An ambulance drives through the village of Ain Qana, in Lebanon, September 22, 2020. REUTERS/Aziz Taher
سيا رة إسعاف تتجه إلى بلدة عين قانا حيث وقع انفجارا ضخما في أحد المنازل

انفجار ثانٍ في لبنان وقع في بلدة عين قانا الجنوبية. علينا ألا نرتاب! انفجار يشبه انفجار المرفأ في غموض أسبابه. المطلوب من اللبنانيين ألا يرتابوا وإلا يكونون خونة! أيعقل أن نرتاب بأسباب انفجار كبير لم يوضح لنا أحد أسباب وقوعه؟ أيعقل أن نفكر في أن لـ "حزب الله" مخازن أسلحة بين منازل السكان؟ ونحن إذ ندرك أن للحزب قواعد ومخازن أسلحة بين المنازل، علينا بدورنا ألا نتحفظ على هذه الحقيقة. ممنوع أن نتحفظ عليها، وممنوع أن نعلن خوفنا، وممنوع أن نجاهر بأي مشاعر حيال هذا الموت المحدق بنا.

هذا ما جرى فعلا في يوم الانفجار الثاني. وحدها وسائل التواصل الاجتماعي من تولى مهمة بث الريبة، وهي إذ فعلت ذلك، فمن باب تأكيد ما نحن به من فصام. فالخبر على هذه الوسائل أشبه بإشاعة، وأقرب إلى وهمٍ منه إلى حقيقة. صمت "حزب الله" كان أبلغ مما نقلته وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار وصور وفيديوهات. صمت ترافق مع خبر عن أن الحزب يضرب طوقا أمنيا يمنع فيه وسائل الإعلام من الوصول إلى مكان الانفجار. صمت ترافق مع تصريح لمصدر "مسؤول" يكشف عن أن الانفجار ناجم عن مخلفات قذائف تركها العدو. الصمت مترافق مع قناعة بأن تحقيقا بهذا الانفجار لن يجري.

الاستبداد يكتمل حين تنجح سلطة في تدجين الناس وتدريبهم على إشاحة وجوههم. الرجل في ساحة عين قانا خائف، وهو يعرف أن الجميع يرى خوفا على وجهه

إنه العدو إذا، لكنه هذه المرة، وكل مرة، لم يبادر لاستهداف مركز للحزب، إنما خلف قذائف تم ركنها منذ سنوات طويلة في هذا المنزل في عين قانا. العدو اليوم لا يجرؤ على استهداف المقاومة. علينا اليوم أن نكون شديدي الاقتناع بهذه المعادلة، وإلا سنكون من الخونة، الذين وظفتهم السفارات في ماكينتها الإعلامية. في البداية كان علينا أن نقول الاشتباك بين الحزب وبين هذا العدو هو عدوان، أما اليوم فالخيانة هي أن نتوهم بأن العدو يجرؤ على أن يفعلها.

لقد حول "حزب الله" لبنان إلى ساحة من الوقائع الضمنية غير المفصح عنها. الرجل الواقف في ساحة عين قانا والذي اقترب من مراسل تلفزيوني بهدف التحدث إلى الكاميرا، قال: "لا أريد أن أتحدث عن الانفجار. لا أعرف تفاصيل ما جرى. ما أريد قوله إن الناس غير خائفة، وما جرى ليس مهما، ولا داعي لكل هذه الكاميرات". ما قاله الرجل هو استجابة حرفية لما هو مطلوب منا نحن اللبنانيين في ظل جمهورية "حزب الله". يجب ألا يثير انفجار كبير كالذي وقع في عين قانا ريبتنا. يجب أن نستيقظ في الصباح وكأن شيئا لم يحصل. يجب على وسائل الإعلام أن تقول إن الانفجار لا يعدو كونه قذائف خلفها العدو أثناء حرب العام 2006.

وهل الاستبداد غير ذلك؟ وهو هنا انتقل من كونه فعلا تؤديه السلطة إلى كونه ممارسة اجتماعية تشترك فيها شريحة واسعة قبلت بأن انفجارا لم يقع، وأن الناس غير خائفة، وأن علينا ننام على شكوكنا، وأن نبقيها بيننا وبين أنفسنا. الاستبداد هو أن ينجح "حزب الله" في انتزاع حقه في أن نصمت. حتى انفجار بيروت شبه النووي، يثير البحث في أسبابه ريبة موازية لريبة الرجل الواقف في ساحة عين قانا، ذلك أن البحث في الأسباب قد تقف خلفه شكوك بالمقاومة، أو باستهداف المقاومة. فالتفكير بأن المقاومة مستهدفة صار ينطوي على خيانة، فهو قد يؤدي بصاحبه إلى توهم أن السلاح يجر علينا مخاطر، وأنه سبب الانفجارات التي تجري بين منازلنا وهذه ذروة الخيانة أيها اللبنانيون.

حول "حزب الله" لبنان إلى ساحة من الوقائع الضمنية غير المفصح عنها

الاستبداد يكتمل حين تنجح سلطة في تدجين الناس وتدريبهم على إشاحة وجوههم. الرجل في ساحة عين قانا خائف، وهو يعرف أن الجميع يرى خوفا على وجهه. السلطة بدورها غير مكترثة من حقيقة أن خوفا ظاهرا على وجهه. الأهم بالنسبة لها أن يقول ما قاله على شاشة التلفزيون. تماما مثلما غير مهم بالنسبة إليها أن يعتقد اللبنانيون أن الانفجار خلفه مخزن سلاح بين منازل السكان. الأهم هو أن يصمتوا.

تنسحب هذه المعادلة على كل وقائع حياتنا في ظل جمهورية السلاح. فأن يُصر الثنائي الشيعي ("حزب الله" و"حركة أمل") على أن يتولى وزير شيعي وزارة المال وأن يجري إجهاض المحاولة الفرنسية لإنقاذ لبنان بهذه الذريعة، فهذه ليست ممارسة مذهبية، وعلينا أن نعتقد أن هذا لا ينفي حقيقة أن نبيه بري يريد دولة مدنية، وأن "حزب الله" ليس حزبا طائفيا.

إنها مقومات العيش في دولة "حزب الله"، وهذه وقائع خبرها قبلنا من عاشوا في دولتي البعث في سوريا والعراق، ويختبرها اليوم من يعيش في جمهورية ولاية الفقيه. إنها "جمهورية تفاهم مار مخايل".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.