Israeli model May Tager, left, covers herself with an Israeli flag next to Anastasia Bandarenka, a Dubai-based model who covers…
عارضتا أزياء إسرائيليتان تلتفان بعلمي إسرائيل والإمارات خلال جلسة تصوير في دبي

مر أكثر من أسبوع على توقيع البحرين والإمارات على اتفاقيات إقامة العلاقات الرسمية مع إسرائيل في البيت الأبيض، فيما تستعد دول عربية أخرى لفعل الشيء نفسه. لم تخرج تظاهرات أو مسيرات كبيرة مناهضة في العواصم العربية، أو يشتعل الشارع العربي غضبا كما توقع البعض، بل حتى هنا في الولايات المتحدة خرجت تظاهرة يتيمة، خجولة، لم يتعد عدد أفرادها الخمسين شخصا يوم التوقيع وسرعان ما تفرقت. وحده "الذباب الإلكتروني" راح ينشط كالمعتاد على مواقع التواصل الاجتماعي في مهاجمة الاتفاقيات والموقعين عليها.

شعارات وأوهام

إذا كان ثمة شيء يدلنا عليه رد الفعل العربي هذا فهو التالي: أن الناس ملوا وتعبوا من الدوران في هذه الحلقة التي باتت مفرغة، والطاقة المتبقية لديهم تذهب من أجل الاهتمام بشؤونهم المحلية وتدبير معيشتهم والاهتمام بأطفالهم وأسرهم. لا يعني ذلك أنه ليس لديهم رأي في القضية الفلسطينية أو أنهم لم يعودوا يهتمون بمصير أشقائهم الفلسطينيين، ولكنهم سئموا الشعارات المرتبطة بالقضية التي يستخدمها السياسيون وتوظفها الأنظمة والحركات الطامحة للنفوذ والسلطة وتكرس من أجلها كل مناحي الحياة، وتريد من الناس أن يكونوا حطب نار لها.

كم نظام عربي استخدم القضية الفلسطينية من أجل أن يبيع على الناس الشعارات والأوهام؟ وكم من نظام عربي استغلها كي يظهر عنترياته وبطولاته الزائفة؟

في الكثير من المرات كان المواطن العربي يصدق هذه العنتريات ويتجاوب معها، ليكتشف بعد فترة أن الأمر كله لم يكن أكثر من مصيدة نصبت له ووقع فيها.

مناضلون بالقطعة

لا يقتصر الأمر على الأنظمة فقط، ولكن هناك سياسيون ومثقفون وإعلاميون، هبوا لمهاجمة اتفاقيات السلام ولم يوفروا أي مصطلح أو نعت كي يرموه بالمشاركين فيها، وراح بعضهم كعادته يتفنن في السخرية من الخليجيين وإخراج أسوء ما فيه من مشاعر مكبوتة تجاههم.

وتستغرب، أين كان هؤلاء قبل الإعلان عن هذه الاتفاقيات؟ هل كانوا مثلا مشغولين بقتال إسرائيل وتنظيم الخلايا وإعداد المقاتلين أو إدخال السلاح والعتاد للفلسطينيين؟

هل كانوا مثلا يتبرعون بجزء من أموالهم للفلسطينيين أو للسلطة الفلسطينية التي لا تجد مالا تدفع منه رواتب موظفيها، أو ربما كانوا منهمكين في مشاريع الإعمار وخطط التنمية التي سوف تنتشل المدن والبلدات الفلسطينية من البطالة والفقر؟
لا شيء من ذلك البتة. فقط الإعلان عن اتفاقيات السلام حرك مياههم الراكدة وجعلهم يرفعون الصوت عاليا، كعادة العرب، كي لا يتهموا بالتخاذل والسكوت. ولم لا، فالإنترنت فضاء مجاني والكل يستطيع أن يدلي بدلوه، فإن لم يجد الوقت للكتابة المطولة فيستطيع أن يغرد!

الذباب الإلكتروني

أكثر من ذلك فإن المعارك الحالية انتقلت إلى الإنترنت، حيث يوهمك "الذباب الإلكتروني" بأنك أمام رأي عام يعارض أو يؤيد هذه القضية أو تلك، فيما الراجح هو أنك أمام مجموعة من الموظفين الحكوميين، أو ربما بضعة أشخاص يستخدم كل منهم عدة حسابات للدخول بأسماء مختلفة على المواقع الإلكترونية أو ينشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي ليكتبوا ويعيدوا كتابة ما سبق أن نشروه، فيعتقد القارئ بأن هذه الآراء تعبر عن رأي جماهيري أو عام أو ما شابه. فيما الحقيقة هي في واد آخر.

ويزداد استغرابك عندما تكتشف أن هذه الضجة كلها في مواقع التواصل الاجتماعي يقابلها صمت في الشارع، بل وانسيابية طبيعية للحياة العادية. فتبدأ في الشك فيما إذا كانت تلك الضجة هي مجرد فرقعة يراد منها الإيهام بوقوع أمر جلل، أم أنها محاولة مستميتة لتحريك الناس وجعلهم يتفاعلون، في وقت سئموا فيه هذه القضايا والشعارات.

كل عقد ترذلون

الحقيقة هي أن الوضع في العالم العربي اليوم هو أسوأ منه قبل عشر سنوات، ولو عدنا إلى عام 2010 لوجدناه أسوأ من العشرية التي سبقته، وهكذا. ما الذي سوف يجعل العشرية القادمة تخالف النمط السائد وتكون أفضل مما سبقها؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي علينا جميعا أن نركز عليه، خاصة مع استمرار المؤشرات المقلقة والتي من بينها: انخفاض أسعار النفط، وتحول المزيد من الدول العربية إلى دول "فاشلة"، وشح المياه، وزيادة في عدد السكان، وتراجع الاقتصاديات، واستشراء الفساد (عموديا وأفقيا)، واستمرار الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والسياسية بين العرب... إلخ.

هل يحتاج العرب إلى صراع مع إسرائيل يضيفونه إلى كل هذه الكوارث التي تحيط بهم؟ وهل استمرار هذا الصراع أو نتيجته يمكنها أن تحل أي من مشاكلهم القائمة؟

طبعا للدين وثقافة الإسلام السياسي دور كبير في تأبيد هذه الصراعات وجعلها مستمرة إلى يوم تقوم فيه الساعة! لكن السؤال هو: ألم يحن الوقت (الواقع أنه قد حان منذ أمد بعيد) للخروج من هذه القوقعة؟

وإذا كان هناك من هو مستعد للانتظار حتى قيام الساعة فهو حر في ذلك، لينتظر، لكن بالتأكيد ليس الجميع مستعد أن يشاركه رغبته تلك. هل يفهم أخونا هذا الأمر؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.