A Jordanian woman casts her ballot in parliamentary elections at a polling station in Amman Jordan, Tuesday, Sept. 20, 2016…
سيدة أردنية ترفع اسم من ترغب بالانتخاب في مركز للتصويت في عمان خلال انتخابات 2016

كنت مُتيقنا أن جماعة "الإخوان المسلمين" في الأردن ستتخذ قرارا بالمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة في العاشر من شهر نوفمبر المقبل.

رغم الأزمة التي تعيشها الجماعة فإن قرار المقاطعة كان يعني مزيدا من العزلة السياسية، والمخاطرة في قطع "شعرة معاوية" التي لا تزال تربطها في النظام والدولة في الأردن.

قرار المشاركة بالانتخابات لجماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي "حزب جبهة العمل الإسلامي" لم يكن سهلا وهي تتلقى الضربات الموجعة، ولكن خياراتها أحلاها مُر بعد حالة التفسخ والانشطار التي عاشتها الحركة الإسلامية خلال السنوات الماضية، والحصار الدولي والإقليمي الذي تتعرض له منذ هزيمة مشروع "الربيع العربي"، وانحسار الفرص إن لم يكن موتها بوصولها للسلطة في البلدان التي عاشت التغيير.

يقرأ الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي مراد العضايلة المشهد جيدا وهو يخبرني بحيثيات قرار الحزب في المشاركة، ويؤكد أن القرار حُسم بمشقة وبأغلبية نسبية قليلة بسبب الاعتداءات السافرة على الحقوق والحريات، ويصف الوضع بالقول "انتخابات بدون حريات".

قرر حزب جبهة العمل الإسلامي المشاركة بالانتخابات وتجنب المخاطرة بقطع "شعرة معاوية"

يدرك العضايلة والكثير من قيادات الحركة الإسلامية أن خروجهم من اللعبة السياسية في هذا الوقت بالذات تعني إطلاق الرصاص على رؤوسهم وموتهم، فالمناورات التي كانت تُدار بين "الصقور والحمائم" داخل أسوار قلعة الإخوان وتوزيع الأدوار في صراعهم مع الحكم لم تعد ممكنة الآن، فالتخلص منهم بات مطلبا خارجيا، وهم رغم الحديث عن مظلوميتهم يشعرون بالامتنان للنظام السياسي الذي أبقى لهم هامشا من المناورة، ولم يقدمهم كبش فداء.

لن يقول لك أكثر الإسلاميين اعتدالا هذا الكلام، إلا أنهم يعرفون أن المغامرة في خسارة العلاقة مع النظام السياسي في الأردن ليست خيارا، فإذا ما استثنيت تجربة الإسلاميين في تونس والمغرب ـ وهي بالمناسبة تواجه تعثرا وتحديات كثيرة الآن ـ فإن الأردن حافظ على مقاربة مختلفة في العلاقة مع الإخوان لعقود طويلة وكانوا لسنوات خلت شركاءه في الحكم.

حين هنأت رئيس الهيئة المستقلة للانتخاب خالد الكلالدة بقرار حزب جبهة العمل الإسلامي بالمشاركة بالانتخابات، أجابني بهدوء "كنت أتوقع مشاركتهم، فهم حزب يلعب السياسة باحتراف ولديهم آليات ديمقراطية داخلية لاتخاذ القرار".

يؤطر وزير الشؤون السياسية والبرلمانية موسى المعايطة المشهد بالتذكير أن المشاركة السياسية بالانتخابات هي الأصل للوصول إلى البرلمان وتمرير البرنامج السياسي لأي حزب.

وحين أجادله بالضغوط السياسية والبيئة السياسية الطاردة التي يتحدث عنها قيادات الأحزاب، لا يوافقهم ويرى أن التحديات تتطلب التمسك أكثر بأبجديات العمل الديمقراطي وأولها خوض الانتخابات من أجل تحقيق التغيير.

تُشارك جميع الأحزاب في الانتخابات المقبلة باستثناء "حزب الشراكة والإنقاذ" الذي أعلن عدم المشاركة، ويرى أبرز قادة الحزب سالم الفلاحات أن العمل الوطني لا يجوز أن يُكرس ويرتبط بالانتخابات، ومن يفعل ذلك يرتكب خطيئة، مُعتبرا أن حزبهم يطرح مشروع إنقاذ وطني.

الفلاحات الذي شغل منصب المراقب العام للإخوان المسلمين قبل طلاقه معهم يعتقد أن البرلمان القادم مطالب بإعطاء شرعية لاستحقاقات سياسية خطيرة، أبرز عناوينها التطبيع العربي الإسرائيلي.

لا يقبل الفلاحات اتهامات التخوين التي توجه لمن أعلنوا مشاركتهم بالانتخابات، لكنه يرى أن الإخوان شاركوا لتخفيف الضغط عليهم، ويعتبر أن تقديرهم للقرار غير صحيح، وسيخسرون موقفهم الشعبي، وهو لا يجد حزبه وحيدا كمقاطع للانتخابات ويقول "هناك ضمائر مُستترة معنا ولم تتحدث".

الانتقاد لقانون الانتخاب، والشكوى من الانتهاكات للحريات العامة توافق عليها أيضا الأمين العام لحزب الشعب الديمقراطي عبلة أبو علبة، غير أنها لا تؤيد خيار المقاطعة، وترفض ترك الميدان الشعبي، وتُصر على أن البرلمان ساحة التغيير، ومنبر لإيصال صوتهم، ومن يختار المقاطعة يتعرض للعزلة والتآكل.

مقاطعة الانتخابات خروج من اللعبة السياسية وإطلاق للرصاص على رؤوسهم وخياراتهم أحلاها مُر

قرر "الإخوان المسلمين" خوض الانتخابات بعد أشهر من الانتظار، غير أن حملات التشكيك لم تتوقف، وكالعادة في كل انتخابات فإن الهمس يُسمع في الصالونات السياسية لعمّان أن "صفقة" عُقدت بين الجماعة والسلطة تحدد شكل مشاركتهم وترشحهم في الانتخابات المقبلة، وأن تفاهمات حدثت على سقف المقاعد التي سيحصلون عليها، وهو الكلام الذي أضحك العضايلة؛ فمازحني مطالبا تدخلي لعقد هذه الصفقة، في إشارة إلى خطوط الاتصال المقطوعة مع الحكم وأجهزته الأمنية.

تقدم الحركة الإسلامية مشاركتها بالانتخابات كخطوة ضرورية للحفاظ على مؤسسات الدولة الدستورية، وقطع الطريق أمام المشاريع المشبوهة التي تستهدف الأردن وهويته باعتبارهم حائط صد يمنع ذلك، ويعلنون أن غيابهم عن الانتخابات يُعد انسحابا من المعركة، وأن مشاركتهم رافعة للعمل الوطني، وإسنادا للثوابت العليا.

مهما كانت المبررات التي يسوقها قادة الحركة الإسلامية فإن التاريخ القريب والبعيد يشي أنهم قاطعوا انتخابات متعددة في ظروف أقل تعقيدا، وكانت خطوطهم مع السلطة مفتوحة أكثر وخصومتهم أقل، وهذا يؤكد أنهم لا يريدون أن يحرقوا مراكبهم مع السلطة في ظل تحولات وهواجس تُحيق بهم ولا يُعرف حدودها ومآلاتها.

شارك "الإخوان المسلمين" في أول انتخابات لهم عام 1956 بعد مضي عشر سنوات على تأسيسهم، وحصدوا 4 مقاعد في مجلس يضم 40 عضوا، وشاركوا في الانتخابات التي أعقبتها حتى تعليقها بعد الاحتلال الإسرائيلي لـ "الضفة الغربية" عام 1967، والتي كانت جزءا لا يتجزأ من المملكة الأردنية الهاشمية.

بعد عودة الحياة البرلمانية عام 1989 شارك الإخوان في معظم الانتخابات وقاطعوا انتخابات أعوام 1997، 2010، 2013، وحين يشاركون بالانتخابات أو يقاطعونها لم تكن المبررات التي يقدمونها هي الكلام القاطع، وكان المطلوب دائما الغوص والاقتراب من أزماتهم الداخلية، وتجاذباتهم مع الحكم.

طوال العقود الماضية حافظ "الإخوان المسلمين" على وجودهم في البرلمان وكانوا صوتا حاضرا، وظلوا يعملون على أنهم "أقلية مؤثرة" حتى لا يتحملوا وزر المرحلة السياسية، ويضطرون للمواجهة والصدام مع السلطة، فهم يعارضون لكنهم لا يدخلون معركة كسر عظم، وهذا ما زرعوه ورسخوه، ففي برلمان 1989 كانوا يشكلون 25 بالمئة من مقاعد المجلس، وظل عبد اللطيف عربيات أكثر زعاماتهم رصانة، وحكمه رئيسا للمجلس لثلاث دورات متوالية، وكانوا يشكلون مع المعارضة اليسارية والقومية ما يُقارب نصف المجلس، ورغم ذلك فإن مفاوضات السلام بدأت واستمرت بوجودهم، ومعاهدة السلام "وادي عربة" أُقرت ولم تُسقطها خطاباتهم.

شارك الإخوان بالانتخابات رغم قانون الصوت الواحد الذي أشبعوه شتما عام 1993، وكانوا بانتخابات عام 2007 التي شهدت أكبر تزوير فاضح، وكانت مشاركتهم ومقاطعتهم سببا دائما في تمدد أزماتهم الداخلية وخروجها إلى العلن، وكانت أيضا مقدمة لانشقاق بعض قادتهم التاريخيين، ورفضهم الانصياع لقرارات المقاطعة وإعلان مشاركتهم في الانتخابات.

حرص الإخوان على حضورهم كأقلية مؤثرة حتى لا يتحملوا وزر المرحلة السياسية ولا يدخلوا معركة كسر عظم مع النظام

الانتخابات ستجري في العاشر من شهر نوفمبر المقبل، ما لم يُشكل تفشي وباء كورونا ظرفا قاهرا يتطلب تأجيلها، والإخوان مُتيقنون أن الزمن القادم بانتخابات أو بدونها ليس لهم، فهم حتى الآن يُداوون جراح أزمة نقابة المعلمين التي أثخنتهم، ويتحسّبون من قرارات قضائية قد تُنهي شرعية وجودهم القانوني، ويعرفون أن الموجة عالية جدا ولا يستطيعون مواجهتها، وكل ما يجب أن يملكوه مهارات للنجاة، حتى لا يغرقون، ويستطيعون معاودة الإبحار إن تغيرت الظروف.

جماعة "الإخوان المسلمين" تتصدع داخليا، وتُعدم خارجيا، وقدرة الجماعة كتنظيم دولي على المناورة والتكتيك للبقاء والصمود ستتعرض لضربة قاضية إذا ما أسفر الغزل التركي المصري عن مصالحة، وسيُصبح الأمر عسيرا أكثر إذا ما نجحت الجهود في تحقيق اتفاق خليجي يُنهي القطيعة بين قطر والسعودية والإمارات.

خلاصة القول، المخاض الذي يعيشه تنظيم الإخوان المسلمين يتعمق، والملاذات الآمنة في الإقليم مُهددة، ولهذا فإن عقلاء وحكماء الإخوان في الأردن ينأون ويُبعدون أنفسهم عن التجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية، وطلبا للنجاة يُسايرون الريح ويتجنبون العاصفة، ويتقبلون الصفعات لأنهم يدركون أنه لا غنى لهم عن الحضن الأردني فهو الأكثر أمانا لهم مهما حدث، ومها كانت الشروط صعبة وقاسية.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.