفلسطينية والطائفية والجغرافية.

يمكن العثور على ذلك في كافة ملفات المنطقة. فالاتفاقات الأخيرة بين إسرائيل ودول الخليج العربي لاقت رفضا متطابقا من الطرفين، بالرغم من التباين المطلق لشكل علاقة كل منهما مع إسرائيل ودول الخليج العرب على حد سواء. كذلك، كانت الدولتان في تعاون تام الملف السوري، بالرغم من تناقض الأهداف النهائية لكل منهما في هذا الملف. الأمر نفسه يمكن تطبيقه في شأن العقوبات الدولية التي تفرض على أي منهما، فتسارع الأخرى لمد يد النجدة لها. في نفس النسق، توافق الطرفان على علاقة مثالية مع نظام الإخوان المسلمين في مصر، وما لبثا أن أخذا موقفا متشابها من سلسلة الأحداث التي جرت هناك فيما بعد. قبل ذلك بسنوات واجه الطرفان المشروع الأميركي في العراق بتعاون مثمر، ومثله واجها آثار حرب الخليج الثانية، وسعيا سوية لتقويض نظام صدام حسين، وفي الحقبة السوفياتية قمعا معا التنظيمات اليسارية، وكانا أساسا يتعاضدان في كبح جماح الثورات المحلية التي اندلعت في كلا البلدين بُعد الحرب العالمية الأولى.

الرابط الداخلي المؤسس الأول لهذه العلاقة بين البلدين متأت من وعيهما العميق لتاريخهما الإمبراطوري المشترك

حدث ذلك، ويحدث، بالرغم من التبدلات الرهيبة التي تحدث في المنطقة وحتى داخل النظامين السياسيين في البلدين، إذ تُظهر الطبيعية الكيانية وشكل علاقة الدولتين مع بعضهما وشبكة روابطهما مع المحيط الإقليمي، تُظهر أن علاقتهما أكبر من السياسية المباشرة وتحولاتها وتفاصيلها ومجرياتها، تُظهر ما هو بنيوي وثابت في علاقتهما، يدفعهما للتعاضد والمؤازرة دوما.

الرابط الداخلي المؤسس الأول لهذه العلاقة بين البلدين متأت من وعيهما العميق لتاريخهما الإمبراطوري المشترك. فالدولتان تعتقدان بأن وجود أي منهما يؤمن عاملا جيوسياسيا لبقاء الآخر، أو على الأقل لاستقراره. فطوال القرون الخمسة السابقة، وحتى في تاريخهما الحديث، خاضت الدولتان عشرات الحروب الخارجية، لكنهما لم تدخلا في حرب مباشرة بينهما، حتى تلك الحروب التي جرت بين العثمانيين والصفويين في مراحل ما بعد التأسيس، إنما جرت على أرض العراق، وأشبه ما كنت بمناوشات حدودية منها لحروب الاحتلال وتفكيك الكيانات.

على العكس تماما، فإن أي من الدولتين لم تستغلا المواجهات الخارجية لأي منهما لتدخل في مرحلة قضم لأراضي الكيان الآخر، مثلما كان يحدث بين الدولة العثمانية ومناهضيها الروس والأوروبيين مثلا، الذين كانوا يستغلون كل ضعف للدولة العثمانية للهجوم عليها، أو بين مختلف الدول الإيرانية (الصفوية والزندية والقاجارية) حيث كان جيرانها الأفغان والأوزبك يستغلون انشغالاتها بالحروب الخارجية للهجوم عليها.

كذلك يُجمع الطرفان على استراتيجية الهيمنة على الكيانات السياسية الصغيرة المحيطية بهما، وتحويل ذلك إلى شبه بداهة وقاعدة جوهرية في منطقة الشرق الأوسط. ففي قوس الدول الآسيوية الممتدة من أفغانستان وغيرها من دول وسط آسيا، مرورا بدول القوقاز وجنوب البلقان، وحتى دول شرق المتوسط والخليج العربي، يراعي الطرفان هيمنة الآخر على واحدة أو أخرى من تلك الدول، وفي اللحظات الحاسمة يتعاونان لتثبيت أشكالٍ من التعاون الذي يؤمن ديمومة نفوذهما المشترك على واحدة تلك الدول.

يُمكن إيراد أمثلة لا تحصى حول ذلك، عن توافقهما على ترك هذا الكيان لواحد منهما، أو على الشراكة في النفوذ بينهما. شكلت سوريا بتحولاتها خلال العقود الثلاثة الماضية مثالا نموذجيا عن تلك "المراقصة" بينهما، فما إن تحولت سوريا إلى قوة إقليمية هشة، حتى انطلقت مسيرة التعاون الإيراني التركي لقضمها، سياسيا واقتصاديا على الأقل.

هذه النواة التي كانت تعني أولا تقاسم الشيعة الفُرس والسُنة الأتراك حُكم طيف هائلا من المجموعات العرقية والدينية والمذهبية في محيطهما تاريخيا، وفي داخلهما في العصر الحديث

تعززت العلاقة العابرة للسياسة بين البلدين في العصر الحديث جراء تفاقم حضور وهيمنة القوى الدولية في المنطقة خلال القرن الحديث. فالنخب السياسية والثقافية، وحتى الاجتماعية والاقتصادية في الدولتين، كانت وما تزال تعتبر النفوذ الدولي حذفا وإلغاء لما يعتبرونه حقا طبيعيا وتقليديا للبلدين في النفوذ والسطوة المطلقة على كامل الدول والكيانات الصُغرى في هذه المنطقة. تلك السطوة التي خولت كل منهما في لحظات تاريخية ما لأن تكونا قوتان عالميتان.

لأجل ذلك بالضبط، فإنهما يعتقدان ضمنيا بأن مشاريع النفوذ الدولية، بالذات تلك المشاريع التي تسعى لأن تمتن من السيادة الوطنية لواحدة من الدول الإقليمية، إنما تستهدفهما تماما، وأن الطرفين يجب أن يتعاضدا لمواجهة هذه الموجات من التدفق الدولي، التي زاد منسوبها بشكل استثنائي طوال قرن كامل مضى.

أخيرا، فإن التبدلات الهائلة التي طرأت على النظامين السياسيين في البلدين، منذ قرونٍ وحتى الآن، لم تخف الطبائع الجوهري للنواة الصلبة الواحدة للنظامين الحاكمين للبلدين، كنظامين قوميين مذهبيين.

هذه النواة التي كانت تعني أولا تقاسم الشيعة الفُرس والسُنة الأتراك حُكم طيف هائلا من المجموعات العرقية والدينية والمذهبية في محيطهما تاريخيا، وفي داخلهما في العصر الحديث. الأمر الذي دفعهما للإيمان بتطابق تاريخي هوياتي بينهما، ككيانات قومية مذهبية مهيمنة بمركزية استثنائية على محيطهما الهوياتي، القومي والمذهبي.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.