كنت أشرت في المقال السابق (جيل غير مؤدلج) إلى أن الجيل الجديد جيل غير مؤدلج بالأيديولوجيات ذات البعد الأممي، ولا حتى ذات البعد القطري/ الوطني، وأن السؤال الذي يُقْلقه أشد القلق ـ بعد تحرره من الأيديولوجيات ـ محصور في: كيف يمكن أن أعيش على نحو لائق، وأستمتع بحياتي قدر الإمكان، موفور الحرية والحقوق والكرامة؟ وأكدت أن جيل اليوم يبدو جيلا "عمليا" بدرجة مُسْتفِزّة؛ حيث لا يسأل عن المكان، ولا عن المؤسسة، ولا عن اختراق الانتماءات، ولا عن ارتباط خياره هذا ـ بالتضاد أو بالتعاضد ـ مع مسائل مصيرية عامة داخل إطاره الانتمائي العام.
هذا التحوّل الذي يتصاعد مع الزمن، بدأت بذوره الخجولة في قلب العالم العربي: في مصر، وتحديدا في السنوات الخمس الأخيرة من حكم السادات (1975 وما بعدها)، وقد أشار الروائي المصري العالمي/ نجيب محفوظ إلى ذلك في كثيرٍ من رواياته التي صدرت بعد هذا التاريخ. أشار محفوظ بتعجب كبير، وبألم كبير أيضا، إلى أن الشباب آنذاك لم يعد يحفل بالشأن العام، وأن الهجرة وتكوين الذات، طغت على كل شيء مقدس، وعلى نحو حاسم، وردّد أكثر من مرة قائلا: كيف أصبحت القضايا التي شغلتنا عشرات السنين، وكنا في شبابنا نخرج من أجلها في مظاهرات دامية قد يسقط المرء فيها قتيلا، مجرد قضايا تافهة في نظر هذا الجيل؟!
طرح محفوظ هذا السؤال التعجبي الحائر عندما كان يناقش شابا لصديق من أصدقائه، كان النقاش في مشروع الشاب للهجرة، وطرح محفوظ مسألة ظروف الوطن، وأن الوطن في هذه الظروف يحتاج له ولأمثاله. طرح نجيب المسؤولية تجاه الوطن، متخيّلا أنه يُحَاجِج بشيء مُقدّس تتضاءل أمامه كل التضحيات الشخصية/ الفردية؛ فما كان من الشاب إلا أن أجابه مُسْتخّفا بالوطن، وبظروف الوطن، وبأن ما جرى ويجري للوطن يجعل كل إنسان مسؤولا عن إنقاذ نفسه، ومن بعده الطوفان!
الجيل الجديد هو جِيلٌ الانفتاح على الممكن الكوني، دون الانغلاق على اللاّممكن القطري/ القومي، جيلٌ يتمزّق فيه الفرد بين ثقته الكبيرة بنفسه؛ ويأسه المتضخّم من محيطه
مؤكد أن هذا التحوّل الذي رصده محفوظ لم يكن وَحْيا نزل من السماء على جيل السبعينيات في مصر، بل كان لما يجري على أرض الواقع أثر بالغ فيه. الهزيمة الساحقة الماحقة 1967، وهزيمة 1973 التي لم تختلف عن الأولى إلا في أنها لم تتمَّ فصولها (فسميت نصرا!)، وما هو أشد من هاتين الهزيمتين المركزيتين، هو التحول الدراماتيكي في سياسة رئيسين، أحدهما شد الدولة والمجتمع إلى أقصى اليسار، فيما أتى الآخر ـ وفيما يشبه القرار الخاص ـ فقرّر نقل الدولة والمجتمع إلى أقصى اليمين. فكانت الآثار الكارثية لسياسة التأميم عند الأول، ولسياسة الانفتاح والخصخصة (التي لم تدرس ولم يخطط لها على مدى بعيد) عند الثاني، في ظرف عقدين، آثار طالت كل تفاصيل الحياة، وشعر الأغلبية أنهم بأنفسهم وعوائلهم، والوطن بسياساته العامة وبأنظمته وهياكله المؤسساتية من ورائهم، أصبحوا مجرد حقل تجارب عبثية لاثنين من العساكر المفتقرين إلى أبسط المؤهلات في هذا المجال.
في هذا السياق، وفي تزامن لافت؛ جاءت ثورة النفط، أو الثورة في أسعار النفط، منتصف السبعينيات؛ لتشكّل عاملا إضافيا يؤكد أن التمركز حول الذات المفردة في سبيل النجاح الأوحد، النجاح للذات أولا، و ـ كتبرير ذاتي، يصدق أو لا يصدق ـ للمجتمع ثانيا؛ على اعتبار أن نجاح كثير من "الأفراد" في مجتمع ما؛ يقود إلى نجاح المجتمع لا محالة. فإذا كان النفط في المجتمعات النفطية قدّم أشد الأدلة سطوعا وحسما على أن شيئا من ثراء تجلبه بعض مصادر الحظ في الطبيعة يُغني عن كل هراء الأيديولوجيات ذات الطابع العام الحالم، فإن كثيرا من الأفراد، وخاصة من ذوي المهارات النادرة في المجتمعات العربية غير النفطية، باتوا على محك الاختبار فيما يخص علاقتهم بالشأن العام في أوطانهم. ففي ظل حقيقة أن أوطانهم تحتاجهم بعد أن تعلّموا فيها، واكتسبوا فيها مهارات ذات قيمة سوقية عالية، و ـ في المقابل ـ في ظل إغراءات هائلة بالانتقال للعمل خارج أوطانهم، وهو الانتقال الذي قد يطول لسنوات بفعل الإغراء المتواصل المتصاعد، بات سؤال: "أنا أو وطني؟"، محل استشكال كبير، حسمه ـ في الغالب ـ حجم الإغراء؛ مِن غير أن تكون ظروف الأوطان ـ كعامل مهم في هذا الحسم ـ خارج نطاق التقدير الظرفي.
استمر هذا التصاعد في الانكفاء على الذات بفعل هذه التحولات وأمثالها داخل العالم العربي. لكن، لم يكن هذا بمعزل عن التحولات الناتجة عن تسارع وتيرة العولمة، خاصة العولمة الإعلامية والثقافية التي كان الفاصل الزمني/ مطلع الألفية الثالثة حاسما فيها. أصبح العالم متقاربا جدا؛ يتراءى في مدى أصابع اليد الواحدة للشاب العربي.
في البداية كان الشاب يرى ويسمع، ويندهش، وبقدر ما يُعْجَب بأنماط الحياة المفتوحة على الجد والعمل والأمل في مغارب الأرض، وفي بعض مشارقها؛ كان يعي بؤسه ـ المتصل عضويا ببؤس مجاله الحيوي ـ على أكثر من صعيد. وفي لحظات خاطفة، وفي حظوظ نادرة وعابرة، استطاع بعض هؤلاء الشباب ـ وبفعل الإمكانيات العابرة للحدود التي وفرتها العولمة ـ المشاركة في ذات المسار المتعولم: الجاد والعامل والآمل.
بتحوّل هذه النجاحات الخاطفة النادرة إلى علامات رامزة في الفضاء الحيوي للتطلّعات الشبابية في العالم العربي، وظهور أصحابها كنماذج مُلْهمة؛ بدأت الأيديولوجيات، والمبادئ الكبرى، والشعارات العريضة التي طالما أسكرت جيل الآباء، تتراءى للجيل الجديد وكأنها فقرات مقتطعة من مسرح كوميدي بائس، أو ـ في أحسن الأحوال، وألطف التوصيفات ـ بدت وكأنها تجاربَ مراهقين حالمين؛ تفتقد إلى كثير من مقومات النجاح؛ لأنها تفتقد إلى كثير من الواقعية، تلك الواقعية التي باتت تفرض حضورها في نجاحات ملموسة وباهرة، يصنعها الأفراد ـ من حيث هم أفراد ـ لأنفسهم، ولا دور للمؤسسات ولا للأوطان ولا للأيديولوجيات فيها, بل هي متجاوزة لكل ذلك، تصنع نجاحها ـ أو حتى فشلها ـ بقرار ذاتي خاص.
ما هو أشد من هاتين الهزيمتين المركزيتين، هو التحول الدراماتيكي في سياسة رئيسين، أحدهما شد الدولة والمجتمع إلى أقصى اليسار، فيما أتى الآخر فقرّر نقل الدولة والمجتمع إلى أقصى اليمين
على امتداد تاريخ هذا التحوّل المتعولم الذي تمدّدت في مساره "الأيديولوجيا الليبرالية" بفعل النجاحات الباهرة للنموذج الرأسمالي (مضافا إليه انهيار المعسكر الاشتراكية على نحو مأساوي وصادم)، كانت الفردانية تسري في عروق المجتمعات الكليانية. بدأت ـ على نحو بطيء، ولكن فاعل ـ مسيرة تحقّق الفردانية في العالم العربي على حساب الانتماءات الجمعانية ذات القاعدة العشائرية. وإذا كنت في الغرب، موطن الفردانية الأصيل، تجد الوطن يُمثّل الانتماء العابر للانتماءات الجمعانية الأخرى؛ كما هو الناظم لسلك الفردانيّات/ القاسم المشترك للتنوع الفرداني، والضامن لإمكانية تحقق الفردانية في الواقع، فأنت في العالم العربي ترى كيف تنمو فردانية الفرد باطراد تأثير العولمة؛ دونما سقف مؤسساتي يضمنها في الواقع؛ ودونما بديل يَنْتَظم ولاءً مشتركا كافيا لتحقيق التواصل العملي المثمر في الفضاء العام.
إذن، الجيل الجديد هو جيل الوقائع؛ لا الأحلام والشعارات الصاخبة، جيل يجترح حياته على أملٍ واعدٍ، على أفق مفتوح، على وعد بالنجاحات اللامحدودة، على خلاص ممكنٍ، كل هذا على المستوى الفردي مدعوما بما يتحقق على أرض الواقع للأفراد، بينما يعيش هذا الجيل ذاته واقعا عاما محكوما باليأس المزمن الذي تقود إليه كل مسارات العمل الجمعي؛ حيث لا أمل واعدا، ولا أفق مفتوحا، ولا خلاص ممكنا.
الجيل الجديد هو جِيلٌ الانفتاح على الممكن الكوني، دون الانغلاق على اللاّممكن القطري/ القومي، جيلٌ يتمزّق فيه الفرد بين ثقته الكبيرة بنفسه؛ ويأسه المتضخّم من محيطه. وقد كانت الأيديولوجيا ـ فيما لو توفرّت! ـ قادرة على ردم الهوة بين هذا الأمل وذاك اليأس، على سبيل المُسَاوَقة بينهما، بانتهاج ترميم المتداعي المتهالك في المجال العام ـ ولو بخداع الذات ـ عبر التواصل به مع الإنجازات المتحققة في المجال الخاص.
وأخيرا، يبقى السؤال: هل ثمة حاجة لشيء من الأيديولوجيا العابرة للفرديّات، لشيء من الخداع الإيجابي للذات، لشيء من الأحلام الكاذبة، لشيء من الاستثارة العاطفية التي يجري تحفيزها بالخيال؛ لتجسير الهوة بين الشأن الفرداني الخاص والشأن المجتمعي العام؟

