Indian school students and youth hold placards as they participate in awareness rally against child sex abuse, in Siliguri on…
تظاهرة لطلاب مدارس في الهند ضد الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال

خلال أقل من شهر، تابعنا في المغرب قضيتي اعتداء جنسي على أطفال وقاصرين شغلتا مواقع التواصل الاجتماعي.

القضية الأولى تتعلق بالطفل عدنان (عشر سنوات) الذي تعرض للاغتصاب والقتل من طرف أحد سكان الحي الذي يقيم فيه، قبل أن يدفن قرب بيت أهله في اليوم ذاته الذي اختطف فيه؛ بينما تتعلق القضية الثانية بفقيه في كتاب قرآني اعترف هو نفسه بالاعتداء الجنسي على ستة قاصرين، ذكورا وإناثا، لمدة عشر سنوات (والرقم مرشح للارتفاع).

هاتان القضيتان تطرحان أمامنا سؤالين أساسيين. السؤال الأول يتعلق بالاعتداءات الجنسية على الأطفال؛ والسؤال الثاني يتعلق بالميل شبه الطبيعي لأغلب مكونات التيار الإسلامي لنصرة من كان منهم، مهما كانت التهم الموجهة إليه.

لنعترف بداية أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال تترجم واقعا مجتمعيا حقيقيا وليس مجرد حوادث عابرة... حين نندد بجريمة اغتصاب أطفال في مجتمعاتنا، علينا ألا نتظاهر بأننا تفاجأنا من هول الصدمة أو بأننا نكتشف أمرا جديدا في المجتمع.

بقدرة قادر، تحول الاعتداء الجنسي على قاصرين لـ "زنا"، مما يوحي بكون الضحايا شركاء في علاقة جنسية رضائية... لمجرد أن المتهم فقيه!

قد نتأثر بصدق. قد نتفاعل بإيمان تام مع القضية التي ندافع عنها... لكن هذا لا يجب أن ينسينا أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال هو واقع مجتمعي سائد تتستر عليه الأسر لتفادي الفضيحة؛ خاصة أن أغلب المعتدين يملكون سلطة عائلية (الأب، الأخ، الجد، إلخ) أو دينية (الفقيه). بل أن هناك مثلا شعبيا في المغرب يقول: "ما تتعلم حتى تدوز من تحت المْعْلّم"، وهو يحيل على الحرفيين الصغار الذين لن يتعلموا الحرفة، حتى "يركبهم" الحرفي الكبير (المْعلّم)!

كذلك، وفيما كان يسمى بـ "المسيد" في المغرب، وهي كتاتيب دينية صغيرة كانت تنتشر في الأحياء الشعبية بشكل غير نظامي، يتعلم فيها الأطفال القرآن، فقد كان شبه متعارف عليه (بصمت وسرية وتواطئ) أن بعض مدرسي "المسيد" يعتدون جنسيا على الأطفال!

لذلك، فما نحتاجه اليوم، أكثر من التنديد، هو أن نعترف بهذا الواقع وبالصمت الذي يحيط به... أن نتعلم أن "الفضيحة" لا يجب أن تلتصق بالأطفال الضحايا وأهاليهم بل بالمجرمين الذين يعتدون عليهم، وأنه علينا فضحهم ومعاقبتهم... وإلا، فما دمنا نصمت، فستتكاثر الضحايا بشكل مستمر. وبين الفينة والأخرى، حي يصل الاغتصاب للقتل، أو حين تكون للضحية خصوصية معينة (سن أصغر بكثير من المتعود عليه، انتماء اجتماعي معين، إلخ)، فسنندد على مواقع التواصل بضعة أيام، قبل أن ننسى الأمر ونستمر في اقتراف الحياة... بانتظار حالة جديدة تخرج من السرية!

النقطة الثانية التي علينا التوقف عندها، والتي لا تقل أهمية عن الأولى، تتعلق بالتضامن المطلق بين الفقهاء ورجال الدين وأتباع الإسلام السياسي، مهما كانت طبيعة التهم الموجهة لأحدهم.

ما نحتاجه اليوم، أكثر من التنديد، هو أن نعترف بهذا الواقع وبالصمت الذي يحيط به... أن نتعلم أن "الفضيحة" لا يجب أن تلتصق بالأطفال الضحايا وأهاليهم بل بالمجرمين الذين يعتدون عليهم

في قضية الفقيه المتهم بالاعتداءات الجنسية، خرج العديد من شيوخ السلفية وأنصار الإسلام السياسي والمواقع الإعلامية التابعة لهم ليبرؤوا الفقيه، معتبرين الأمر "مجرد تصفية حسابات"... حتى والفقيه نفسه قد اعترف بجرائمه! تخيل أن يعترف الجاني... وأن يبرئه "أهل عشيرته"!

حتى أن أحد الشيوخ الذي كان، منذ أقل من شهر، يطالب بالإعدام في حق مغتصب وقاتل الطفل عدنان؛ اعتبر في حادثة الفقيه أن إثبات واقعة الزنا يتطلب أربعة شهود عيان. لنتأمل أيضا كيف أنه، وبقدرة قادر، تحول الاعتداء الجنسي على قاصرين لـ "زنا"، مما يوحي بكون الضحايا شركاء في علاقة جنسية رضائية... لمجرد أن المتهم فقيه!

كيف نصور جريمة بيدوفيليا على أنها "زنا" بالتراضي؟ ثم، هل لو تعلق الأمر بعلاقة رضائية بين راشدين، سيعتبر نفس الشيخ بأننا نحتاج لأربعة شهود، أم أنه سيدين "الفاسدين المنحلين"؟

في مثل هذه الحالات فقط، يظهر الفرق واضحا بين من يدافع عن قيم وعن قضايا يؤمن بها فعليا، ومن يتاجر بتلك القيم والقضايا (والدين ضمنها)... ومتى ما مست شعاراته ومصالحه وأهل عشيرته، تبرأ منها بكل الطرق.

كم هو عجيب هذا الصنف من "التدين"!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.