(FILES) In this file photo taken on August 9, 2020, a graffiti drawn on the side of a road reading in Arabic "my country did…

الخطاب السياسي في لبنان اليوم متخم بالعبارات التي تتظاهر وكأنها ذات مضمون متقدم، فيما هي في الغالب شاهدة على النظارات الطائفية التي ارتضاها أصحابها وإن بمزاعم جامعة. المعضلة هي أن هذه النظارات لا تصحح قصر النظر الوطني لديهم، بل هي تدفع باتجاه "إنجاز" لا يمكن التفاخر به.

"الشيعية السياسية"، كما "السنية السياسية"، من العبارات التي لا معنى لها البتة، إلا الإشارة إلى الهوية الطائفية للشخصيات السياسية المقصودة، تعبيرا عن تضخّم الوعي الطائفي لدى صاحب القول وطمعا بتعبئة القاعدة الطائفية. يراد بها نظريا أن تحاكي "المارونية السياسية". ولكنها لا تفعل.

لم يكن الكاتب اللبناني منح الصلح موفقا عندما ابتكر مصطلح "المارونية السياسية" في ستينيات القرن الماضي. ولكنه أراد بالفعل الإشارة إلى ظاهرة متحققة، وهي أن الزعامات السياسية المارونية، إذ اختلفت وتصارعت، وشكلت الأحلاف فيما بينها، كما "الحلف الثلاثي" بين الكتائب والأحرار والكتلة الوطنية يومها، واعترضت على "العهد"، أي رئاسة فؤاد شهاب، فإنها جميعها بقيت متفقة على المحافظة على معادلة "6 و6 مكرّر" ـ والتي كانت توزّع المناصب والمراكز الحكومية على أساس ستة للمسيحيين مقابل كل خمسة للمسلمين، مع تخصيص المواقع الرئيسية (مثل رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وحاكمية المصرف المركزي للطائفة المارونية).

العماد عون يفاخر بأنه منذ التوقيع لم يتعرض أي مسيحي لأية صفعة على طول المدى اللبناني. المنطق "الذمي" هو الذي يعتبر أن الإذلال هو الأصل وهو المنتظر، والنجاة منه هو الإنجاز

"المارونية السياسية"، كما فهمها أول من استعملها، هي ممارسة للسياسة على مستويين، داخلي ضمن "الطائفة" يحتمل الخلاف، بل لا يخلو منه، وخارجي على مستوى الوطن يلتزم بالإجماع (الداخلي) للمحافظة على الامتيازات.

ليس من حالة شبيهة اليوم لا في أوساط "الشيعة" ولا "السنة". وإذا كان ثمة استمرار لـ "المارونية السياسية" في أن الساحة السياسية المسيحية اللبنانية تفتقد الطرف المهيمن، فإن الإجماع فيها، وإن تحقق، لم يعد وازنا كما في المرحلة السابقة، لا حصيلة تبديل عددي، بل نتيجة تفريط تاريخي من جانب من يدعي القوة ويسعى إلى الهيمنة وسط هذه الساحة.

كان الأجدى بمصطلح منح الصلح أن يصفّ الازدواجية في المواقف السياسية لدى الساسة الموارنة في الستينيات بما ينسبها لأصحابها، أي الزعامات الإقطاعية، وليس اعتماد صيغة التسمية الطائفية والتي تفترض كامل التماهي بين الزعامات وقواعدها. إذ في حين أنه، دون شك، كان لهذه الزعامات الإقطاعية (ولا يزال) قدر من الوزن التمثيلي، غير أن المستجد في لبنان، في الستينيات بالتأكيد وعلى مدى تاريخه كدولة حديثة، هو نمو التواصل والترابط أفقيا، على أساس طبقي ومناطقي وعقائدي ومصلحي، بما يتحدى العلاقة العمودية بين الزعامات وقواعدها.

غير أن منح الصلح، وهو صاحب التوجه العروبي المعتدل (أي الداعي إلى تغليب الهوية العربية والسير بمقتضاها سياسيا، دون الإصرار، كالعديد من العروبيين القطعيين، على تذويب لبنان في "الوطن العربي" ونفي كيانيته)، يبدو معذورا في هذا الإجمال المجحف، عند اعتبار ما أقدم عليه الحزب الشيوعي اللبناني، والذي كان يومها أقدر التشكيلات السياسية اللبنانية على تجاوز المنطق الطائفي، بحكم عقيدته وتركيبته الاجتماعية والثقافية والطبقية العابرة للطوائف. فهذا الحزب، بدلا من أن يكون الناطق الرسمي بلسان "لبنان الأفقي" الضارب لبنيان الطوائف العمودي، إذ به يتحف الجمهور اللبناني، ويثري أدبيات اليسار العالمي، بمقولة "الطبقة ـ الطائفة"، والتي تعتبر أنه، في السياق اللبناني، يتوجب النظر إلى "الطائفة المارونية" على أنها متطابقة مع الطبقة الرأسمالية والتي لا بد أن تواجه لهدف إسقاطها بغية إقامة المجتمع الاشتراكي.

مقولة "الطبقة ـ الطائفة" لم تكن وحسب هدية للزعامات الإقطاعية المارونية بل، دامت خيرات الحزب الشيوعي، كانت هبة سعيدة لكافة الزعامات الطائفية وللشرائح الاقتصادية العليا الحاصلة على حصة الأسد من الثروة، بغضّ النظر عمّا يرد في سجلات نفوس أفرادها من انتماءات دينية. فإذا كان الشيوعيون، المؤتمنون على الجدلية التاريخية والمادية العلمية، قد شخّصوا الداء بطائفة، بما يتيحه هذا التشخيص من تعبئة وحشد لصالح النخب في كل الطوائف، فإنه يكاد ألا يبقى أحد لتقديم قراءة خارج القيد الطائفي.

رغم أن الشيوعيين اللبنانيين لم يطوّروا مقولتهم هذه فيما يتعدى الطرح العام، غير أن انسجامها مع المتداول سياسيا وفكريا جاء ليؤكد القناعة بأن الطائفية حالة عضوية، أصلية وطبيعية، وإن جرى التكاذب علنا بخلاف ذلك. بل كما أن طائفة ما بوسعها أن تعبّر عن طبقة رأس المال، فإن التوجه الضمني كان أن طائفة أخرى يمكن أن تختزل العمال والفلاحين، أو "المحرومين". أي أن منن اليسار شملت أيضا تقديم التسهيل المعنوي للتنظيم العمودي الجديد للطائفة الشيعية المستحدثة في الستينيات، ليفكّ قيد الأبوية السنية بنيويا ويستبدله بآخر ذي صناعة ذاتية، يستقطب الشرائح الشيعية، فيما يتعدى الزعماء والأعيان والعلماء، بما يتلاءم مع ما كان قد تأصّل في هذه الشرائح من قناعات أفقية ووعي طبقي.

مفهوم "التعددية الحضارية"، والذي أشهره في منتصف السبعينيات وليد فارس، وهو اليوم مقيم في الولايات المتحدة ومن أبرز الوجوه الفكرية المعنية بالشرق الأوسط فيها، وافق بدوره على الطبيعة العضوية للطائفة، ولكنه، مع بعض التوسيع لعدم الاقتصار على الطائفة المارونية، استبدل التعريف الطبقي الملتوي بآخر أساسه التجربة التاريخية والدينية. وفي حين أن "التعددية الحضارية" كانت وحسب دفعا وتأصيلا لمقولة "لبنان ذو الوجهين" والتي أرساها ميثاق الاستقلال، فإن المد الخطابي العروبي كان قد جرف "الوجهَيْنية" باتجاه فرض عروبة تأحيدية على الهوية اللبنانية، ليغدو معها الانحياز بالاتجاه الآخر، نحو التمايز والتعدد، خيانة تستوجب الاستهجان.

واقع الأمر أن لبنان يعيش دون شك حالة تعددية حضارية، مشرقية ومتوسطية. هي تعددية قائمة على التداخل لا التمايز، ومفرداتها ليست الطوائف، أي أن "خطوط التماس الحضارية" ـ إن تواجدت، بل هي أقرب إلى مساحات تماس ـ لا تتطابق مع التوزيعات الطائفية بل تقتحم الصروح الطائفية المتوهمة لتجمع تماهيات طبقية ومناطقية ومعيشية وقيمية، وإن صحّ أن هذه الاصطفافات ليست متساوية بين الطوائف.

من يدعو إلى إعادة النظر بالمناصفة ليس بالضرورة من الساعين لتحقيق وعد لبنان بأن يكون وطنا لمواطنيه، بل عادة ما يعمد إلى توظيف هذه الدعوة في سياق الاحتراب الطائفي الداخلي

ليس في هذه التعددية انتفاء لـ "عروبة" لبنان، دون الاقتصار عليها. بل ربما جاز القول، كما سبق للعروبيين أن اعتبروا أن الإسلام هو ناتج حضاري "عربي"، بالمعنى القومي للكلمة، أن العروبة هي بحد ذاتها ناتج حضاري "مشرقي"، بالمعنى المكاني للكلمة، قبل أن تنتقل خارجه بأشكالها ومضامينها المتبدلة على مدى المحيط اللغوي العربي.

العلّة في "التعددية الحضارية" التي ظهرت في السبعينيات، ثم ضمرت في الخطاب والنصوص دون أن تزول من النفوس، هي أنها جُيّرت للفرز الطائفي، وجُعلت معيارا للطارئ والأصيل، كما للأعلى والأدنى. بل هي تجيز الاستمرار بقناعات حول "الكمية" و "النوعية"، الاعتماد عليها قائم لتبرير الطبيعة المتفاوتة لنظام التمثيل السياسي في لبنان. ما لا شك فيه أن النظام السياسي في لبنان يعاني من إشكالية بنيوية خطيرة تتطلب حوارا غائبا في السعي إلى التوفيق، أو أقلّه الاعتبار، بين مبدأ "المناصفة" المسيحية الإسلامية مع واقع الاختلال العددي الكبير لغير صالح المسيحيين.

"المناصفة" ليست لبنان حكما، أي أنه يمكن لهذا الوطن أن يقوم دونها. غير أن هذا التمييز هو على الغالب كلام حق يراد به باطل. أي أن من يدعو إلى إعادة النظر بالمناصفة ليس بالضرورة من الساعين لتحقيق وعد لبنان بأن يكون وطنا لمواطنيه، بل عادة ما يعمد إلى توظيف هذه الدعوة في سياق الاحتراب الطائفي الداخلي.

كان من المفترض بصيغة "6 و6 مكرر" السابقة للمناصفة أن تهيئ لقيام لبنان الوطن لمواطنيه، لبنان المساواة. أما الواقع فهو أن الأجيال اللبنانية المتعاقبة منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 قد فشلت في بلوغ هذا الهدف. المقايضة التي أرستها "الجمهورية الثانية" هي التراجع عن "6 و6 مكرر"، مع الإقرار بما تنضوي عليه من "غبن" لـ "المسلمين"، في مقابل التخلي عن افتراض المرحلية للترتيب السياسي الطائفي، وهو افتراض كان كاذبا على أي حال. أي أن تصبح "المناصفة" ثمة ثابتة ملتصقة بلبنان، إلى أن تتبدل الظروف في مستقبل ما وتظهر إمكانية التطوير.

"المناصفة" هي بالتالي الإقرار بالفشل في تجاوز الطائفية، وتراجع، من وجهة نظر جماعية مسيحية، إلى الحد الأدنى المقبول للمحافظة على حضور سيادي للهوية المسيحية غير خاضع لأية "ذمية"، سواء بالمعنى القديم، وهي ذمية لم تخضع لها الكنيسة المارونية قط في تاريخها، أو بالمعنى الجديد، أي الانضواء تحت الحماية المتحققة بالتبعية لطرف إسلامي سمح.

"المناصفة" بدورها تترنح عند حدود الفشل. بل قد يشهد التاريخ لميشال عون ومعه "التيار الوطني الحر" بأنه قد حقق بالفعل إنجازا غير مسبوق، بأن جعل من مسيحيي لبنان "ذميين"، بعد 1400 سنة من الحرية والصمود.

"تفاهم مار مخايل" مع "حزب الله"، وما تلاه من ترتيبات، هو "عقد ذمة". قد يكون مستوفيا للشروط الشرعية، أو غير مستوفٍ لها، ولكنه عقد "ذمة" بالتأكيد، بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإن تباين المعنى الاصطلاحي.

العماد عون يفاخر بأنه منذ التوقيع لم يتعرض أي مسيحي لأية صفعة على طول المدى اللبناني. المنطق "الذمي" هو الذي يعتبر أن الإذلال هو الأصل وهو المنتظر، والنجاة منه هو الإنجاز. صهر العماد الرئيس وولي عهده يبلغ أعضاء التيار بأن التعويل على سلاح "الرادع" هو السبيل للخلاص من تضخم اللجوء الفلسطيني والسوري. لا الجيش اللبناني، لا علاقات لبنان الدولية، لا الإرادة الوطنية. بل سلاح "حزب الله".

لبنان، والوجود المسيحي في لبنان، بذمة "المقاومة الإسلامية" التابعة لولي أمر المسلمين في طهران. حفظه الله ورعاه. أما أنصار هذا "الرادع" فيذكّرون الجميع، بفائق الغضب لعدم الإقرار بالجميل، بأن مجاهديهم هم الذين أنقذوا اللبنانيين كلهم من القتل، واللبنانيات من السبي والاغتصاب.

عزاء أنصار الرئيس وولي عهده، وهو عزاء وهمي، هو أن معظم الطبقة السياسية، المتورطة بالفساد والراضخة بالسلاح، هي بدورها في حالة ذمية صريحة إزاء صاحب قوة الأمر الواقع

الحقائق على الأرض طبعا مختلفة. لا "الدولة الإسلامية" شكلت يوما خطرا وجوديا للبنان، ولا "حزب الله" دخل الحرب السورية لمواجهتها، بل جلّ من قتلهم ورحلّهم إلى لبنان من السوريين لا يمتون إليها بصلة، ولا اللبنانيون ولا اللبنانيات بحاجة إلى حماية من أرسل لتحقيق أغراض لا علاقة لوطنهم بها، ويوم تكون الحماية مطلوبة فإن اللبنانيين واللبنانيات يتولون أمرهم وأمرهن بأنفسهم وأنفسهن، وليس من شكر متوجب لـ"حزب الله"، بل الحزن وحسب لمن ضحّى به هذا الحزب من شباب لبنان ومن آذاه من أهل سوريا.

عزاء أنصار الرئيس وولي عهده، وهو عزاء وهمي، هو أن معظم الطبقة السياسية، المتورطة بالفساد والراضخة بالسلاح، هي بدورها في حالة ذمية صريحة إزاء صاحب قوة الأمر الواقع. بل هو يقتل منها من يشاء وليس من يعاقبه، أو من يتجرأ عليه.

"المناصفة" اليوم صورية وحسب. ومن شأن الطبقة السياسية أن تتابع التلهي بالتمسك بوزارة التوقيع الثالث، والتهويل بالدولة المدنية النافية للمناصفة، أو بتسجيل النقاط بمنع توظيف حراس الغابات لانعدام الأعداد المتساوية، ولا همّ إن احترق ما تبقى من غابات لبنان.

لبنان، في خضمّ أزماته الوجودية حقيقة، الاقتصادية والبيئية والإدارية والمعيشية، بحاجة ماسة إلى حوار يتجاوز الذميين من الطبقة السياسية، ويشرع بتصور واقعي للهوية والتاريخ اللبنانيين، بما يبدد إمكانية توظيف المصطلحات المسيئة للمزيد من الإضرار بالمستقبل الوطني.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.