The windows of the Tel Aviv-Yafo Municipality building illuminated with the word "Peace" in Arabic on September 15, 2020 to…
إضاءة مبنى بلدية تل أبيب بكلمة "سلام"

اتفقت أنا وصديقي اليهودي على مناقشة موضوع الصراع العربي الإسرائيلي ونحن نتناول كوبا من القهوة الساخنة. وكان سبب المناقشة أننا اتفقنا أن الحقيقة لا يمكن إدراكها من جانب واحد فقط وعلى الإنسان أن يعرف كيف يراها الآخرون حتى يصل لإدراك الأمور بصورة عادلة.

قال لي في بداية المناقشة أني لا بد أن أقول العدل والحق حتى لو كان على نفسي أو الوالدين أو الأقربين كما قالت الآية الكريمة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ "(سورة المائدة 8)؛ وكما ذكر القرآن الكريم في محكم آياته "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ" (سورة النساء 135).

واتفقنا أن نبدأ الحوار...

سألني صديقي أن أسرد له بأمانة كيف يرى كثيرون في العالم العربي والإسلامي إسرائيل واتفقنا أن أسمع ما سيقوله كرد على هذه النقاط وأن أنقلها إلى القراء.

قلت له إن أول نقطة في الصراع هي أن العرب يرون الإسرائيليين مغتصبين لهذه الأرض... فالتفت إلي وقال: وهل نسي هؤلاء أن كثيرا من ملاك الأراضي الفلسطينية باعوا الكثير من هذه الأراضي لليهود في أوائل القرن الماضي... وهل نسوا أن إسرائيل كانت مملكة عاشت على هذه الأرض قرون عديدة وأن القرآن أقر أن هذه الأرض كتبها الله لهم وأنها إرث لهم كما ذكر القرآن الكريم: "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ" (المائدة 21)؛ "وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا" (الأعراف 137).

ارتشفت من فنجاني وأنا مبتسم ثم قلت له ولكن المفهوم الإسلامي التقليدي يقول بأن المسجد الأقصى وما حوله ملك للمسلمين لأن الرسول عليه السلام ذهب إليه في المنام في حادث الإسراء والمعراج!

فالتفت إلي وقال وهل لو كان حسين علي النوري الملقب بـ "بهاء الله"، وهو مؤسس الديانة البهائية، رأى في المنام أنه يزور مكة سترون ذلك في عالمكم الإسلامي مبررا للبهائيين أن يقولوا إن مكة ملكا لهم؟ ثم قال لي دعني أسألك بوضوح من كان هناك وقت هذه الزيارة في حادث الإسراء والمعراج؟ المسلمون لم يكونوا هناك قبل الفتوحات الإسلامية للمنطقة! أي أن هناك أناس غير مسلمين كانوا هناك وقتها وأن الرسول حينما زارها لم يكن الإسلام دخلها أصلا فكيف تدَّعون أن المسجد الأقصى ملكا للمسلمين بالرغم من أنه قد تم بناءه قبل نزول الإسلام على الرسول أصلا؟

أخذت رشفة أخرى من فنجاني في هدوء شديد... وبدأت أفكر فيما يقول... ثم قلت له: فكيف ترد إذا على من يقولون إن بني إسرائيل يرون أنهم شعب الله المختار وأن الله فضلهم على الآخرين؟ هل من رد على هذه النقطة؟

ترك صديقي فنجان قهوته على المائدة وقال لي بجدية "ألم يقل قرآنكم ذلك"؟ قلت له أرني الدليل فأراني في القرآن هذه الآية: "وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِين مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" (سورة الدخان 30 ـ 32).

ثم قال لي أليس هذا الاختيار من عند الله كما يقول القرآن؟ ثم قرأ لي الآية: "يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (سورة البقرة 47)... وقال "أليس هذا التفضيل من عند الله وليس من عندنا! أم أنك لا تصدق القرآن؟".

تركت فنجان القهوة من يدي وقلت له وماذا تقول إذا عن اتهامكم أنكم خنتم الرسول عليه السلام وتعاونتم مع المشركين.

ابتسم صديقي وقال لي هل ذلك يعني أن لو كان جدك ضرب جدي منذ مئة عام فمن حقي اليوم أن أكرهك وأعاقبك اليوم على فعله؟ ألم ينهكم القرآن عن محاسبة البشر بأخطاء غيرهم فقال صراحة "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" (سورة فاطر آية 18).

وكما وعدت صديقي قررت أن أعرض تساؤلاته للعالم الإسلامي حتى يعرفوا كيف يفكر غيرهم من الزاوية الأخرى!

والتفت لكي أطلب لصديقي قطعة حلويات مع القهوة كي نأخذ راحة ذهنية واتفقنا أن نكمل الحوار الأسبوع القادم سويا!

وابتسمت لصديقي وقلت له "العزومة المرة الجاية عليك!".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.