A student, wearing a protective mask due to COVID-19, sits under the shade of trees at the American University of Beirut, one…
طالبة في الجامعة الأميركية في بيروت

كنت أشرت في المقال السابق (جيل غير مؤدلج) إلى أن الجيل الجديد جيل غير مؤدلج بالأيديولوجيات ذات البعد الأممي، ولا حتى ذات البعد القطري/ الوطني، وأن السؤال الذي يُقْلقه أشد القلق ـ بعد تحرره من الأيديولوجيات ـ محصور في: كيف يمكن أن أعيش على نحو لائق، وأستمتع بحياتي قدر الإمكان، موفور الحرية والحقوق والكرامة؟ وأكدت أن جيل اليوم يبدو جيلا "عمليا" بدرجة مُسْتفِزّة؛ حيث لا يسأل عن المكان، ولا عن المؤسسة، ولا عن اختراق الانتماءات، ولا عن ارتباط خياره هذا ـ بالتضاد أو بالتعاضد ـ مع مسائل مصيرية عامة داخل إطاره الانتمائي العام.

هذا التحوّل الذي يتصاعد مع الزمن، بدأت بذوره الخجولة في قلب العالم العربي: في مصر، وتحديدا في السنوات الخمس الأخيرة من حكم السادات (1975 وما بعدها)، وقد أشار الروائي المصري العالمي/ نجيب محفوظ إلى ذلك في كثيرٍ من رواياته التي صدرت بعد هذا التاريخ. أشار محفوظ بتعجب كبير، وبألم كبير أيضا، إلى أن الشباب آنذاك لم يعد يحفل بالشأن العام، وأن الهجرة وتكوين الذات، طغت على كل شيء مقدس، وعلى نحو حاسم، وردّد أكثر من مرة قائلا: كيف أصبحت القضايا التي شغلتنا عشرات السنين، وكنا في شبابنا نخرج من أجلها في مظاهرات دامية قد يسقط المرء فيها قتيلا، مجرد قضايا تافهة في نظر هذا الجيل؟!

طرح محفوظ هذا السؤال التعجبي الحائر عندما كان يناقش شابا لصديق من أصدقائه، كان النقاش في مشروع الشاب للهجرة، وطرح محفوظ مسألة ظروف الوطن، وأن الوطن في هذه الظروف يحتاج له ولأمثاله. طرح نجيب المسؤولية تجاه الوطن، متخيّلا أنه يُحَاجِج بشيء مُقدّس تتضاءل أمامه كل التضحيات الشخصية/ الفردية؛ فما كان من الشاب إلا أن أجابه مُسْتخّفا بالوطن، وبظروف الوطن، وبأن ما جرى ويجري للوطن يجعل كل إنسان مسؤولا عن إنقاذ نفسه، ومن بعده الطوفان!

الجيل الجديد هو جِيلٌ الانفتاح على الممكن الكوني، دون الانغلاق على اللاّممكن القطري/ القومي، جيلٌ يتمزّق فيه الفرد بين ثقته الكبيرة بنفسه؛ ويأسه المتضخّم من محيطه

مؤكد أن هذا التحوّل الذي رصده محفوظ لم يكن وَحْيا نزل من السماء على جيل السبعينيات في مصر، بل كان لما يجري على أرض الواقع أثر بالغ فيه. الهزيمة الساحقة الماحقة 1967، وهزيمة 1973 التي لم تختلف عن الأولى إلا في أنها لم تتمَّ فصولها (فسميت نصرا!)، وما هو أشد من هاتين الهزيمتين المركزيتين، هو التحول الدراماتيكي في سياسة رئيسين، أحدهما شد الدولة والمجتمع إلى أقصى اليسار، فيما أتى الآخر ـ وفيما يشبه القرار الخاص ـ فقرّر نقل الدولة والمجتمع إلى أقصى اليمين. فكانت الآثار الكارثية لسياسة التأميم عند الأول، ولسياسة الانفتاح والخصخصة (التي لم تدرس ولم يخطط لها على مدى بعيد) عند الثاني، في ظرف عقدين، آثار طالت كل تفاصيل الحياة، وشعر الأغلبية أنهم بأنفسهم وعوائلهم، والوطن بسياساته العامة وبأنظمته وهياكله المؤسساتية من ورائهم، أصبحوا مجرد حقل تجارب عبثية لاثنين من العساكر المفتقرين إلى أبسط المؤهلات في هذا المجال.

في هذا السياق، وفي تزامن لافت؛ جاءت ثورة النفط، أو الثورة في أسعار النفط، منتصف السبعينيات؛ لتشكّل عاملا إضافيا يؤكد أن التمركز حول الذات المفردة في سبيل النجاح الأوحد، النجاح للذات أولا، و ـ كتبرير ذاتي، يصدق أو لا يصدق ـ للمجتمع ثانيا؛ على اعتبار أن نجاح كثير من "الأفراد" في مجتمع ما؛ يقود إلى نجاح المجتمع لا محالة. فإذا كان النفط في المجتمعات النفطية قدّم أشد الأدلة سطوعا وحسما على أن شيئا من ثراء تجلبه بعض مصادر الحظ في الطبيعة يُغني عن كل هراء الأيديولوجيات ذات الطابع العام الحالم، فإن كثيرا من الأفراد، وخاصة من ذوي المهارات النادرة في المجتمعات العربية غير النفطية، باتوا على محك الاختبار فيما يخص علاقتهم بالشأن العام في أوطانهم. ففي ظل حقيقة أن أوطانهم تحتاجهم بعد أن تعلّموا فيها، واكتسبوا فيها مهارات ذات قيمة سوقية عالية، و ـ في المقابل ـ في ظل إغراءات هائلة بالانتقال للعمل خارج أوطانهم، وهو الانتقال الذي قد يطول لسنوات بفعل الإغراء المتواصل المتصاعد، بات سؤال: "أنا أو وطني؟"، محل استشكال كبير، حسمه ـ في الغالب ـ حجم الإغراء؛ مِن غير أن تكون ظروف الأوطان ـ كعامل مهم في هذا الحسم ـ خارج نطاق التقدير الظرفي.

استمر هذا التصاعد في الانكفاء على الذات بفعل هذه التحولات وأمثالها داخل العالم العربي. لكن، لم يكن هذا بمعزل عن التحولات الناتجة عن تسارع وتيرة العولمة، خاصة العولمة الإعلامية والثقافية التي كان الفاصل الزمني/ مطلع الألفية الثالثة حاسما فيها. أصبح العالم متقاربا جدا؛ يتراءى في مدى أصابع اليد الواحدة للشاب العربي.

في البداية كان الشاب يرى ويسمع، ويندهش، وبقدر ما يُعْجَب بأنماط الحياة المفتوحة على الجد والعمل والأمل في مغارب الأرض، وفي بعض مشارقها؛ كان يعي بؤسه ـ المتصل عضويا ببؤس مجاله الحيوي ـ على أكثر من صعيد. وفي لحظات خاطفة، وفي حظوظ نادرة وعابرة، استطاع بعض هؤلاء الشباب ـ وبفعل الإمكانيات العابرة للحدود التي وفرتها العولمة ـ المشاركة في ذات المسار المتعولم: الجاد والعامل والآمل.

بتحوّل هذه النجاحات الخاطفة النادرة إلى علامات رامزة في الفضاء الحيوي للتطلّعات الشبابية في العالم العربي، وظهور أصحابها كنماذج مُلْهمة؛ بدأت الأيديولوجيات، والمبادئ الكبرى، والشعارات العريضة التي طالما أسكرت جيل الآباء، تتراءى للجيل الجديد وكأنها فقرات مقتطعة من مسرح كوميدي بائس، أو ـ في أحسن الأحوال، وألطف التوصيفات ـ بدت وكأنها تجاربَ مراهقين حالمين؛ تفتقد إلى كثير من مقومات النجاح؛ لأنها تفتقد إلى كثير من الواقعية، تلك الواقعية التي باتت تفرض حضورها في نجاحات ملموسة وباهرة، يصنعها الأفراد ـ من حيث هم أفراد ـ لأنفسهم، ولا دور للمؤسسات ولا للأوطان ولا للأيديولوجيات فيها, بل هي متجاوزة لكل ذلك، تصنع نجاحها ـ أو حتى فشلها ـ بقرار ذاتي خاص.

ما هو أشد من هاتين الهزيمتين المركزيتين، هو التحول الدراماتيكي في سياسة رئيسين، أحدهما شد الدولة والمجتمع إلى أقصى اليسار، فيما أتى الآخر فقرّر نقل الدولة والمجتمع إلى أقصى اليمين

على امتداد تاريخ هذا التحوّل المتعولم الذي تمدّدت في مساره "الأيديولوجيا الليبرالية" بفعل النجاحات الباهرة للنموذج الرأسمالي (مضافا إليه انهيار المعسكر الاشتراكية على نحو مأساوي وصادم)، كانت الفردانية تسري في عروق المجتمعات الكليانية. بدأت ـ على نحو بطيء، ولكن فاعل ـ مسيرة تحقّق الفردانية في العالم العربي على حساب الانتماءات الجمعانية ذات القاعدة العشائرية. وإذا كنت في الغرب، موطن الفردانية الأصيل، تجد الوطن يُمثّل الانتماء العابر للانتماءات الجمعانية الأخرى؛ كما هو الناظم لسلك الفردانيّات/ القاسم المشترك للتنوع الفرداني، والضامن لإمكانية تحقق الفردانية في الواقع، فأنت في العالم العربي ترى كيف تنمو فردانية الفرد باطراد تأثير العولمة؛ دونما سقف مؤسساتي يضمنها في الواقع؛ ودونما بديل يَنْتَظم ولاءً مشتركا كافيا لتحقيق التواصل العملي المثمر في الفضاء العام.

إذن، الجيل الجديد هو جيل الوقائع؛ لا الأحلام والشعارات الصاخبة، جيل يجترح حياته على أملٍ واعدٍ، على أفق مفتوح، على وعد بالنجاحات اللامحدودة، على خلاص ممكنٍ، كل هذا على المستوى الفردي مدعوما بما يتحقق على أرض الواقع للأفراد، بينما يعيش هذا الجيل ذاته واقعا عاما محكوما باليأس المزمن الذي تقود إليه كل مسارات العمل الجمعي؛ حيث لا أمل واعدا، ولا أفق مفتوحا، ولا خلاص ممكنا.

الجيل الجديد هو جِيلٌ الانفتاح على الممكن الكوني، دون الانغلاق على اللاّممكن القطري/ القومي، جيلٌ يتمزّق فيه الفرد بين ثقته الكبيرة بنفسه؛ ويأسه المتضخّم من محيطه. وقد كانت الأيديولوجيا ـ فيما لو توفرّت! ـ قادرة على ردم الهوة بين هذا الأمل وذاك اليأس، على سبيل المُسَاوَقة بينهما، بانتهاج ترميم المتداعي المتهالك في المجال العام ـ ولو بخداع الذات ـ عبر التواصل به مع الإنجازات المتحققة في المجال الخاص.

وأخيرا، يبقى السؤال: هل ثمة حاجة لشيء من الأيديولوجيا العابرة للفرديّات، لشيء من الخداع الإيجابي للذات، لشيء من الأحلام الكاذبة، لشيء من الاستثارة العاطفية التي يجري تحفيزها بالخيال؛ لتجسير الهوة بين الشأن الفرداني الخاص والشأن المجتمعي العام؟

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.