President of the Islamist party Ennahda and candidate for the Parliamentary election Rached Ghannouchi votes in a polling…

في تجربة الإخوان المسلمين في السودان تحولت مقولة "الثورة تأكل أبناءها" إلى العكس تماما عندما تنكر تلاميذ المؤسس الفعلي للجماعة الدكتور حسن الترابي له وأبعدوه من قيادة الحزب ورئاسة البرلمان في نهاية العشرية الأولى من حكمهم الإنقلابي العسكري الذي أطلقوا عليه زورا مسمى "ثورة الإنقاذ الوطني"، فحق عليهم القول إن الجماعة أكلت أبيها.

انجلى الصراع بين الترابي وأبنائه العاقين بتمايز الصفوف بصورة واضحة، فقام الأول بتكوين حزبه الخاص وانتقل لصفوف معارضة الحكومة حيث دخل السجن أكثر من مرة بعد أن أصبح من أكثر الناقدين للجنرال المخلوع عمر البشير وحكومة تلاميذه السابقين التي وصفها بالفاسدة والمجرمة والمستبدة.

أكتب هذا المقال وبين يدي خبر يفيد بأن ما يفوق المئة من قيادات حركة النهضة التونسية وقعوا عريضة بعنوان "مستقبل النهضة بين مخاطر التمديد وفرص التداول"، يطالبون فيها رئيس الحركة راشد الغنوشي بعدم الترشح لولاية ثالثة على رئاستها، واشتملت قائمة الموقعين على العريضة أعضاء من المكتب التنفيذي ومجلس الشورى، وهما أعلى سلطة في الحزب، إضافة إلى نواب بالبرلمان وقيادات جهوية وأعضاء المكاتب المحلية للحركة.

القراءة المتفحصة لعريضة المئة قيادي بحركة النهضة، تبين بجلاء أن المؤتمر القادم للحركة سيشهد صراعا بين تيارين يسعى كلاهما لإزاحة الآخر

واعتبر موقعو العريضة أن إعلان الغنوشي عدم ترشحه "سيؤكد مبدأ التداول القيادي، وسيوفر شروط نجاح المؤتمر الحادي عشر نهاية العام الحالي"، حيث ينص الفصل 31 من النظام الأساسي المنقح للحركة والمتعلق بشروط انتخاب رئيس الحزب على أنه لا يحق لأي عضو أن يتولى رئاسة الحزب لأكثر من دورتين متتاليتين، وهو ما يمنع إعادة انتخاب الغنوشي لرئاسة الحركة خلال مؤتمرها العام.

لم يتأخر الغنوشي كثيرا في الرد على العريضة المطالبة بتنحيه، حيث قال في رسالة لم تخل من نبرة التحدي والاستعداد للمواجهة إن "الزعماء جلودهم خشنة، يتحملون الصدمات، ويستوعبون تقلبات الزمان، ويقاومون عامل التهرئة"، واعتبر أن المطالبين بعدم ترشحه لعهدة جديدة "يتغطون بالديمقراطية لفرض وصايتهم على المؤتمر القادم بشروط إقصائية مسبقة لا ديمقراطية في سبيل استبعاد زعيم الحركة".

الغنوشي (79 عاما) الزعيم التاريخي لحركة النهضة، يعتبر نفسه تلميذا للدكتور الترابي الذي سعى دوما لإبراز موقف خاص لجماعته في السودان يميزه عن الجماعة الأم في مصر والتنظيم الدولي وله اجتهادات فكرية وتنظيمية متقدمة أعجب بها الغنوشي ونقلها لحركته، وكانت روابط الجماعتين في تونس والسودان قد بدأت منذ سبعينيات القرن الفائت، حيث تميزت جماعة الترابي بالخبرات الكبيرة خاصة في مستوى العمل النسوي والطلابي، وكانت قيادات الاتحاد الطلابي الإسلامي وطلبة النهضة يقومون برحلات إلى الخرطوم لكسب التجربة من نظرائهم السودانيين.

تعززت العلاقة بين الرجلين والجماعتين بعد سيطرة الترابي وأتباعه على الحكم في السودان عام 1989، حيث قام السودان بإيواء المئات من عناصر حركة النهضة الهاربين من المواجهة الشرسة مع دولة زين العابدين بن علي ومن بينهم نجل الغنوشي معاذ، كما تم منح الشيخ الغنوشي نفسه جواز سفر سوداني.

تذرع تلاميذ الترابي في انقلابهم على شيخهم بعدة أشياء ضمنوها عريضة شبيهة بالتي قدمها المئة قيادي بحركة النهضة عرفت باسم "مذكرة العشرة" وقعها عشرة قياديين في الحزب وقدموا فيها مقترحات لإصلاحات هيكلية رأوا أنها أساسية لإصلاح جسم الحركة والتنظيم كما طالبوا بضرورة "توسيع الشورى وتيسيرها وإكسابها معنى وأثرا"، ولكن الهدف الأبعد كان يتمثل في تقوية مركز الجنرال البشير الذي كان يترأس الحزب وتحجيم صلاحيات الترابي الذي كان يمسك بكل الخيوط بوصفه الأمين العام للتنظيم.

بالطبع لم يصمت الترابي المعروف بعناده الشديد وقاد بنفسه حملة للحشد والتعبئة داخل صفوف الحزب شملت مختلف ولايات السودان بهدف تجريد البشير من صلاحياته ومنع الجمع بين منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحزب الحاكم، فضلا عن الحد من عضوية القوات النظامية في الحزب والعمل السياسي عموما.

في خاتمة المطاف لم تجد مجموعة العشرة وسيلة للتصدي للترابي سوى حث الجنرال المخلوع على استخدام سلطة الدولة من أجل إقصائه بشكل كامل من الحزب والسلطة، فارتدى الأخير بزته العسكرية وظهر في التلفاز ليذيع حزمة من القرارات تضمنت إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وأرسل الدبابات لتحاصر مبنى البرلمان وتمنع الترابي من الدخول.

قد تكشف بمرور الأيام أن الاختلاف بين الترابي وتلاميذه لم يكن سوى نزاع حول السلطة والنفوذ، وأن ادعاء كل طرف من الأطراف المتبارزة السعي لترسيخ الشورى والديمقراطية كان مجرد واجهة لإخفاء طبيعة الصراع، وكانت النهاية هي مجموعة من الانشقاقات في صفوف الحزب بدأها الترابي الذي خسر معركة السلطة لصالح الطرف الآخر الذي وقف على رأسه أقرب تلاميذه إليه وهو الأستاذ على عثمان محمد طه.

إن تلاميذ الترابي الذين أبعدوه من الحزب بحجة توسيع مواعين الشورى وإكسابها معنى وأثرا، هم أنفسهم من أقاموا أسوأ نظام استبدادي عرفه السودان في تاريخه الحديث، حيث مارسوا فيه كل أنواع الكبت والعسف والتضييق على المعارضين، واحتكروا موارد الدولة لأتباعهم مما حدا بالشعب للخروج للشوارع والثورة عليهم حتى سقط نظام حكمهم الشمولي الفاسد.

تعجز حركات الإسلام السياسي عن ممارسة الديمقراطية الداخلية في حدها الأقصى بسبب بنيتها الفكرية المغلقة التي تقوم على الطاعة

القراءة المتفحصة لعريضة المئة قيادي بحركة النهضة، تبين بجلاء أن المؤتمر القادم للحركة سيشهد صراعا بين تيارين يسعى كلاهما لإزاحة الآخر، وقد بدأ الصراع مبكرا حول عناوين براقة من شاكلة السماح بالتداول القيادي وإفساح المجال، تماما كما دعت مذكرة العشرة لتوسيع مواعين الشورى وإصلاح جسم الحزب.

ومثلما فعل أستاذه الترابي مع تلاميذه، فإن الرد الذي صدر عن الشيخ الغنوشي يوضح بصورة لا يطالها الشك أن الرجل لن يستسلم أو ينحني للعاصفة، بل سيمضي في حشد أنصاره لمنازلة التيار الآخر، وهو الأمر الذي تؤكده التصريحات التي صدرت عن أحد أتباعه، سيد الفرجاني، الذي وصف العريضة بأنها "حشدا مبكرا ضد رئيس الحركة قبل موعد انعقاد المؤتمر".

تعجز حركات الإسلام السياسي عن ممارسة الديمقراطية الداخلية في حدها الأقصى بسبب بنيتها الفكرية المغلقة التي تقوم على الطاعة، وبالتالي فإن الصراع داخلها عادة ما ينتهي بالإقصاء والتصفية في حالة الأفراد بينما تؤدي خلافات التيارات إلى الانشقاق والتشظي، فهل تأكل حركة النهضة التونسية أبيها مثلما فعلت نظيرتها السودانية مع مؤسسها الحقيقي الذي قادها للسلطة؟

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.