Demonstrators hold up a banner, reading: "Nationalism is no alternative" during a protest outside the headquaters of the Free…
تظاهرة ضد العنصرية في برلين

"لست من أفريقيا، ولا من أوروبا، ولا من بلاد العرب. أُعرَف أيضا بالغرناطي والفاسي والزياتي، ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا عن أي مدينة، ولا عن أي قبيلة. فأنا ابن السبيل، وطني هو القافلة، وحياتي هي أقلّ الرحلات توقعا".

بهذه الكلمات القوية التي صاغها المبدع الفرنسي ـ اللبناني أمين معلوف، يقدم حسن الوزان أو يوحنا الغرناطي نفسه، وهو من عرفه العالم كأسطورة بين الحقيقة والخيال تحت اسم "ليون الأفريقي".

هو ذاته بشحمه ولحمه الذي عرف معصماه دغدغات الحرير وإهانات الصوف!

الهويات هي وسائلنا الذكية لننتمي، وحين تتحول تلك الهويات إلى عصبيات، فنحن نحولها إلى سلاح قتل وإقصاء مبني على عبث مطلق لا معنى له

تلك الهوية الضاجة بالتناقضات لذات الشخص، هي أول ما خطر على بالي وأنا أقرأ خبر الفتاة "هبة اسكندراني" التي بدأت حياتها بهوية لاجئة فلسطينية ابنة لاجئ فلسطيني، وكبرت في دبي كمقيمة وافدة وتلك هوية بحد ذاتها، وكانت دوما تسافر بوثيقة سفر ممنوحة للاجئين صادرة عن السلطات اللبنانية، وبينما هي في هويتها الأكاديمية كمحاضرة وزائرة في جامعة برمنغهام، بدأت رحلة البحث عن جذورها التاريخية عبر علم الوراثة الذي لا يكذب، ليتبين أن اللاجئة الفلسطينية التي لا تحمل حق حمل جواز سفر، هي من جذور عائلة سفرديم يهودية تم تهجيرها من إسبانيا بعد عام 1492م، وعلى الأغلب فإن أسلاف هبة من المهجرين اليهود حينها قد لجأوا إلى شمال أفريقيا والمغرب العربي، وربما انتقلوا في مراحل لاحقة إلى الإسكندرية، يهودا أم مسلمين لا أحد يمكن أن يجزم، ثم إلى بر الشام وقد حملوا معهم لقبهم "إسكندراني" فصار كنية العائلة وهويتها، وهي التي تم طباعتها على وثيقة اللجوء وكل بطاقات التعريف لهبة، التي استعادت جذورها كيهودية من إسبانيا فمنحتها إسبانيا الجنسية حسب القانون.

في المحصلة، كانت هبة هي ذاتها هبة، في كل رحلتها عبر كل تلك الهويات، وكان الثابت الوحيد فيها هويتها كإنسان، يبحث عن أمانه ضمن منظومة مجتمعات بشرية مختلفة ومتفاوتة، فلم ينصفها إلا العلم، والعلم وحده.

♦♦♦

الهويات القاتلة، هو أيضا عنوان اجترحه بعبقرية أمين معلوف ووضعه تعريفا لكتاب حول موضوع الهويات وأبدع فيه.

تلك الهويات التي نحملها لنندمج في جماعة، فننتهي بها وهي تحملنا كعصبيات مشدودة على وتر الاستفزاز.

شخصيا، أفكر منذ فترة بخوض تجربة الفحص الوراثي لمعرفة كم الهويات المختلط الذي ورثته على صيغة جينات هي أساس تكويني وكياني، وتصبح الفكرة مغرية أكثر وأنا أتأمل ابنتي بترا، وهي حاصل "جمع وطرح وضرب وقسمة" أب مقسوم نصفين بين أصول حورانية شمال الأردن وأصول قوقازية شمال الكوكب، وأم أيضا منقسمة بين أب من أصول "حلبية ـ تركية" وأم مجرية تجاور الدانوب الأزرق.

لا ينتبه أحد مثلا أن نابليون بونابرت الذي غزا العالم ليقيم إمبراطوريته الفرنسية كان من أصول إيطالية، وهذا لم يمنعه من احتلال إيطاليا ومحاربتها وسفك الدم فيها ليقيم أمجاده الشخصية

ربما فكرة الفحص الوراثي هي أكثر هدية تحمل قيمة حقيقية أتركها لابنتي لتعرف أن هويتها الإنسانية، هي الثابت الوحيد في كل موجات الهويات العابرة للجينات أو الهويات التي نلجأ إليها لننتمي حيث نحب لا حيث نضطر مرغمين.

♦♦♦

الهويات هي وسائلنا الذكية لننتمي، وحين تتحول تلك الهويات إلى عصبيات، فنحن نحولها إلى سلاح قتل وإقصاء مبني على عبث مطلق لا معنى له.

لم يخطر ببال موظف الجمارك النمساوي في الدولة البروسية (المجر والنمسا) أن ابنه "أدولف" سيكون عصبويا للعرق الآري ويقود ألمانيا على أساس النقاء العرقي للألمان!

ولا ينتبه أحد مثلا أن نابليون بونابرت الذي غزا العالم ليقيم إمبراطوريته الفرنسية كان من أصول إيطالية، وهذا لم يمنعه من احتلال إيطاليا ومحاربتها وسفك الدم فيها ليقيم أمجاده الشخصية.

لقد كان بشير ابن بيار الجميل عدوا شرسا للفلسطينيين اللاجئين إلى لبنان، وكذلك اعتبره الفلسطينيون ولا زالوا عدوا لدودا للقضية.

المسيحي الماروني الشيخ بيار الجميل الذي أسس حزب الكتائب واستوحاه من شبيبة هتلر النازية، كان متوافقا في تلك الفكرة والمحبة لتنظيمات هتلر مع صديقه الفلسطيني الحاج "أمين الحسيني" الشيخ الإسلامي والمفتي زعيم الثورة الفلسطينية الأولى، حتى أن الشيخ الحسيني أقام ضيفا لمدة عامين عند الماروني بيار، وأحب الماروني ذلك الشيخ الفلسطيني حتى أنه سمى ابنه البكر على اسمه، فكان رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق أمين الجميل.

فتخيل حجم سخافاتنا كلها يا رعاك الله!

♦♦♦

تلك "حيلة الهويات والانتماءات" كانت مجدية في عوالم تلك الأزمان، لكن عالمنا اليوم لا مكان فيه للحيلة كي تعيش أمام الحقائق العلمية، ونحن هنا لا نتحدث عن المادة الوراثية التي ستكشف مفاجآت في الأصول والأعراق والأنساب، لكن هو عالم الثورة المعلوماتية والتكنولوجيا التي لا تزال تمحو الحدود وتعيد تشكيل مفاهيم العلاقات الإنسانية والدولية لتصبح متصالحة مع واقع ما نعيشه من تفاصيل يومية.

في اللحظة التي سأنهي فيها مقالي هذا، سأذهب إلى هاتفي الذكي لأتواصل مع صديق من السلفادور، وعدني بتحضير توابل محلية، لنتفق على سعرها وشحنها لي.

تلك الهويات التي نحملها لنندمج في جماعة، فننتهي بها وهي تحملنا كعصبيات مشدودة على وتر الاستفزاز

زوجتي في الأثناء، ذهبت إلى عملها في المدرسة البلجيكية الحكومية، لتفض النزاع اليومي بين أطفال من أصول تركية وعربية وأفريقية وبلجيكية وبعض الهويات الأوروبية، وكلهم يتحدثون الهولندية في منظومة قوانين واحدة.

ابنتي، حاصل جمع ما أعرف وما لا أعرف من هويات حية وغابرة، هي الآن في صفها الدراسي، تحاور صديقتها البلجيكية ـ الأرمنية، وكالعادة ستشكو لي من الصبي البلجيكي الفظ، والذي لا تعرف هي أن أباه مهاجر من شمال أفريقيا وأمه هولندية.

سأنهي كل ذلك، وأنتهي بصفحات التواصل الاجتماعي العربية وهي تخوض حروب داحس والغبراء لا تزال، إما لبيان المتهم الحقيقي في جريمة مقتل الخليفة عثمان، أو للتخندق بين معسكرين (قلب مع علي أو سيف مع معاوية) في جدلية عبثية لا تنتهي حتى اليوم.

وهلم جرا.. ومجرورا للمرور بكل مفاصل تاريخنا المقسوم بين هويات قاتلة.

لقد حاصرنا أنفسنا داخل دائرة طباشير مرسومة حولنا منذ ألف عام.

فهل من ممحاة؟

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.